" فيسبوكيات " [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : قيس العمايرة ] [ آخر مشاركة : قيس العمايرة ] [ عدد الزوار : 10986 ] [ عدد الردود : 159 ]
أمريكا المنحازة للاحتلال، ستعمل على إفشال الخطة الفلسطينية [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : رشيد شاهين ] [ آخر مشاركة : رشيد شاهين ] [ عدد الزوار : 13 ] [ عدد الردود : 0 ]
حلاوة علقم [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : م.موسى ابراهيم ] [ آخر مشاركة : م.موسى ابراهيم ] [ عدد الزوار : 21 ] [ عدد الردود : 0 ]
رصد اعلامي لـ حرب العصف المأكول ... حرب العاشر من رمضان في غزة [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : يوسف حجازي ] [ آخر مشاركة : م.موسى ابراهيم ] [ عدد الزوار : 50 ] [ عدد الردود : 2 ]
أحلى فنجان قهوة وأحلى أغنية وأحلى حديث سيكون معكم / أين أنتم ؟؟؟ [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : منى كوسا ] [ آخر مشاركة : منى كوسا ] [ عدد الزوار : 26649 ] [ عدد الردود : 473 ]
عذوبة [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : حسين أحمد سليم ] [ آخر مشاركة : حسين أحمد سليم ] [ عدد الزوار : 18 ] [ عدد الردود : 0 ]
آآآآآه لو تعرف شو بحبك [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : ياسمين الصالح ] [ آخر مشاركة : ياسمين الصالح ] [ عدد الزوار : 3123 ] [ عدد الردود : 78 ]
اردنيه حتى النخاع .... [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : ياسمين الصالح ] [ آخر مشاركة : ياسمين الصالح ] [ عدد الزوار : 2456 ] [ عدد الردود : 71 ]
الطريق إلى جرش [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : عبدالكريم الخلايله ] [ آخر مشاركة : عبدالكريم الخلايله ] [ عدد الزوار : 4208 ] [ عدد الردود : 44 ]
حنين [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : هادي سعيد ] [ آخر مشاركة : هادي سعيد ] [ عدد الزوار : 22 ] [ عدد الردود : 0 ]

إهداءات وبرقيات


العودة   آفاق العروبــــــة > مكتبــــــة آفاق العروبــــــــة العامـــــــــة > مـكـتـبة العروبة للكتب والروايات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
 
  #1  
قديم 11-09-2010, 09:35 PM
الصورة الرمزية نديم الشمعه
نديم الشمعه غير متواجد حالياً
شاعر واديب

 
My SMS هــHeــو .. من قال ؟ إني آخر المتصوفين..... أنا لست يا قديستي الرب الذي تتخيلين رجل أنا كالآخرين بطهارتي .. بنذالتي رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين وداعة الأطفال فيه . رجل أنا .. كالآخرين رجل يحب - إذا أحب بكل عنف الأربعين لو كنت يوماً تفهمين
بيانات :-

 
نديم الشمعه is on a distinguished road
افتراضي الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح

الشماس















1
كان الشماس العجوز ينظر للشمس التي لم تشكل روعة شروقها: أكثر من مجرد الإحساس الجميل بالدفء من خلال فتحة في أعلى، الحائط والجسد الصغير ينام علي حافة السرير. بين الحين والحين يضع يديه الضامرتين في صفيحة الماء الموضوعة فوق الموقد ، ليعرف مساحة الدفء في الماء ثم يقول :
هذا المحطوط فوق السرير كان يحبك، فلم أخذته؟! ولمن تترك يديّ حين تُسيرني في الظلام. لقد كان لي دبُّ، أسد كامن في مخابيء، كل بهاء عيني حين يزهر الكرم، ويُنوّر الرمان، وتُغلق الأبواب في السوق ، وتبطل الطواحين، وتُظلم النواظر من الشبابيك، ويطوف النادبون علي الأبواب، وتظلم الشمس والنور والقمر والنجوم، وترجع السحب بعد المطر، ويتزعزع حفظة البيت وتتلوي رجال القوة . لم تُصيّرني رجسا، وتخرب أبوابي، وتُشمّت بي بني أمي؟! لم تجعلني كناطور الكروم، وتجرش بالحصي أسناني ، وتكبسني بالرماد، وتُشبعني عارا. وتجعلني وسخا وكريها وتثقل سلسلتي في آخر أيامي؟!
ارتعش الواقفون جوار الجسد عند خروج الكلمات من بين أسنان الشماس الصدئة محملة بماء العين. لم يكن يعرف أن قداسة الأب هو الذي سيُغسّل ابنه النائم فوق السرير ، ويرمي بأسرار الموت في أذنه. استعد قداسته منذ الصباح علي غير عادته. أمسك بكتاب الأسرار المقدسة خوفا من أن ينسى سرا، فتضيع تلك الروح التي
أحبها بين خراف الله الضالة . ثمانية عشر عاما مضت منذ أن عمده بالماء المقدس، ولم يبك كالاطفال . يومها قال للشماس هذا الغلام الجميل لك. أنت أب ذلك الذي أوصي به خيرا ذلك الذي تحمل خطيئة ابن الإنسان.
انتفض جسد الشماس الضامر حين وضع يديه في الصفيحة فقال لمساعده الصغير:
ـ يا إبراهيم الماء فار. فهل يكبه الأعمي ويضع غيره علي الموقد السريع أم تحمل ذلك عنه يابني؟
كان إبراهيم ذلك الغلام الجميل يُمسك بوجه النائم فوق السرير ، ويتأكد من خلوه من الشعيرات النابتة. ارتعش الرأس بين يدي ابراهيم حين أكمل العجوز كلماته . في الطريق لإحضار الماء كان إبراهيم يقول بصوت يسمعه الماشي جواره:
ـ كيف فار الماء بين يدي العجوز وهل يعترف بذلك يوم الأحد القادم؟
حين عاد كان الشماس العجوز قد أشعل الموقد السريع، ولم يضع الآخر مكانه. ليكن هذا دليلك ياإبراهيم علي خطيئة ذلك العجوز.سوف تكون أصغر شماس، وتفرح أمك، وتغيظ بك زوجة عمك التي تأخذ مرتب أبنائها الثلاث،وتشتري به قططا، لتأكل فراخ أمك الحزينة. انتبه الجميع علي صوت قداسة الأب يأمره بإحضار الجسد إلى.المذبحة.
وضع الشماس يديه في صفيحة الماء ، وأطفأ الموقد، قال للغلام ارفع الموقدين يا يهودا. ارتعش بدن الصغير حين سمع الاسم الذي كان يسمعه في درس الجمعة، وعند ذلك يرى الواعظ يتفُل على الأرض، ويرسم علامة الصليب .هو يعرف حكاية الحواري الذي أنكر الأب قبل صياح الديك ثلاث مرات. يومها جرى إلى أمه، فوجدها تبكي لفقد أربع دجاجات، فقال لها لاتبتئسي يا أمُّ، سأدعو الأب أن يُنسي قطط امرأة عمي فراخك . أخذته في حضنها ومن بين دموعها سمع صوتها يقول كيف أيها الشماس الصغير؟ فحكي لها كيف قال الرب لتلميذه ستنكرني قبل صياح الديك الأخير ثلاث مرات.
وراح يحكي لها كيف أنكره الرسول فنظر إليه الرب، فخرج بطرس وبكي بكاء
حارا وهام علي وجهه في البرية.ضحكت الأم البكاءة دائما.
كيف عرف ذلك الشماس بأفكارك الصغيرة؟! من أخبره بك يا إبراهيم؟! ارتعش بدن إبراهيم حين سمع الشماس يقول له : أنا عارف بكل أفكارك يا إبراهيم، فلا تستعجل، فالشماس الذي بعد قليل سيُغسّل ابنه، يعرف ما دار بينك وبين الشيطان، حين خرجت تملأ الماء، فأمهله قليلا حتي يُغسّل ابنه كما يليق به .
حين وضع الجسد على المذبح، كان الشماس العجوز يرمي يمام عينه الذي استكان من يوم مولده علي مكان المذبح . يمسك بيديه الصليب المُدلّى من رقبته، و يهمس .حين نظر إليه قداسة الأب، لم يكن يعلم أن الشماس يقول للصليب المصنوع من بلاستيك أسود وفي وسطه صُلب الابن المقدس بطريقة كادت تخلع قلب ابراهيم حين رآه :
ـ هذا الذي وُضع على المذبح ، وبعد قليل أضع الماء الدافيء علي صدره دون أن يقول لي خفف الماء بالماء ياأبي، فأنا أحبه فاترا .أم تراك نسيت أيها العجوز ؟فارحمني يا رب وأطلق يمام عيني لمرة وحيدة أري فيها وجهه الذي كنت ألمسه بيدي. مرة واحدة يارب. عريانا خرجت من بطن أمي وعريانا أعود إلى هناك،
فمد يدك نحو عيني، ليكون نورا. زمجرة الأسد وصوت الزئير غاب عن أذني. أنياب الشبل تكسرت. الليث هالك إذا لم ير شبل اللبؤة الذي تبدد لمرة وحيدة .
أوأقول لك ياأبي أطلق يدك، وقطعني . اسحقني. فما هي قوتي بدون هذا النائم؟ وما هي نهايتي حتي أُصبّر نفسي؟ هل قوتي قوة الحجارة؟! هل لحمي نحاس؟! أم أن المساعدة مطرودة عني؟! أليس جهادا للإنسان على الأرض؟ . كأيام الأجير أيامي، فلم قسمت لي شقائي؟! ولم تلبس روحي الدود؟!
إن حياتي إنما هي ريح دون النائم، وعيني إذا لم تره لمرة آخيرة فلم تر خيرا ،
ولا تغضب مني، فأنا أشكو بمرارة نفسي وضيق روحي.
لست ببحر، حتي تجعل عيني عليّ حارسا. أطلقها وأرخها حتى أبلع ريقي فقط أو تملا فاك ضحكة يا رب.
جربني يارب وامتحني .هل تذكر يوما قال لي القس "متّى" كيف يكون ابنك وعيونه زرقاء وأنت أعمي تماما وامرأتك دميمة.؟! هل تذكر هذا المساء رفعت صليبك وقلت لك:
ـ عليك بمتّي. ليكن هذا المساء ظلاما . لا تعتنِ به يارب من فوق، ولا تُشرق عليه نهارا. ليملكه الظلام وظل الموت. ليحلَّ عليه سحاب. لتُرعبه كاسفات النهار ولا يفرح من أيام السنة ولا يدخلن في عداد الشهور.
وليكن عاقرا ولا يسمع. ليلعنه لاعنوك اليوم المستعدون لإيقاظ التنين، وتظلم نجوم عشائه ولا يرى هُدب الصبح، لانه لم يغلق أبواب فمه عني. وفي الصباح قال الواعظ:
ـ من له قلب ،فليخشع، وتلا على المصلين ما فعلته بمتَّي.
المحبة جميلة، فطيِّر يمامي، لأغسله فقط.!

2
علي غير عادته كان قداسته يرتدي زيا أبيض، وعلى صدره حمالة بلاستيكية، تحميه من الماء. حين رأى الشماس يترك الصليب ينام علي صدره نادي عليه، فحرك قدميه العاريتين، ووقف أمامه. وضع قداسته يديه علي ظهره، وقال هل نبدأ الغُسل ياصديق؟ حرَّك الشماس رأسه دون أن ينطق بكلمة.
أمسك ابراهيم بصفيحة الماء الساخن، فقال له الشماس دعنا وحدنا يا إبراهيم. وضع ابراهيم الصفيحة، ونظر في عين قداسة الأب الذي انشغل عنه بالنظر إلى عين النائم فوق المذبح، فخرج.
أمسك قداسة الأب بيد الشماس ، وأخذ منه الكوب وهمس له:
ـ أيها العجوز لم ينزلق الماء هكذا دون أن يعلق بالجسد ولو قطرة.
ما خطيئة ابنك؟!
دمعت عينا الشماس، وحكي له عن فوران الماء. انزعج الاب كثيرا وهو يستمع لجرجس الذي كثيرا ما حضر ماء الغسل ويعلم جيدا سر الماء وابدا لم يدع الماء يفور،كيف حدث معه ذلك،امسك الاب بيد جرجس الظاهر عليها الاحمرار اثر الماء الساخن ثم تركه لحظات ودخل إلي حجرة الاسرار وامسك بالحق الذي ظل يحتفظ به طيلة اربعون عاما منذا صنعه له بعد أن وقع علي باب الكنيسة ثم خرج وهو يتذكر شكل جرجس الصغير .وضع المرهم علي يد الشماس وحاول ان يقول له لكن دموع الشماس المتساقطة لم تمنحه فرصة التذكير. نادي قداسته على إبراهيم، فدخل مُسرعا. أمره أن يُمسك بساقيّ النائم ، والعجوز يُمسك برأسه. أدار الجسد على المذبح، وبعد أن أطمئن علي وضع الجسد بالطريقة المثلي دخل مُسرعا إلى حجرة الأسرار ليأتي ببعض الخل المعتق . انسحب ج=رجس ألي الركن ورما يمامه عينه إلي الكوة مرة آخري لعل الله يمنحه طلبه. أمسك إبراهيم بالكوب ووضعه في الصفيحة بعد أن خفف الماء بالماء البارد، ثم رمى الماء على جسد النائم، فانزلق كله. لم يبق على الجسد ولو نقطة وحيدة .
أتى الأب بزجاجة الخل وأمر إبراهيم بالخروج، فقال له الشماس:
ـ لاداعي، فلقد تأكد بنفسه من خطيتي، ووضع الماء علي جسد مينا ولم يستقرولو قطر علي جسده.
فتح ابراهيم فمه وتأكد له أن الشماس يرى كما قالت له أمه حين عاد إليها ذات مساء، وأخبرها بما فعله مع البنت الجميلة عند إقامة العرس، وكيف أن الشماس لكزه في جنبه حين أشار لها بالخروج بعد أن لمسها، ولمسته، وتأجج شئ ما تحت سرواله،وعندما هم بالخروج أمسكته يد الشماس وقال له بصوت هامس: لا تخرج الآن.
وضع الاب بعض قطرات الخل في فم مينا وقال للعجوز، لتسترح قليلا حتى يتخلل الخل الفم كله، ودخل إلي حجرة الاسرار مرة أخرى.
بعد أن تمَّ الغسل لف الأب الجسد جيدا و أمر بإحضار الصندوق. الواقفون خارج المذبح دخلوا به، ورفعوا الغطاء، فرمى الأب بعض الزهور في الصندوق، ثم خلع حذاءه، ونزل فيه ، وقال لهم أنزلوا الغطاء عليّ، ثم قال لإبراهيم آتني بمطرقة، خرج إبراهيم سريعا مع المعلم رياض خال مينا . امسك الشماس بغطاء الصندوق وقاس بيده ارتفاع المسمار واحس انه القدر المناسب تماما حسب خبرته
عند ذلك قال الشماس:
خلا شرب. خطيئة لم يعمل، فلم المسمار يا أبي؟
هل هو نسر ينقض إلى قنصه؟!
هو مستذنب، فلم يتعب عبثا، وتبقر بطنه دوني؟!
الماء فار مني، وليس منه. لا تجعلني أكره نفسي ، ولاتخسرني بطن ابن امرأتي. لا أبالي بنفسي. رذلت حياتي. إني شبعان هوانا، وناظر مذلتي فلا تجدد شهودك تجاهي، وتزيد غضبك عليّ. لا داعي للمسمار أيها الأب المقدس.
عند ذلك دمعت عينا إبراهيم الذي عاد في نصف كلام الشماس وبيده المطرقة التي تركها وأمسك بغطاء الصندوق الثقيل ورفعه عاليا، وتركه يسقط في هدوء جوار المذبح وخرج.

3

تسعة عشر يوما مرت ، والشماس العجوز الذي تساقطت أسنانه تماما من لحظة أن أمسك بالمسمار المدبب وقال: ليت كربي وزنك، ومصيبتي رفعت في الموازين جميعها لأنها الآن أثقل من رمل البحر.
لم المسمار أيها الرب؟ ولماذا تغرس كل سهامك فيّ؟!
فهمني في أي شيء ضللت؟! وإلى متي تُشبع روحي قلقا؟!
ألك عين بشر؟ أم كنظر الإنسان تنظر؟
المطمئنون مهيئون لمن زلت قدماه، وخيام المخربين مستريحة؟
افتح حنكك معي.
وبّخني يا رب .سمعا سمعت،فلماذا تحجب وجهك، وتحسبني عدوا لك؟!
عند ذلك قال له الأب من أجل النائم وليس من أجلك أنت دعْ المسمار .
تسعة عشر يوما والشماس الذي لم يغب عن الخدمة من يوم أن حضر مع أبيه في صباح يوم أحد، وسمع الصغار يغنون بصوت جميل فقال لأبيه: دعني هنا مع الاطفال، فأدخله في الخدمة، ومن يومها لم يغب يوما واحدا، يوما واحد لم يغب على الإطلاق.
تسعة عشر يوما مرت وإبراهيم ذلك الشماس الجديد يحاول أن يكفر عن اخطائه في حق الشماس القديم، ولكن الشيطان يقف له، فما إن يشرع في عمل شيء صالح، ويرهق نفسه كأنه كلب يصارع أرنبا بريا حتي تذهب جهوده هباء، بدخول الشيطان الذي لا يقتضي منه ذلك إلا انتفاضة من ذيله.
تسعة عشر يوما مرت ومازالت امرأة الشماس تحاول أن تضع الخبز في فمه، فلا تستطيع، فترطب جبينه بالماء فينتفض.
تسعة عشر يوما مرت ، وفراخ أم إبراهيم ذلك الشماس الجديد لا ينقص منها شيء ولو مجرد بيضة.
تسعة عشر يوما مرت، والشماس القديم الذي اعتزل الخدمة ، وقلّد إبراهيم الصليب البلاستيكي يرى وجه ابنه في الثانية عشرة تماما، فيقول له: أنا شبعان تعبا، ونفدت مياه عيني، وقلبي نشف ، وجف. ما الذي تعرفه ولا أعرفه؟
وماذا عندك وليس عندنا؟
هل من نهاية لروحي التي أفلتت وأيامي المنطفئة؟ أعضائي كالظل . إرث قلبي قد انتزع،فلمن القبور إذن؟
تسعة عشر يوما، والشماس ينتفض وينهنهه كلما لمس الماء جسده.
تسعة عشر يوما وامرأة الشماس تسأل المعزين المتعبين لمن تسيب شكواها؟
4
حين دخل عليه الحجرة وجده في غفوة على الكرسي الهزاز المصنوع من شجر البامبو
فلم يشأ أن يوقظه واستدار عائداً ،وقبل أن يغلق الباب سمع صوت الأب بشاي يقول له:ـ
• ماذا تريد يا جرجس؟
رد جرجس بصوت ضاحك
• هل أفاق سيدي؟
فابتسم الأب دون أن يرد عليه ، فأحس جرجس بغصة في حلقه وقال له :ـ
• هناك امرأة في حجرة الاعتراف فهل أقول لها إن الأب يُقيّل ؟
• من هي أيها الشماس ؟
• ليست من أبنائك لأن إبراهيم الصغير قال إنها ترتدي تنورة سوداء وغريبة عن البلدة.
• ليدخل عليها إبراهيم بعصير الليمون ريثما أُصلى، وعليك أنت أن تخبرها إن اللقاء تعارف وليس اعترافاً .
أغلق جرجس الباب بعد خروجه، فوقف بشاي، ليصلى، وقبل أن يُنتهي من صلاته، سمع الباب يُفتح. حاول أن يُتم صلاته، ولكن عين جرجس التي لم تر الشمس من يوم ولادته أخرجته من صلاته بتلك التحركات المنتظمة والدقيقة، فأنهي الصلاة وقال لجرجس :ـ
• ألا تعرف أنى أصلي أيها الحَمَل الضّال ؟!
ارتعش جسد جرجس الضعيف وقال :
• السيدة تريد الاعتراف لا التعارف .
انتفض الأب بشاي وهو يقول :
• اذهب إليها، وقل لها أن تذهب إلى أبيها، لتعترف له. وإذا لم تجده، فلتذهب إلى الشيطان أما أنا فلن أتلقّى منها أي اعتراف .ولا تدخل على في هذا اليوم مرة أخرى أيها المُخرِّف الأبله. وقبل أن يكمل جملته الشهيرة اذهب للجحيم وجد قدمي جرجس تهتزان، ولا تستطيعان حمله، فجرى إليه، وأخذه في حضنه وقال له :
• لا تغضب منى أيها الصديق أنت تعرف إنني كنت أصلى. ولا أحب أن أخرج من صلاتي حتى لو جاء نيافة الأنبا ذاته ... ثلاثة وعشرون عاماً وأنت معي هل أغضبتك يوماً ؟ سامحني أرجوك أيها العزيز.. هل أبكى على كتفك أم أمُرّغ رأسي في حضنك الدافئ حتى تغفر لي ؟
اختلطت دموع جرجس وابتسامته الطازجة وهو يقول :
• لقد نسينا تلك المرأة ذات التنورة السوداء والابتسامة العذبة، كما يدعى إبراهيم الصغير فماذا أقول لها أيها السيد الكريم ؟
كان بشاي يعلم أنه بمجرد أن يقول أيها السيد الكريم، فلقد غفر له خطيئته، وفى نفس الوقت يطلب منه شيئا،ً فضحك بشاي حتى ظهرت نواجزه وقال له:
• سوف أتقبل اعتراف تلك السيدة، ولكن على أن يكون من وراء ستار.
فضحك جرجس وقال:
• ولكن أيها السيد الكريم .
ضربه بشاي على كتفه وقال :
• هذا شرطي أيها الشماس من وراء ستار.. وليكن في الغرفة الغربية حتى أستطيع أن أسمع صوتها جيداً.
خرج جرجس، وهو يكاد يطير من الفرحة رغم أنه لا يعرف لتلك الفرحة التي سوف تؤرقه على مدار خمسة عشر عاماً سببا واضحا إلا حين يقابلها مرة أخرى حين تأتى مع القسيس مَتّى، لكي تعترف لصديقه الطيب "صموئيل" قبل موت ابنه الوحيد مينا بأسبوع واحد.
ما الذي فعلته تلك السيدة، لتجعل جرجس يجرى كطائر البطريق، ولماذا غضب هكذا من أجلها ؟ . ظل ذلك السؤال يؤرق بشاي هو وأربعة أسئلة أخرى على مدار واحد وعشرين عاماً . منهم ستة أعوام كان ينام على سريره وحيداً بعد موت جرجس. أكمل ارتداء ملابسه وهو يفكر في تلك السيدة . حين خرج وجد الراهب مَتّى يمشى في الممر الضيق بين حجرة الدرس وصحن الكنيسة فنادى عليه وقال :
• عليك أن تأخذ اعتراف تلك السيدة التي في الحجرة الغربية، وإذا سألك الشماس من أمرك فقل له إن الأب أصيب بذلك الربو المزمن الذي يقعده في الفراش.
عاد إلى حجرته، وهو يقول لنفسه عليك أن تعترف بذلك أمام المذبح أيها الأب الفاسد، ثم ضرب الجرس فدخل إليه إبراهيم مسرعاً. أمره أن يحضر ذلك المزيج الذي يُحضَّر من النعناع وبذرة الكتان مع حبة البركة وأوراق الخروع لكي يستطيع أن يتخلص من نوبة الربو.
حين دخل متّى الحجرة الغربية ورأى "جرجس"يُعدُّ الستارة قال له :
• إن الأب أمره أن يأخذ اعتراف تلك السيدة .
فتغير لون " الشماس " وانطلق مسرعاً إلى حجرة الأب. كيف يسمح لذلك الراهب الخبيث أن يتلقى اعتراف تلك السيدة التي لم تتجاوز الرابعة والعشرين كما صرحت له وهى التي تحملت تلك المسافة الطويلة لكي تعترف بين يديه .
قال"متّى" :
• أين السيدة التي تريد الاعتراف ؟
جاء صوت من وراء الستار مغلف بنبرة حزن وشوق للاعتراف.. قالت المرأة :ـ
• هنا يا أبتِ.
لم يتمالك نفسه، وراح قلبه يرقص طرباً وهو يسمع هذا الصوت الجميل يقول يا أبتِ .
كان ما يزال في الخامسة والثلاثين من عمره ومن يوم أن عمده عمه لم يسمع كلمة واحدة
أسعدته .. كان أبوه المعلم " شكري " تاجر الغلال المعروف في مدينة الباجور رجلاً كل همه النساء وسكراناً دائماً، ورفض أن يعمده، فأخذه عمه إلى دير العريان ذلك الدير الوحيد الموجود في محافظة المنوفية في يوم ممطر وحاول مع القس أن يتمَّ تعميده ولكن القس رفض . لا خوفاً على صحة الطفل ولكن رغبة في الاحتفاظ بذلك الدفء المتولد من المدفأة الجالس أمامها. وبالكاد غمس يديه في المذبح ومشى بها على رأس الطفل وأمر عمه أن يأتي به بعد شهر، ولكن العم شُغل عنه ومن يومها إلي الآن. تلك اللحظة التي سمع فيها هذا الصوت الجميل يدعوه يا أبتِ لم يُعمّد. أفاق على حركات التململ التي يحدثها الكرسي الذي تجلس عليه صاحبة الصوت الذي أدخل إلى قلبه فرحة لم يرها قبل الآن .
كانت ماجدة التي تجلس على الكرسي وراء تلك الستارة السوداء قد قطعت ما يقرب من أربعمائة كيلو مترا من القاهرة إلى تلك البلدة النائمة في حضن الجبل بمحافظة أسيوط من أجل أن ترى حبيبها الذي اختفى منذ ما يقرب من السبع سنوات وادّعى أحد الأصدقاء أنه رآه في ذلك الدير.
هل السيدة جاهزة الآن للاعتراف ؟
• نعم أيها الأب .
• هيا الآن أيتها السيدة الجليلة قولي ما يؤرق صدرك وينام متحداً مع ذلك الشيطان القذر .
وراحت تحكى عن ذلك الاعتراف الوهمي الذي تستشف به عطف الذي يسمعها، ولكن"متّى" الذي كان يتلقى الاعتراف الأول له بعد ما يزيد عن الأربع سنوات لم يتلق فيها اعترافاً واحداً وقف قائلا لن اتلقى اعترافا وهميا ياسيدتي.

بعيداً عن الحجرة الغربية

بعد دخول الراهب " متَّى " الدير بسنة وثمانية أشهر أمره الأب"بشاي"أن يأخذ اعتراف بعض التائبين، وحضر معه اللقاء الأول، وراح يشرح له كيف يأخذ الاعتراف، ومتى يتكلم، ومتى يسكت . أفهمه كيف يعرف أن الاعتراف حقيقي أو مجرد اعتراف وهمي، وتركه يبدأ في تلقى الاعتراف بدون مساعدة إلا من الشماس "جرجس" لكن"متّى" كان يتعجل دائماً في ترقى الكرسي ويحلم به ليل نهار وكان "جرجس"يعرفه جيداً ويعرف أحلامه . حدث ما جعل " متَّى " يبعد وقتاً عن تلقى الاعترافات، فلقد اعترف أحد المترددين على الدير بالسرقة . كان"متّى" لا يرى المعترف، لأنه يعترف من وراء ستار . طلب من "جرجس"الذي كان يجلس بجواره أن يأتي له بكوب عصير، فخرج جرجس ،وعند ذلك وقف"متّى" وسحب الستارة قليلاً ليرى ذلك المعترف، ولسوء حظه كانت عيون المعترف تنظر في نفس اتجاه " مَتّى " ، فتلاقت العينان. وعند ذلك جرى المعترف من وراء الستارة خارجاً من الحجرة، واصطدم بـ "جرجس"الذي كان يحمل صينية عليها ثلاثة أكواب من عصير الليمون، فسقطت على الأرض ، وهو لا يدرى سبباً لذلك. وبعدها بيومين. سُرِق شيئاً من الدير، وعند ذلك قال الراهب"متّى" أثناء إقامة صلاة الغفران :
• يوجد بيننا لص أيها الأب، وأشار على ذلك الرجل الذي هرب من الحجرة الغربية، ولسوء
حظ"متّى" إن اللص الحقيقي اعترف بالسرقة، فلم يجد الأب"بشاي"أمامه إلا أن اخذ القس"متَّى" إلى الحجرة الغربية واستمع له، ثم أمره أن لا يدخل تلك الحجرة مرة أخرى طالما لم يحافظ على تعاليم الرب، وفضح أمر من يعترف له . هكذا ظل الراهب"متّى" بعيداً عن حجرة الاعتراف أكثر من أربع سنوات .
تحرك "متّى" وخبط بيديه على الترابيزة وقال لها:
• يجب عليك أن تعترفي أمام الرب جيداً. ثم راح يحدثها عن الرب الذي يعمل بكد وعرق من أجلنا نحن اللاهين بوقته الثمين.
ارتعش جسد "ماجدة" ولم تجد أمامها إلا الحقيقة. راحت تحكى له كل شيء. استمع لها حتى انتهت، ثم سألها عن اسم مدينتها، فأعطته عنوانها بالقاهرة . نادي على" إبراهيم " وأمره باحضار البخور المقدس من حجرة الأب " بشاي "
كان"جرجس" مازال يفكر في انسحاب الأب"بشاي" من ذلك الاعتراف، وإعطائه صلاحية تلقى الاعتراف مرة أخرى لذلك القس رغم أنه يعلم جيداً أن"متّى" هذا لا يصلح منظم عمال فكيف يأتمنه مرة أخرى على اعتراف تلك البنت التي قال عنها " إبراهيم " أنها تشبه أكثر ما تكون السيدة العذراء. بتلك العيون الجميلة، لم ينتبه إلى دخول " إبراهيم " عليه، وراح يحدث نفسه بتلك الأفكار بصوت سمعه " إبراهيم "، فوقف، وهو لا يدرى من الأمر شيئاً ولم يجد أمامه إلا أن قال "للشماس":
• الأب"متَّى" يسأل عن المَبخرة. انتفض "جرجس" حين سمع صوت "إبراهيم" يسأله عن المبخرة قال له أنها هناك حيث يجلس ذلك القس جوار الكرسي التي تجلس عليه تلك السيدة أو البنت التي تعترف له، وعما قريب سيعرف كل الرهبان اعترافها من فم "متِّى" ذاته مثل المرة السابقة . انسحب "إبراهيم" وهو لا يعرف من تلك الكلمات التي خرجت من فم "الشماس" غير اسم القس "متِّى". لا تلوم إلا نفسك أنت السبب فيما يحدث لك يا"جرجس" . دائماً تضيع الفرصة ثم تقضم أصابعك ندماً بعد ذلك. ألم يكن باستطاعتك أن تكون أنت القس الذي يتلقى ذلك الصوت الجميل. ألم يعهد إليك الأب "بشاي" بالدير في غيابه. ألم يحاول أن يجعلك قساً جيداً منذ خمس سنوات حين تزوجت "تريزة" كيف أضعت تلك الفرصة. ليلعنك الله يا "تريزة" أنت التي جعلتني أرفض الطلوع إلى الجبل .
• يكفى هذا يا "جرجس". هل تريد أن تصبح قسيساً ؟ ماذا تترك لـ"صموئيل" الطيب ؟ انظر إلى حالك. كيف تستطيع أن تجلس في الشمس ستين يوماً في تلك الأيام الحارة ؟ ولمن تترك ذلك الدير بعد أن أصبحت الشماس الوحيد ؟
ولمن تتركني الآن وأنا حامل في شهري الثاني. حين سمع كلمات زوجته أطاح بما في يديه وحاول الإمساك بها، ولكنها كانت تحركت قليلاً عن مكانها، وهو يطيح بعود السعف في الهواء، فأمسك بجسدها كله، فأحس بالعمى للمرة الثالثة في حياته الحافلة بخمس من تلك الحالات .

لمن تترك يدي حين تسيرني في الظلام

المرة الأولى التي أحس بها جرجس بالعمى كانت يوم دخوله إلى الدير، يوم عيد السعف .لم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة. جاء مع أبيه لكي يتلقى البركة على يد الأب"بشاي"أب دير الأنبا "صموئيل" المعترف، فسمع الأطفال ينشدون أغاني الأم الحنون. طلب من أبيه أن يتركه في ذلك الدير لكي يتعلم .
لحظتها تذكر الرجل ذلك الحلم الذي كان يراوده طيلة عمره ،أن يرى أحد أبنائه قسا في الدير أو الكنيسة. لم يتمالك نفسه وهو يرى حلمه على وشك التحقيق دون مقدمات سابقة، فبكى كما يجب لمسيحي مخلص أن يبكي. في تلك اللحظة سحب جرجس يده من يد أبيه الممسكة به بغير ضمير. واتجه إلى داخل الدير، وهو لا يعلم أن أمامه سلماً يتكون من سبع درجات، فوقع عليه. أصيب في أنفه إصابة جعلته طول عمره الذي تجاوز الثلاثة والخمسين بتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً لا يستطيع الجلوس في الشمس أكثر من ساعتين دون أن يتساقط الدم من أنفه. المرة الثانية حين طلب منه الراهب "متٍّى" بعد دخوله الدير ببضعة أشهر أن يأتي له بتعاليم الرسل، لأنه يريد أن يكمله بعد أن تركه أمس في مكانه حين أمرهما الأب "بشاي" أن يذهبا لكي يناما. فدخل "جرجس" إلى المكتبة، وأمسك بالكتاب الخامس من جهة اليمين على الرف التاسع أحس إنه ليس تعاليم الرسل، ولكن صوت "متٍّى" الذي كان ينادى عليه أخرس تلك الوساوس التي عملت في رأسه فأمسك بالكتاب وخرج إلى الراهب " متٍّى " الذي ما إن أمسك بالكتاب حتى قال لـ "صموئيل" ذلك الراهب الذي أتى قبل"متّى" بأحد عشر شهراً ـ هذا هو تعاليم الرسل كما ترى .
• هل هذا الذي تحكي عنه أنه يعرف الكتاب من وزنه ورائحته. إنه أعمى يا " صموئيل" الطيب ويجب أن يعلم ذلك جيداً حتى لا يتدخل فيما لا يعنيه . أحس "جرجس" أن الشيطان استمال "متٍّى" حتى امتطى ظهره.
المرة الثالثة تلك التي تحركت فيها "تريزة" للأمام، وهو يرمى بعود السعف في الهواء، ليعلن لها فرحته بذلك القادم، ولم يسمع وقع خطواتها الصغيرة على الأرض . أراد أن يمسك بيديها فقط ، لكن خطواتها خانت مقدار سمعه، فأمسك بها كأنه يريد أن يحتضنها. ولم يكن هذا في باله على الإطلاق . ارتعش جسد "تريزة" وأحست بالنار تتقد داخلها وتمنت أن يرتميا على الأرض معاً، ويمارسا الحب أمام الأطفال الذين ما إن رأوا هذا الوضع الغريب، حتى جروا إلى الباب، ولكن "جرجس"أزاحها بيديه المبصرتين لما تريده "تريزة". وفى المساء قال للأب "بشاي" لا داعي أن أطلع الجبل، فانهزم قلب الأب، وهو يسمع "جرجس" الذي أخذه من يد أبيه وهو ابن الثالثة عشر حين دخل عليه في الهيكل، وهو يصلى، فقطع صلاته على صرخات الأب التي تستغيث به وممسكة بذلك الغلام الذي تسيل الدماء من وجهه ولم يكن بالدورق الخاص بالماء ولو قطرة فلم يجد أمامه إلا المغطس الذي يُعمِّد فيه الأطفال، فأمسك برأس الغلام وحاول أن يرفعه بحركة واحدة ولكن"جرجس" الذي كان منشغلاً بالآلام الناتجة عن الجرح، خشب قدميه فلم يجد الأب مفراً من أن يرفعه دفعة واحدة، فوجد الغلام كاملاً داخل المغطس، فضحك الأب وقال له إن مناطق الحس لدى الغلام في أذنيه فرد عليه الأب وقال له :
• انه أعمى يا سيدي. فبُهتت الضحكة على فم "بشاي" وقال:
• ليغفر لي يسوع، وليمنحه قوته متى يحيا كواحد صحيح تماماً بلا خيبات .
وأخرجه من المذبح وهو يردد صلاة التعميد، ولما وجده يرتعش سأل الأب عن ملابس لابنه، فحكي له الأب إنه في زيارة، وسوف يعود في المساء، ولم يكن في باله أن يحدث هذا وبكى.
دخل "بشاي"إلى حجرة جانبية وجاء بقميص وملاءة وخلع للغلام ملابسه وألبسه ذلك القميص الذي ما إن استقر على جسده الضئيل حتى انتاب الأب والقسيس "بشاي" نوبة من الضحك لم يغفرها لهم "جرجس". حتى أنه رفض أن يشارك في حمل أبيه بعد تسعة عشر عاماً على هذه الواقعة ظناً منه أنه ضحك على هيئته الضعيفة رغم أن أباه شرح له كل شيء عن تلك الواقعة بعد مضى تسعة عشر عاماً حين زاره في بيت الحاج رمضان، وهو على فراش الموت في يومه الأخير، ونفى الأب أن يكون ضحكه في هذا اليوم على هيئته ولكن على طول القميص الذي كان يوازى ستة أضعاف طوله ورغم ذلك رفض أن يشارك في حمل أبيه ومشى في نفس اليوم عائداً إلى الدير رغم إلحاح "رمضان" ودموع أمه التي تسبقه ريثما يأخذ بعزاء أبيه وحين ركب العربة التويوتا متوجهاً إلى الدير في الجانب الآخر، أحس أن قلبه يكاد يتوقف من الحزن والألم، فبكى بكاء عوضه عن تسع عشرة سنة من العذاب استمر فيها على اعتقاده أن أباه ضحك عليه وسخر منه .
حين وضع الشماس العجوز ساعتها صينية الأكل لـ"جرجس" وأبيه لم يستطيع "جرجس" أن يأكل أي شيء لأن أنفه كانت تؤلمه كثيراً من أثر السقوط على الدرجات السبعة، فألبسه أبوه جلبابه بعد أن جففته الشمس التي لم ير شروقها أبداً . أمسكه من يديه لكي يرحلوا إلى بيتهم. رفض "جرجس"أن يمضى مع أبيه، وبكى بكاء كثيراً من أجل أن يتركه هنا في الدير لكي يتعلم. هدأ أبوه من بكائه وأخذ الأب "بشاي" في جانب وراح يحدثه عن حلمه البعيد أن يرى أحد أبنائه قساً، ولقد حان الوقت لتحقيق ذلك الحلم على يد ذلك الغلام الأعمى .
وافق الأب "بشاي"على تقبله في الدير لكي يستطيع أن يحقق لذلك الأب حلمه، ولكي يكفر عن خطئه حين لم يعرف إن عين ذلك الغلام عاطلة عن العمل بقلبه على الأقل .
سلم الأب على"جرجس" وطلب منه أن يستمع إلى كلام أبيه الجديد حتى يصبح ابن الله بحق، ثم تركه عائداً إلى البلدة النائمة على الجانب الآخر من النيل، وما كاد يدخل بيته ،حتى لطمت زوجته على فقد"جرجس" الابن الطيب بين أبنائها جميعاً، الذي يساعدها في البيت. لم تسكت عن النواح إلا بعد أن وعدها أبو جرجس بالذهاب إلى الدير يوم الأحد الأول من الشهر القادم.

المرة الرابعة التي أحس فيها بالعمى حين أكمل ابنه "مينا" الرابعة عشر وأصبح "إبراهيم" الصغير مساعداً له. فأمر "جرجس" "إبراهيم" أن يأتي له بجرعة ماء وكان " مينا " يقف جوار يده اليمنى ، وهو يلقى بعظة الأحد، فاتجه "مينا " إلى الجهة الأخرى جوار يده اليسرى حين رأى أن "إبراهيم" غاب كثيراً . وحين أحس "جرجس" أن أحداً جاء إلى جانبه الأيسر لكزه في جنبه وقال له أين الماء يا "إبراهيم" ؟
فرد عليه "مينا" قائلاً :
• لم تأمرني يا أبتِ، فلم يستطع أن يكمل العظة، وانسحب في هدوء، والمصلون يسألون فيما بينهم ماذا أصاب المقدس "جرجس" ؟
دخل إلى حجرته في الدير التي ظل يحتفظ بها على مدار أربعين عاماً وتسعة أشهر رغم أنه بمجرد أن فكر في الزواج من "تريزة" أسس له الأب"بشاي"بيتاً جوار الدير في أرض المعلم "رياض" أخو "تريزة" .
وأخذ يبكى في هدوء دون أن يعرف "مينا" أو "صموئيل". حتى" تريزة" التي جاءت له حين تأخر عن الرجوع لم تعلم أي شيء. غير أنه صرح للأب "بشاي" حين دخل عليه أن سبب بكائه هو مرضه الجديد، فلما استفسر منه"بشاي" عن ذلك المرض. حكي له أن يسوع عوض بصره بأنفه، ولكنه حين كان يتلو العظة، لم يتعرف على رائحة ابنه، ولكزه في جانبه ظناً منه أنه"إبراهيم" مساعده الصغير .
المرة الأخيرة حين أكمل الثلاثة والخمسين عاماً وتسعة أشهر ويوم. ذلك اليوم الذي غسل فيه ابنه "مينا" الذي مات دون أن يدرى لذلك سبباً، وجلس يبكى لأبيه الذي في السموات من أجل أن يمنحه لحظة واحدة أن يرى فيها وجه ابنه النائم فوق الهيكل، ولكنه لم ير شيئاً فأحس بالعمى نهائياً.

حين ودع "جرجس" أباه أمسك "بشاي" يد الغلام ودخل إلى حجرته وقال له :
• عليك أن تتعرف بيديك على حجرتك أيها الابن الصالح.
وتركه في الحجرة الواسعة وخرج. كانت الحجرة عبارة عن بهو كبير به أسرة بأعمدة نحاسية، وناموسية وبجوار كل سرير صحارة مصنوعة من خشب الأشجار وعليها قفل صغير وفى ركن الحجرة امتدت مصطبة للجلوس ومنضدة للطعام، تُستعمل كمذبح ومغسل في نفس الوقت . وفوق الطاولة عُلِّق صليب وحيد على الجدار، وجواره صورة للعذراء. لم يجد أي تعب في التعرف على بيته الجديد، مشى كثيراً في الحجرة، ليقيس المسافات بين الأشياء حتى لا يقع مثلما حدث له في الصباح.
دخل الأب"بشاي"يحمل صينية موضوع عليها طبق حساء العدس ورغيفان مقددان وبرتقالتان وقال له :
• ما بال الشماس الصغير لا يستقر على مكان أم أن البيت لا يعجبك ؟
فقال "جرجس" :
• انتظر يومين فقط يا ابتِ، وسوف ترى أنني أحفظ المكان في يدي، ضحك "بشاي" وهو يقول :
• أعرف يا بني إنك جد جميل، ثم أجلسه على حافة المصطبة المعدة لذلك. بعد أن وضع صينية الأكل على المنضدة . كانت حافة المصطبة مفروشة بحرام من صوف الأغنام الخشن، فوقف"جرجس" مذعوراًَ وهو يقول:
• لماذا تختبرنى من الآن يا ابتِ ؟
انتظر وسوف ترى أنني سأكون عند حسن ظنك فقال له الأب:
• إن هذا الوبر الذي اشتكيت منه هو قميصي الداخلي منذ ما يقرب من أحد عشر عاماً.
فأمسك جرجس بالحرام الصوف، فأحس بقشعريرة في يده، فلم يتركه، وضغط عليه . حين ذلك أمسك"بشاي"بيد "جرجس" وقال له :
• ليس اليوم أيها الابن، ليكن في الصباح، فهناك متسع لنا أما الآن فلتضع في حنك الشيطان حذائك، ولتبدأ الصلاة المسائية، ثم راح يتلو الصلاة بصوت عال حتى يستطيع جرجس أن يردد وراءه، ولكنه بُهت حين سمع صوت جرجس الضعيف، وهو يتلو الصلاة دون أن ينتظر أن يسمعها من فمه، ففتح فمه وهو ينظر في عين جرجس الساكنة ثم نظر إلى الصليب المعلق على الحائط وجواره صورة العذراء، وراح يدعو لجرجس بصوت عال ناسياً الصلاة، ثم قرب الطعام، وأمسك بيد جرجس وأشار له على طبق العدس والخبز وتركه يقوم بالمحاولة الأولى التي كانت تُمارس في تردد واضح .
المحاولة الأولى
عندما جاء ذلك المشهد في الرواية وقفت قليلاً استرجع كل الصور التي مرت علىّ، وأنا أشاهد بعض العميان أثناء الطعام. كانت هناك ظاهرة شبه موجودة بينهم جميعاً وهى التعرف على وضع الطعام بمجرد لمسة خفيفة لكل الأطباق.قياس المسافة بين الأطباق بفرد كف اليد. إمساك الخبز بطريقة جعلتنى أرتاب فيهم جميعاً، واسمحوا لي أن أشرحها بالتفصيل . يُمسك اللقمة ويزيحها بأطراف أصابعه حتى تبدو غائبة تماماً من الصورة، ثم ينزل بأصابعه على الطبق وحين يتأكد أن إصبعه لامس الطعام يزيح اللقمة بإصبعه الصغير، لتلامس الطعام، ثم يأخذ طريقه إلى فمه، وعندما اقتربت جداً من أحدهم كاتماً أنفاسي حتى لا يحس أنني أتلصص عليهم ورغم أنه أحس بى بمجرد القرب، لأنه نظر في اتجاهي،لكنه لم يتكلم، ثم راح يُكمل الأكل عندما قربت عيني فاجئني ذلك الشيء العبقري أن طرف أصابعه لم يكن عالقاً به أي طعام وعندما تأكد لي ذلك رحت أضرب كفاً بكف. حاولت أن أعرف تلك اللعبة الجهنمية كما أسميها في نفسي وعرفت تلك الطريقة السحرية . حين يلمس بيده وش الطعام يكون عالقاً بالأصبع بعضاً منه،لكنه حين يزيح اللقمة من كفه، لتسقط في الطعام دون الغوص يمسح ذلك الإصبع في اللقمة. هكذا اكتشفت أن هناك طقساً وبروتوكولاً للطعام عندهم. تكون المحاولة الأولى مع الطبق الواحد متأنيةً جداً، ثم تكون الحركة شبه آلية في المحاولات الأُخر. الشيء اللافت لنظري أنني حين حاولت مع "جرجس" إظهار ذلك كان الأمر يبدو لي ثرثرة كتابة ومن أجل ذلك أرحت نفسي من ذلك الطقس العبقري واكتفيت بالإشارة فقط.
ثم أصبح "جرجس" يعمل كآلة مبرمجة تماماً. بعد أن شبع، وقف ومشى بخطوات منتظمة إلى المذبح . رفع الغطاء بيد وأدخل الأخرى. بلل يده ومسح بها فمه ووجهه ، ثم عاد، فأعطاه الأب برتقالة . أمسك بها ، وتشممها جيداً ثم وضعها على الصينية. أراد بشاي أن يسأله عن سر تلك الفعلة، لكنه استكان تماما،ً ولم يعد تنفسه يُسمع حتى ظن الأب بشاي أنه نائم، فوقف، وانسحب بجسده إلى قلايته. ابتدأ القراءة في الإنجيل. كانت الحجرة كالفرن من أثر حر اليوم والهواء الساخن يسحب تياراً من اللهب تكاد عينا جرجس أن تراه من إحساسه به، والحشرات الصغيرة والهوام تحاول ممارسة عملها بكد وتعب ودأب، لتمر من جلبابه المصنوع من الكتان، ويغطى كل أنحاء جسده الضئيل ذي الوجه الضيق الأجرد الذي برزت عظامه. تململ جرجس في جلسته التي طالت، ورأسه الذي يكاد أن ينفجر من الألم والأفكار، فلم يجد أمامه إلا الذهاب بأفكاره إلى البلد التي كان بها بالأمس. تلك البلدة التي لن يذهب إليها طيلة حياته في الدير والتي تجاوزت الأربعين عاماً بتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً غير ثلاث مرات، ولكنها سوف تظل تؤرقه في أحلامه حتى سن التاسعة والعشرين. تلك البلدة التي تنام على الجانب الأخر للنيل ولا يفصلها عن الدير إلا نصف ساعة في المركب والعربة التويوتا. تذكر تلك الساعات الآن هناك حيث يجلس الحاج "رمضان" وحوله أصدقاؤه الأستاذ "محمد" مدرس الحساب وشيخ الخفر ذلك الرجل الجهم الذي لم يعرف اسمه طيلة ثلاثة عشر عاماً و"أبو جرجس" عامل مزرعة الحاج "رمضان"و"بدوى" أفندي خولي الأنفار والمقدس"عوض" دكتور الناحية، وسبب ضياع الأمل الأخير لأن يرى "جرجس" الشمس ولو مرة واحدة في حياته . كانوا كلهم الآن ملتفون حول شجرة الكافور. يتحدثون في كل شيء بداية من الزراعة وانتهاء بحال حكومة الوفد و ابن " ستوته العايقة" يمر بينهم بأكواب الشاي الحبر ويداعب "محمد" أفندي مدرس الحساب بالمدرسة الوحيدة التي تنام جوار النيل تماماً ويقول له :
ـ مرحب بيك في الدور الأول يا أستاذ.
فيضج الجالسون بالضحك، ويأتي صوت الحاج "رمضان"رائقاً وحنوناً، وهو يقول لـه :
ـ طلع الأستاذ من دماغك يا أبن الكلب .
فيمسك" ابن ستوته" بالكوب المرسوم عليه أبو زيد الهلالي، ويهرول في اتجاه الحاج "رمضان" الذي ما إن يقول تلك الجملة حتى يبدأ في لمِّ جلبابه الأبيض، حتى لا يقع كوب الشاي عليه مثل أياما كثيرة يسهو للحظة، فيحس حرارة الشاي على أفخاذه الممتلئة باللحم ويجد" ابن ستوته" في حضنه للحظة وحيدة قبل أن تكون يد شيخ الخفر العريضة قد أمسكت بطوق جلبابه الذي لم يعد له لون، فيبدو كفأر صغير يُمسك به عملاق. ينسى الحاج "رمضان" ألم الأفخاذ، ويأمر شيخ الخفر أن يتركه. يسقط من يد شيخ الخفر على أقدام الحاج ويمسك بها و يقبلها ، فيسحبه" بدوى" أفندي من قدميه، وهو متشبث بأقدام الحاج، وفمه لا يكف عن الدعاء له، وفضح" بدوى" أفندي خولي الأنفار الذي يسافر في الأسبوع مرتين، ليأتي بالبنات ثم يمسك بمؤخرتهن في العربة، ويكون حين ذلك قد وضع العطر الرخيص الذي أخذه من "ستوته العايقة" على الحساب أو بالدفع من المال الذي خصمه من البنات أولاد الأصل اللواتي يرفضن طباعه السيئة، ويفضحنه أمام "ابن ستوته" وعند ذلك يكيل له "بدوى" أفندي الصفعات على قدميه بكل غل . يضحك الحاج "رمضان" وهو يردد :
ـ سيبه يا "بدوى" قوم خد يا ابن الكلب داير تلسن على كل الناس أقعد جنب الراكية".
يتجه إلى الزاوية البعيدة عن الجلسة، فيبدو ككلب أصابه الجرب، ويحاول " بدوى "القيام من الجلسة، فيأتي صوت الدكتور"عوض" مذكراً إياه أن البنت العمشة لن تأتى له اليوم، فتضج الجلسة بالضحك وبرد عليه "بدوى" بكلمات مهشمة تزيد الضحك أكثر ما تدل على شيء, فينهى كلامه بجملة معروفة لدى هذه الجلسة " حتى أنت يا دكتور الغبرة " وما إن يقولها حتى يكون "أبو جرجس" قد نط من مكانه قائلاً له :
ـ ما تسكت يا زفت أفندي أحسن أضربك بالجزمة.
تطرق الرءوس س جميعاً إلا رأس الحاج "رمضان" الذي يأخذ نفساً عميقاً ويقول بمودة:
ـ أقعد يا مقدس واخزي الشيطان "بدوى" أفندي بيضحك، وبعدين إحنا عارفين كلنا إن دي إشاعات علشان الراجل لغاية دلوقتي ماسك نفسه ومتحناش لِمَرَة .
ترفع الرؤؤس الممتلئة بالمحبة والود لهذا العراك شبه الدوري وحين ذلك ينظرون إلى الاتجاه الأخر حيث راكية النار و" ابن ستوته"الذي بدأ يتسحب ممسكاً بيده اليمنى براد الشاي أبو نعناع حسب طبيعة الدور الثاني، فيمسك " بدوى " أفندي فردة حذاء ويرميها بقسوة في اتجاه وجه "ابن ستوته" الذي يتفاداها دائماً، فيهللون ويكبرون لله جميعاً ويدعى " محمد " أفندي مدرس الحساب أن"ابن ستوته" برئ براءة الديب من دم ابن ... ثم يكتم ضحكته بالعافية، وهو يتجه بوجهه إلى " بدوى " أفندي ويقول له إلا قولي يا " بدوى " أفندي أمك أسمها إيه؟ فيجرى "ابن ستوته" وهو يمسك ببراد الشاي أبو نعناع ويقف في وسط الجلسة أمام سجادة الحاج "رمضان " ذات الشراشيب الذهبية ورسم الكعبة الشريفة وحجر إسماعيل ويرقص مقلداً "زنوبة" الغازية التي تزور القرية في كل مولد والصحاب يصفقون بأيديهم في حرارة وتتلألأ مسبحة الحاج " رمضان " وهى نائمة على كوعه عند ذلك يقف "بدوى" أفندي مذعوراً وعلى فمه رغاوي ويقول قعده كبيرها يصفق ل"أبن ستوته العايقة" والله ما أقعد فيها . ويمضى دون أن يسمع صوت الحاج "رمضان" وهو ينادى عليه ولا يعود "محمد" أفندي الذي يأمره الحاج أن يعود به ويظل بعيداً عن الجلسة حتى يذهب إليه الحاج"رمضان" في بيته وعند تلك اللحظة يكون الكلوب المعلق في أعلى الشجرة قد بدا يتراقص من أثر الهواء فينادى الحاج "رمضان" على"أبن ستوته" ويأمره أن يعلق الكلوب الآخر ولكنهم يبدءون في الأستاذان لانشغالهم في الصباح فيعزم عليهم الحاج "رمضان " دون ضمير ولكنهم من لهجة صوته يصممون على الرحيل ويكون أخر الواقفين أبو جرجس الذي يجلس جواره دائماً دون أي حركة يستمع إلى تعليقات أبيه التي تصف كل شيء بصوت هامس فيربت الحاج على رأس جرجس الذي يحاول أن يقبل يديه فيسحبها الحاج داعياً له بالصحة والسعادة في الأيام القلائل التي يستمر فيها مجلس السمر كما تسميه أم جرجس إلى ما قبل الفجر يقف الحاج " رمضان " ويرفع " أبن ستوته " على كتفه ليغير الكلوب ويحاول كل الجالسين أن يرفعوا هم "أبن ستوته " ولكنه يرفض وعندما يهم أن يقف ليغير الكلوب للمرة الثالثة يقسم "بدوى " أفندي على حمل " أبن ستوته " الذي ما أن يسمع القسم حتى ينشرح صدره ويقف على كتف " بدوى " أفندي الذي يؤنب نفسه على انسحاب لسانه من حنكه وسرعة ضرب اليمين الذي كثيراً ما أوقعه في أزمات مع البنات اللواتي يأتي بهن من القرى المجاورة ويغريهن تحت أشجار النخيل ويظل يراوغ فيهن وحين ذلك يرتفع صوت الحاج وهو يأمر " أبن ستوته " الكلب أن يبطل طول لسان على أسياده فيجثوا " أبن ستوته " على قدمي الحاج ويرح يقبلهما فيمشى الحاج بيده على رأس " أبن ستوته " وهو يقول له:
ـ يا أبن الكلب أنت مش عاوز تعقل شوية . والله إن ما بطلت اللي بتعمله لا أنا مجوز البت "زينب" لواحد غيرك . كانوا كلهم مشاركين في تلك الخدعة التي تجعل "أبن ستوته" ذلك الولد أبو لسان زالف وديع ومسكين . كل منهم يعلم أن إسماعيل الجبري لن يزوج أبنته الجميلة التي سترث منه أكثر من سبعة فدادين وبيتا تنام فيه جاموسة وبقرتين وحصان يعزم على حسه إسماعيل الجبري لكل النجوع لكي يرقص في الأفراح بخلاف جميع أنواع الطيور. فكيف يمنح إسماعيل الجبري كل هذه الأشياء لـ"أبن ستوته" ذلك الغريب أبن المرأة العايقه التي حضرت في الصباح وعلى ذراعها طفل ينام على وجهه أكثر من مائتي ذبابة وأخذها "إبراهيم البغدادي" في بيته وأتى لها ببعض الأثواب الحريمى والعطور والكحل لتتاجر بهم واستطاعت بعد شهرين فقط أن تفوز بثقة كل نساء النجع وفوق ذلك فازت بإبراهيم ذاته وراحت تشارك في كل كبيرة وصغيرة تخص النساء وأصبح الرجال يألفون وجودها في بيوتهم ويضحكن معها وكانت تصلح كثيراً من المشاكل وتعيد علاقات تم بترها منذ زمن بين الأزواج، أصبح الولد يعرف كل نساء النجع وعرف بـ"أبن ستوته" وتعلم معرفة الأسرار ولكنه لم يكن مثل أمه في كتمان تلك الأسرار حتى أسراره هو عرفها كل الناس ومن هنا عرف هيامه بـ" زينب " وعشقه لها وكانت النساء تضحك عليه بذلك الاسم .
أفاق "جرجس" على صوت أذان الفجر من الجامع القريب من الدير فأحس بيده المخذولة فأراحها جواره ونزل بجسده من على الحائط واستراح في نومه. لم يحس بالأب "بشاي" حين دخل عليه . أفاق على صوت الأب "بشاي" وهو يقول:
"يوم جميل في انتظارك أيها الابن، أنسحب للوراء وهو يجلس:
• لماذا لم تنم على أحد السريرين ؟ "
• يسعد الرب سيدي ويتم نور قلبه .
كان "جرجس" يسمع هذا الدعاء من أمه حين يستيقظ أبوه . ضحك "بشاي" وهو يحاول التغلب على مشاعره الفياضة لذلك الدعاء الجميل الذي يسمعه لأول مرة .
• هل نمت جيداً أم أن أحلام البلدة أرقتك ؟
للوهلة الأولى ظن "جرجس" أن الأب "بشاي" دخل عليه في الليل ولكنه على مدار أربعين عاماً وتسعة شهور ويوما أيقن تماماً أن الأب "بشاي" ابن الله المخلص، وأنه ليس بحاجة ليدخل عليه ، وهو نائم حتى يشعر أنه ظل أسيرا لأحلام وهواجس البلدة في تلك الليلة . حين حضر الراهب "عادل" الذي تم تسميته بـ "صموئيل" قال لـ "جرجس"في المساء:
• ليكن قلبك على استعداد لتلقى ذلك الراهب .
وبعدها بخمس شهور جاء "منير" الذي طلب من الأب أن يسمى"بيشوى" فرفض الأب وقال له:
• لتكن"متّى" وبعد أن خرج قال لـ"جرجس" :
• احذر هذا الراهب فلقد أطعمه الشيطان دهن الأفاعي، ولتعرف مكان قدميك معه ،فإنه لن يساندك من تحت إبطك ولن ينتشلك إن نزلت قدماك في الوحل.
ولم يكن "جرجس" يعلم حين ذلك أن مصير"متى" مرتبط بوجود"صموئيل" في الدير ووجوده في الحياة .
آه .. يا "جرجس"هل نمت مرة أخرى أم رجعت إلى بيتك هناك حيث الجانب الآخر للنيل ؟ أمامك عمل طويل يجب عليك أن تتعرف على كل طوبة في الدير ذلك لازم يا "جرجس"، حتى لا تزل قدماك مرة أخرى، ولتعلم يابني إننا نعيش وكأننا في الحكايات الخرافية، وفي انتظار الأحداث الدامية التي تملأ جميع الأساطير،لكن مهما بلغتْ فوضى تعاقب الأحداث، ثَمَّة ـ دائمًا ـ فترات فاصلة، تُوجدُ من تلقاء ذاتها، لنتحدث فيها مع أنفسنا.
مازال هناك دائما امامك وقتٌ،ليس فقط للتأمل،بل للتعلّم والكشف عما هو منسيّ ومدفونٌ داخلنا،وعندئذ بمقدورنا أنْ نتخيل المستقبل، والآن هيا بنا إلى الهيكل. يجب علينا أن نحضر قداس الصباح بعد نصف ساعة من الآن. وأمسك بيده وخرج إلي الممر . ثم قال له بصوت ملأ قلب جرجس بفرح وأمل وأشياء كثيرة لم يعلمها بعد،:
هذا الممر طويل جداً بطول مائة وثلاثة وخمسين خطوة من خطواتي. ثم نزل علي ركبه حتي يستطيع أن يمنح جرجس الخطوة الصحيحة وعدل جلبابه عليه وشد من الأسفل ثم رفعه حتي ركبته وأمره بالمشي طول اتساع الجلباب،فعل جرجس ما أمره به ثم وقف.ابتسم الاب وهو يرى سمك ساق جرجس الذي يشبه إلي حد بعيد ساق حمل ضال ترك القطيع ولم يعد له ما يعطيه طعام.وقف ونفض جلبابه وأكمل المسير حتي انتهيا من الممر ،وكان يتابع فم جرجس الذي يتحرك وكائنه يحسب المسافة .وقف أمام ثلاث درجات وقال له :
ـ أمامك ثلاث درجات، عرض الدرجة الواحدة بمقدار ما تستطيع أن تفرد قدميك على ذيل هذا الجلباب الضيق الذي ترتديه، أو لنقل أقل قليلاً أي بمقدار أن ترفع هذا الثوب حتى قصبة القدم مثلما فعلنا بالداخل.
هز جرجس رأسه علامة الفهم، وترك يد الأب ،ونزل الدراجات بهدوء ويسر مما جعل الأب يبتسم علي ذلك الابن الذي حلم به قبل حضوره بخمسة عشر عاما .كان يعرف أن الأب الإله يُعوِّض الأعمي بالحدس أو البديهية ،ويسميها رجال الله أداة الغوص ،إنها البلورة التي يمنحها الله للأعمى كي يستطيع الغوص في الليل الدائم.
ـ آه . نسيت لقد حضرّت لك مرهماً لكي تعالج ذلك الورم الذي يؤلمك.أخرج الحُقَّ الصغير الذي سوف يظل محتفظا به في حجرة الأسرار دون أن ينتبه إليه إلا يوم دفن ابنه مينا حين يرى حروق يديه من أثر فوران ماء غسل ابنه، ومشى بيده علي أنف جرجس الذي راحت عيونه تغلق وتفتح بطريقة جعلت الأب يتابعها بشغف وكأئه يتابع بندول ساعة مضبوطة ، ثم قال له:
ـ أقول لكَ ياجرجس، إنْ تلف المحصول ، فعليك أن تنثر البذور من جديدٍ وفي الحال، لأننا حينما لا نقدر على النموِّ علينا أنْ نُواصل الحياة، حتى نقدر على النموِّ مرةً أخرى، بل أقول لكَ : علينا أنْ نرسم الأبواب إذا لم تكنْ موجودةً،على جسورنا السرية التي نصنعها داخل الروح، لتكون معابرنا حتي تستقيم وتظهر تحت خطونا ،ونمرُّ من خلالها إلى طرقٍ جديدةٍ وحيواتٍ في الانتظار.
كانت الكلمات تخرج من فم الأب ، لتدخل إلى قلب جرجس، وتستقر فيه دون أن يعرف لها معنى واضحا إلا أنه في مساءات قادمة كثيرة عرف معني كل كلمة . وقف الأب بعد أن وضع الحُقَّ الصغير في جيبه، ثم أشار بيده للبعيد، وقال لجرجس الذي أحس بملمس فراشات حارقة في أنفه :
ـ هذا هو حوش الدير،ليُنير الرب قلبك فتراه كما لم أره،أعلم أن بيديك سيصبح أفضل كثيرا. مساحته مقدار ما تمشى ذلك الممر ثلاث مرات وعرضه مثل طوله. لا داعي لأن تضع يديك على انفك . دع الهواء ينفذ داخلها وأعلم أن الجراح تستمر إذا استمرت في رأسك . اتركه يؤلمك ساعة، فيضيع ثلاثة وعشرين ساعة . أمامك على بعد ثلاث خطوات سلم، طوله سبع درجات. هلا منحتني يديك . تذكر ، سبع درجات اعرض قليلاً من تلك الدرجات الثلاثة، هناك أشجار للصفصاف والجزورين والسرو. رائحتها لا شك جاءتك. في هذا الممر ستة أبواب، ثلاثة على اليمين ومثلها على اليسار، ما بين الباب والآخر ثلاث عشرة خطوة . سوف أفتحها لك جميعاً أما الأولى، فهي للزيارة، والثانية حجرة أب الدير، والثالثة للمكتبة أما جهة الشمال فالأولى للرهبان والثانية لتناول الأسرار، والأخيرة للاعتراف وتذكر جيداً أن الشاه تعجف الجلد الواحد مائة مرة. فما بالك بالإنسان الذي يمشى في أوحال كثيرة. ينتهي هذا الممر بباب له ضلفتان ومنه ندخل إلى صحن الكنيسة.
أمسك "بشاي" بيد "جرجس" ودخل الهيكل، بدا"جرجس" في عيون المصليين بوضعه الغريب وجلبابه المكرمش والمبروم من عند ذيله ابناً للخطيئة أو شحاذاً تمَّ العثور عليه وسوف تكون عظة الصباح ـ لا ريب ـ عنه وعن حاله ، وسوف يأمر الأب المصلين بالتبرع له.
حين ذلك انسحب المعلم"رياض" إلى الصف الثاني، وأدار ظهره للهيكل، ثم أخفى الجنيهات الورقية، وترك الفضة ثم عاد إلى مكانه . رفع الأب "بشاي" يده للشماس الذي أمسك الحبل المتدلي من سقف الكنيسة وأرخاه بضع مرات معلناً من خلال صوت الجرس بدء الصلاة حين ذلك نطَّ "جرجس" من على الأرض بمجرد أن سمع وقع صوت الجرس، فأمسك بيده الأب "بشاي" ومشى على رأسه حتى يطمئنه. كانت هذه أول مرة يسمع فيها صوت الجرس عن قرب وظل يؤرقه ذلك الصوت على مدار سبع سنوات حتى استطاع أن يقنع الأب "بشاي" أن يكون صوت الجرس لصلاة الصبح هادئاً وضعيفاً ثم يعلو في المساء .
أعاد المعلم "رياض" تلك الجنيهات التي دسها في جيب صديريته إلى جيبه الأمامي حين خرج من صحن الكنيسة. لم يكن الأب قد فكر في إقامة صلاة قربان، ولكنه حين وجد بين يديه بعض الخبز استأذن المصلين أن يقيم صلاة قربان، فحمل الشماس العجوز الخبز من يد الأب وتركه على الهيكل وعند ذلك غادر باقي المصلين صحن الكنيسة. ولم يبق إلا الرهبان الخمسة الذين طلعوا إلى جوار الهيكل بمجرد أن أشار الأب لهم، وابتدأ الأب في الصلاة، ثم قطع الذبيحة إلى أقسام صغيرة ودفنها في أفواه الرهبان، ثم دس الجزء الكبير في فم "جرجس" دون أن يتناول منه شيئا ، والرهبان ينظرون باتجاهه، ثم نكَّسوا رءوسهم .
أمر الأب "بشاي" الشماس أن يدخل حجرته، ويأتي بحافظة نقوده من المكتب ريثما يتعرف الشماس الصغير على المكان، ثم اتجه بنظره إلى الرهبان وقال :
ـ عليكم أنتم أيها الأخوان الأحباب أن تجهزوا إفطاراً جيداً من أجل ذلك الشماس الصغير الذي نشف قفصه الصدري، واستحال اللحم أن ينبت عليه قبل أن يأكل من أيديكم على الأقل مائة وثلاثة وأربعين يوما بالتمام والكمال. شريطة أن تبتعدوا عن حياة الرهبنة في هذا الطعام، ضحكوا جميعاً. كان كل ركن في الفناء المربع الشكل الذي يزيد مساحته عن الفدان الواحد يحتاج إلى أيام كي يمشى فيه"جرجس" دون أن تزل قدماه .
دخل الشماس وهو يلهث وأعطى للأب حافظة نقوده، أمسك بها الأب، ثم فتحها، ومنحه بعض المال، وقال له في أذنه أشياء لم يتبينها "جرجس" . خرج مسرعاً والأب يردد عليه :
ـ على أن يكون أثني عشر شبرا ، أو على الأقل عشرة أشبار ذلك لازم أيها الشماس، ثم أمسك بيد "جرجس" الذي كان يستمع إلى صوت الأب "بشاي" وهو يتساءل ماذا وراء العشرة أشبار وقال له :
ـ هذا هو صحن الكنيسة كما يُسمى، به تِسْعُ عشرة دكة، تَسَعُ الدكة الواحدة عشرين فرداً ، ثم سياج من الحديد ملئ بالصلبان الصغيرة، ثم خمس دكك فقط للنساء، وبينهم ممر ضيق، غير مسموح أن يمر به أحد أثناء الصلاة . هذا الممر مخصص للكاهن الذي يمسك الصلاة فقط حين يمر بين الصفوف وهو يحمل المبخرة لكي يصيب الدخان كل الحاضرين. في أعلى الحائط صورة كبيرة للمسيح ، ويجلس جواره الحواريون الاثنا عشر والسيدة العذراء ، ويوسف النجار على يمينه. رسم هذه اللوحة الأنبا " حزقيال " الذي استمر تسعة وعشرين عاماً داخل الدير لم يستطع خلالها أن يكمل جملة واحدة باللغة العربية، وعندما أتمَّ الرسم خرج في نفس اليوم إلى بلاده، ولكن أب الدير في ذلك الوقت طلب منه أن ينام هذا اليوم في قلايته كنوع من رد الجميل، فنام وعند الفجر رأى في المنام المسيح يعطى له فرشاة، ليرسم بها كنيسة العذراء في محافظة المنيا، فأمسك بها من يديه، وخرج من باب القلاية ووجد أب الدير يقف أمامه وفى يده فرشاة أخرى وقال له:
ـ عليك أن ترسم كنيسة مارى جرجس في الملك الصالح بعد أن ترسم كنيسة العذراء، وعندما أراد أن يسأله كيف عرف كان الأب يرتفع عن الأرض حتى اختفى تماماً. حين ذلك تأكد لـ " حزقيال " أن المسيح هو الذي أعطاه الفرشاة، فأغمض عينيه قليلاً ،وعندما فتحهما وجد أب الدير يخرج من قلاية الرهبان، فأراد أن يحكى له، ولكنه حين فتح فمه وجد الأب يحكى له كل شيء، فسلَّم عليه، ومضى إلى حيث كنيسة العذراء في المنيا.
أمسك الأب "بشاي" بيد "جرجس" وهو يقول له:
ـ إن مكان الهيكل يرتفع عن الصالة بمقدار أربع سلمات، مفروش عليها شريط من السجاد لم يعد له لون من أثر الأقدام التي مشت عليه وهذا هو الهيكل الذي كنت أقف أمامه، حين أُقيمت الصلاة وهو عبارة عن صالة مبطنة أرضيتها بالخشب الأرو ولها قبة ذات تاج كروي الشكل يلقى ظلاً ليس فيه بقعة شمس وحيدة، وفى الوسط حوض كبير، عرضه متران وطوله ثلاثة أمتار وعشرة سنتيمترات، وفوقه طاولة خشبية لصلاة الجنازة. وهذا الهيكل هو ثاني هيكل من حيث التبارك . أسفله دُفن ثلاثة من الرهبان السواح الذي جاء أمر ربنا بدفنهم تحته. وخمسة من الأساقفة العظام، وبنت عذراء ماتت دون الثالثة عشرة، كانت جدائل شعرها تضفر في يومين بليلتهما، نذرها أبوها للدير، وهى دون الخامسة ، وكانت تُكلم المسيح كل يوم على مدار سبع سنوات، وأصبحت على مدار الأيام تسمى" ماريه القبطية" وراحت تشفى أمراضاً كثيرة، وهى صاحبة عين الماء ـ التي سوف أسقيك منها ـ تحت شجرة الجزورين التي تقف جوار حائط الدير الخارجي، وهى التي ذهبت إلى النيل حين جف ماؤه وانتشرت الأمراض والطاعون بين الحيوانات، وأصبح يهدد كل النائمين على جانبي النيل، فخرجت " مارية " بعد أن جاءها رجل يحمل فوق جلبابه تسعة صلبان خشبية، وهى التي رفضت الخروج لـ "محمد على الكبير" بذاته وخرجت مع ذلك الرجل الذي كان يبدو متسولاً ووقفت أمام النيل، وأمرته أن يأتي بمائه الأصيل حتى يشفى الإنسان والحيوان، فانبجس الماء من النيل، وكان لونه أصفر بعض الشيء، فغمست يديها فيه، ورمت ما حملته يداها مرة أخرى، وقالت له أين ماؤك يا نيل ؟ لتكن عذبا وفراتاً وتسر الناظرين إليك. وأمسكت بالحجر الذي أمسكته من الدير وقذفت به في النيل، فتغير لون الماء، حين ذلك اغترفت غرفة بيديها وقالت، ليشرب الحيوان قبل الإنسان، فنزل الطير وغطى السماء بجناحيه . فانكب الناس عل وجوههم وتنصّر مائتان وعشرون رجلاً وامرأة. وأعادهم "محمد على" إلى ملتهم الأصلية بأمر منه. وشعر هذه البنت مبارك وأي إنسان يلمسه لا تستطيع تلك الديدان الشرهة أن تتلفه أو تتخلله.
على الجانب يقف إيوان خشبي صغير له باب موشّى بالأرابيسك ورافعة للكتاب المقدس ، وصحن ينام في وسطه شمعة، وهذا الإيوان يقف فيه الواعظ لكي يتلو عظته وجوارها مباشرة المذبح. وسوف تستمع اليوم إلى عظة "بطرس" الرسول.
دخل الرهبان الثلاثة وقالوا:
ـ غذاء الابن الكريم في انتظار أسنانه التي لابد تعمل بكد وتعب من أجل أن يبعث أبونا ببعض اللحم من قربان هابيل .
فضحك الأب "بشاي" وأمسك بيد "جرجس" وقال له :
ـ هيا إلى الإفطار أيها الشماس الصغير. كان الرهبان الثلاثة قد دخلوا إلى حجرة الخزين وأخرجوا علبة السمن الكبيرة المدخرة لأيام الإفطار. ووضعوا طبق الفول بالزيت لأنفسهم، وطبقاً لجرجس بالسمن البلدي وثلاث بيضات وقطعوا الخيار والطماطم وصنعوا طبق عجة.
حين رأى الأب "بشاي" صينية الطعام الموضوعة على المذبح الذي يستعمل كمنضدة في حجرة النوم قال :
ـ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبى ربنا "يسوع" المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة السماء وعلى الأرض، ليقم واحدً فيكم ويرطب الخبز بالماء ريثما أدعو لـ"جرجس"، ثم قال :
ـ إله واحد وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل .كل مَن يُؤمن به لا يهلكُ.لأنه لم يُرسِلْ اللهُ ابنَه الوحيد إلى العالمِ ليُدين العالم، بل ليخلص به العالم. ضع طبق الفول المدمس بالسمن أمام ضيفنا الصغير،وليغفر لنا أبونا وربنا "يسوع" أننا نضع في الفم الصغير لهذا الابن الصالح محرم فى عيون الرب، ولكن ليعلم الملكان اللذان يحرسان ذلك الغلام أنه مريض ويجب أن يسمن ويكتسي شحماً حتى يشتد عوده، وليكن على هذين الملكين أن يغمضا عيونهما بعض الوقت ،لأن هذا الفم لا بد له من زبده بقر ولبن غنم، مع شحم خراف وكباش وعسل من حجر، وزيت من صوان الصخر، ودم العنب، كل هذا سوف يكون أيها الملكان، وسوف يسمعه الرب حين تكتبانه في القرطاس. لابد يسمعه الرب فلا تكونا مغتمين من أجل"جرجس" الصغير، ولا تنحجزا عن أعمالكما من أجله فقط. ثم وضع "بشاي" يده على رأس الغلام دون أن يفتح عينيه، فوجد الرأس ترتعش تحت يديه. أتمَّ دعاءه بسرعة . حاول أن تظل عيونه مغلقة، ولكن رعشة الصغير أخرجته من حالة الدعاء، ورأى رموش "جرجس" التي تتحرك بدون انتظام. شفتاه تهدلت تماماً. أنهى الدعاء، وأخذه في حضنه، وربت على ظهره حتى استكان. انتظمت حركات عينيه، وزالت الرعشة، ثم قرأ عليه دعاء "يوحنا" حين قال الرب يسوع : ليحسن الرب إنشاءك، ويكثرك أكثر من آبائك ويفتح الرب إلهك قلبك وقلب نسلك، لكي تحب الرب إلهك من كل قلبك وقلب نفسك، ويجعل الرب إلهك كل اللعنات على أعدائك، وعلى مبغضيك، ولتعمل بجميع وصاياه التي سوف أوصيك بها عما قريب، وليزد الرب إلهك الخبز من كد عمل يديك، لأنه لابد يفرح بالخير بين يديك كما فرح بالخير بين يدي آبائك، أمين تقبل يا يسوع ورسم علامة الصليب .
التفت إلى الغلام وقال: لابد أن الخبز الآن قد يبس مرة أخرى، فهيا أيها الولد الصالح لتعمل أضراسك الصغيرة بكد وتعب . ولتملأ بطنك بما لايصلح لنا الآن. لأن الشيطان سوف يحمل ما سوف يتبقى منك . فلا تترك له شيئاً. كانت المرة الأولى التي استطاع "جرجس" على مدار ثلاثة وخمسين عاماً وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً أن يأكل ثلاثة أرغفة مرة واحدة من أجل المقدس بشاي . الذي قال له بعد أن أنهى طعامه :
ـ تذكر جيداً إن هذا الطعام معطل علينا ، وأن الشيطان سوف يفرح به . جرجس يمسك بالخبز من جديد ويعاود الأكل . شرب بعدها سطلا من المياه يستطيع راهب سواح أن يحيا به مدة لا تقل عن أسبوعين، أو خمسين كيلو متراً من المضي تحت شمس تكون حرارتها خمسة وأربعين درجة مئوية . رفع الرهبان صينية الأكل. أمسك الأب بقطعة من القماش وبللها وأعطاها لـ"جرجس" الذي بدا النوم عليه. تطوحت رأسه كثيراً. أمره الأب أن يستريح اليوم حتى يستطيع أن يسمع عظة بطرس في المساء بقلب مُتقد، ولبّ يعمل ، ثم انسحب في هدوء من الحجرة و "جرجس"يفكر في كل هذا الحب الذي منحه له ذلك الأب . راح يسأل نفسه هل يستطيع قلبه أن يتحمل كل هذا الحب وهو المحب لأبيه و" ابن ستوته العايقة" والحاج " رمضان " وأمه، ولم يكن يعلم أنه حين يكمل الخامسة والثلاثين ستعود إلى ذاكرته تلك الأسماء قد تبخرت تماماً،ولم يعد في القلب متسع. بعد أن ملأه "مينا" و "بشاي" و "تريزة" و "صموئيل" الذي جاء إلى الدير في بداية عامه التاسع والعشرين، ولم يتذكر تلك اللحظة إلا عندما مرت تسعة عشر يوماً على وفاة ابنه مينا وهو اليوم الأخير له مع ذلك الدير الذي عشق ترابه.
عندما خرج الأب "بشاي" قال للرهبان الثلاثة اتركوه يستريح، ولا يدخل عليه أحد ثم ذهب إلى قلايته وخلع الجلباب وجلس بالسروال والفانلة التي ينام تحتها ذلك القميص المصنوع من الوبر المضفر بخيش النخيل الذي أخذه من الأنبا حزقيال أسقف دير " صموئيل المعترف " بعد موته كما طلب منه ، ومن يومها لم يخلعه إلا الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم الأحد .
حين يدخل عليه الشماس العجوز ويقول له: الحمام معدّ أيها الأب، فيمسك بالفوطة في يديه ويخلع الخف المصنوع من جلد الماعز ويلبس القبقاب الخشبي الذي ما إن يسمعه الرهبان حتى يضحكوا في سرهم على ذلك الوقع الذي استمع إليه ملك إحدى البلاد. ذات يوم حين دخل الشماس العجوز إلى حجرة الأب، الذي كان يستعد للحمام فقال له الشماس:
ـ إن هناك رحلة حضرت الآن من بلد أوربي ومعهم ابن الملكة وكبير أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في مصر، فقال لهم ليدخل عليهم الرهبان ريثما أخذ حمامي الأسبوعي، فبهت الشماس وقال بعد برهة. انه أمير يا سيدي ونيافة الأنبا، ولم يكمل جملته بعد أن رأى الأب يشيح بيده وهو يقول:
ـ حتي لو كان الملك، أعد الحمام أيها الرجل، واذهب بالملك هذا وكبير المهرجين هذا إلى الجحيم. جرى الشماس من أمامه ودخل على الرهبان الذين لم يجدوا أمامهم غير الخروج إلى حوش الدير لاستقبال الأمير بملابس النوم والعمل . ودخلوا بالأمير إلى الممر الضيق وتشاء الصدف أن يمر الأب من ذلك الممر ، حتى لا يصطدم بالزائرين وهو في الطريق إلى الحمام . وحين ذلك رأى الأمير الأب "بشاي" وهو يمسك بيديه الفوطة ولا يلبس فوق رأسه شيئاً ويرتدى قبقاباً، فتوقفت الدماء في عروق الرهبان والشماس. ووقف الأمير يستمع إلى وقع أقدام الأب بذلك الصوت الذي لم يتغير ولم يختل إيقاعه لتلك النظرة السريعة من عين الأب لعين الأمير. ثم مر جواره ولمس كتفه دون أن يلقى عليه السلام ودخل الحمام. وبمجرد أن جلس الأمير وكبير الأساقفة، انتفض طفل كان ينام على صدر أمه على ذلك الصوت الذي خرج من الأب، وهو يدعو الشماس للإتيان بأوراق النعناع والخروع لكي يستطيع أن يستقبل هؤلاء الهمج الذين لا يراعون الوقت في الحضور. تكهرب الجو لمدة نصف ساعة حتى دخل الأب "بشاي" بهيئته الجميلة واعتذر عن التأخير والصوت العالي الذي استمعوا إليه،وعلل ذلك أنه حين دخل إلى الحمام ووجد الماء الساخن فقط دون أن تكون فيه أوراق النعناع والخروع انتظر قليلاً ليأتي الشماس بهما ولما يئس خرج وجاء إلى الباب ودس الشيطان في فمه تلك الأقوال التي استمعوا إليها تخرج من حنجرته التي صارت بفضل ذلك الحمام والزيارة ملعباً لألاعيب ذلك القذر .
حين ذلك ضحك الأمير والزائرين على تلك الروح المحبة والخفيفة. ومن يومها أصبح معروفاً لدى التابعين للديانة الكاثوليكية باسم "الأب قبقاب" وعرف الرهبان في الدير ذلك الاسم حين دخل أحد الكاثوليك إلى الأرثوذوكسية.

حين دخل عليه الشماس العجوز وجده مستلقيا على الكرسي، وهو مغمض العين، فوقف أمامه لا يدرى ماذا يفعل مع ذلك الأب متقلب المزاج . لا ينسى ذلك اليوم الذي دخل عليه ووجده مسترخياً على الكرسي وتنفسه منتظم، فظنه نائماً فغير اتجاه قدميه ليخرج، للحظة واحدة وجد قلبه يسقط في قدميه حين هبطت يد ذلك الأب على كتفه ممسكه به وصوت"بشاي" يسأل ماذا يصنع حين يجد لصاً أمامه أيها الشماس ؟ ولم يستطيع التنفس لدقيقة على الأقل حتى ضحك الأب"بشاي"وهو يديره ليرى وجهه الأصفر والماء الذي هطل منه في لحظات. ثم قال له :
ـ ماذا هناك أيها الشماس الجميل ؟
فاسترد قلبه من قدميه ثم قال :
ـ لا شيء. لا شيء أيها الأب، وانسحب في هدوء.
تنحنح الشماس قبل أن يدير رأسه ويخرج من القلاية. ففتح الأب "بشاي" عيونه بصعوبة بالغة وعدل جسده على الكرسي، ثم وقف ،واتجه إلى المنضدة الموضوع عليها إناء ماء، أمسك الإناء بيده وجلس على حافة السرير المصنوع من خشب الجزورين والمفروش عليه ملاءة تملأها بطش تبدو كعصافير ملونة ورفع الإناء إلى فمه، ثم قام ووضعه على المنضدة وقال للشماس :
ـ لم لا تجلس أيها العجوز. هل تحملك قدماك تماماً ، أم أنك تريد أن تضع لعزرائيل الطيب فرصته الأخيرة فوق الترابيزة ؟
ضحك الشماس العجوز وجلس على حافة السرير، وأفرغ ما في الكيس على الملاءة وقال للأب:
ـ أرجو أن يخش قلبك السرور لهذه الألوان .
أمسك "بشاي" بالجلاليب، وراح يقيس عرض الذيل عندما أتم العد إلى الثانية عشرة سكت قليلاً، ثم دعا للشماس أن يلبسه الرب الاستبرق، ودعا لـ"جرجس" أن تحمل خيوط تلك الجلاليب بركة يسوع الرب، فلا تمسك بها النار، ولا تعلق الأوساخ بها. ثم فردهم جميعاً على السرير وقال للشماس:
ـ دعني أريح جسدي بعض الوقت ولا تدخل على "جرجس" الآن، اتركه لي سوف أوقظه أنا حين أرى أن ذلك لازم، فخرج الشماس، وهو يدعو للأب بطول العمر وصواب الرأي، ثم أغلق الباب. نظر "بشاي" إلى الأثواب الخمسة وراح يمر عليها دون أن يقف على أحد منها، ثم رفع الثوب الأبيض ذا الخيوط الطويلة الزرقاء ونظر إليه في اتجاه الكوة التي ترمي بشمس قبل القيلولة، وقبل أن يعيده إلى جوار الأثواب الأخرى سمع طرقات على الباب ثم فتح على وجه الشماس الذي تردد كثيراً قبل الدخول فقال "بشاي" :
ـ ماذا هناك ألم أقل لك دعني الآن ؟!
جاء صوت الشماس متلجلجاً وهو يرفع يديه، فلم يميز "بشاي" أقوال الشماس فدعاه للدخول وهو ما زال يرفع الثوب الأبيض ذا الخطوط الزرقاء في اتجاه الكوة التي ترمى بشمس تجعل الثوب مضيئاً فقال الشماس :
ـ هذا أول ثوب اشتريته. هو جميل أليس كذلك أيها الأب ؟
رمى "بشاي" الثوب على الملاءة التي لم تعد تظهر منها إلا بعض البطش القليلة التي استطاعت أن تأخذ لها مكاناً جوار الأثواب فبدت كغربان وليست عصافير وقال للشماس:
ـ هل جئت إلى هنا مرة أخرى، لتقول لي هذا الثوب جميل ! أم ترى عيوني قد ملأهم القذى.!!
رفع الشماس يده في اتجاه الأب وهو يقول :
ـ لقد نسيت أن أعطيك ما تبقى من الأموال.
فقال الأب وهو يخفف من وقع كلامه الجارح :
ـ ليت يدك كانت يدي امرأة لوط التي باعت رسالة زوجها بثمن بخس، فضحك الشماس، وخرج. كانت بعض العصافير التي استكانت تحت الأثواب قد بدأت في الظهور حين أفاق"بشاي"من غفوته التي طالت وجعلت الشمس تغيب عن كبد السماء قليلاً، فدخلت من الكوة، لتجلس على بعض الأثواب بقوة وتظهر من تحتها العصافير. ارتدى ملابسه على عجل وأمسك بالأثواب في يديه كأنه يريد أن يمسك برقبة لص يحاول الهروب ودخل حجرة الرهبان، وسأل عن الساعة. ولم يكن يجهل الوقت قبل العصر، وأن الساعة لابد الثالثة أو الثالثة والربع على أكثر تقدير، أطمأن على أحوال الغذاء وعلى جميع الأشغال بداية من جمع العنبة الشرقية التي دنت من الأرض، وأصبحت ملعباً للأطفال أولاد المصلين، وانتهاء بصحن الدير المليئ بالأوراق، ثم خرج إلى صحن الدير، ونظر إلى الأرضية . نادى على أحد الرهبان وأمره أن يلم تلك الأوراق التي تؤذى عين الناظر. والتي أقل ما يقال عنه إن أسقف ذلك الدير رجل قذر كل همه جمع التبرعات، ثم اتجه إلى عين الماء التي جوار السور ووضع الأثواب على جذع الشجرة ، واغترف غرفة بيديه وقبل أن يدخلها إلى فمه وجد ورقة شجرة فيها فتركها تنساب من بين يديه على سرواله، ثم ضرب الماء ضربة واحدة بيديه ، واغترف غرفة أخرى، ورفعها إلى فمه دون أن ينظر فيها، ومسح ذقنه ووجهه بما تبقى من طراوة الماء العالقة بيديه، ثم أمسك بالأثواب ودخل إلى الممر الذي يساوى أكثر مائة وثلاثة وخمسين خطوة من خطواته المتزنة، ثم دخل إلى الحجرة التي عرفت بعد ذلك على مدار أربعين عاماً وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً باسم " حجرة "جرجس"أو أبو مينا "، فوجده يسند ظهره على الحائط ويداه جواره ساكنتان تماماً، فوقف"بشاي"الذي دخل على الشماس طوال أربعين عام وتسعة أشهر ويوم مئات المرات. لم يستطع خلالها أن يعرف ما إن كان "جرجس" نائماً أم مستيقظاً إلا ثلاث مرات. كانت جميعها تبشر بموت.
المرة الأولى. حين دخل عليه بعد دخوله الدير بتسع عشرة سنة وأمره أن يذهب إلى أبيه في تلك البلدة النائمة بجوار النيل ليراه قبل الموت.
المرة الثانية. حين دخل عليه لكي يسخن مياها لكي يستطيع أن يُغسل أحد الرهبان.
المرة الثالثة. حين وقع مينا بين يديه واستكانت عيونه تماماً ودخل عليه، وهو جوار الحائط مرفوع الرأس إلى الفتحة الصغيرة الموجودة بأعلى السقف، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي يدخل فيها للأب تلك الحجرة. بل المرة الأخيرة التي يرى فيها "جرجس" الذي رفض الدخول على الأب "بشاي" بعد وفاة ابنه "مينا" عندما سقط على الأرض، ورفعه الرهبان وأدخلوه قلايته. ومن لحظتها لم يستطيع "بشاي" أن يقوم من السرير حتى حين دخلت عليه"تريزة" لتخبره أن "جرجس" مات فكلف الأب "متى" أب الدير الجديد بإقامة إكليل الجنازة. وكانت آخر فرحتين يعرفهما قلب ذلك الأب الذي ظل نائما على هذا السرير بعد موت "جرجس" ست سنوات وبعد موت "تريزة" بثلاث سنوات وأحد عشر شهراً حين علم أن "صموئيل" عاد فقط ليحضر جنازة صديقه "جرجس". لما علم بوفاة ابنه "مينا ". ووصل خطاب من "صموئيل" بعد سنة من رحيله من الدير يخبره أنه رزق بابن أسماه "بشاي"، وقف الأب "بشاي" أمام "جرجس" لمدة تزيد عن خمس دقائق دون أن تصدر عنه أية حركة، ثم جلس جوار"جرجس" الذي لم ساقيه ورفع يديه النائمتين جواره من أثر التعب ثم قال للأب:
• هل بيد سيدي شيء جديد أم أن أنفى قد أصابته وقعة الأمس فلم يعد يعرف الروائح ؟
• بعض الأثواب الجديدة لك أيها الشماس أم أقول أيها القس إن شاء يسوع المسيح؟
• لا. ليكن الشماس فقط يا أبت لن أستطيع أن أكون قساً وعيوني وقلبي تملأهما ضحكتك العزبة هذه .
• هل تستطيع أن تميز رائحة كل ثوب على حده يا "جرجس" ؟
أومأ "جرجس" برأسه دون أن يفتح فمه بأي شيء، فقال "بشاي" :
• هذا هو الثوب الأول تشممه جيداً وأمش بيديك عليه حتى تتعرف على نعومته.
أخذه من يديه،وأعطاه الثاني والثالث والرابع والخامس، و"جرجس" يقربهم من أنفه، ويمضى عليهم بيديه في تؤده ورفق.
• هذه الأثواب الخمسة لك يا "جرجس" ثم سحبهم من يديه وأمسك بأحد الأثواب وقال له:
• أي الأثواب هذا ؟
فقال "جرجس" :
• الثالث يا أبت. وأعطاه آخر فقال الأول، فربت "بشاي" على رأسه وهو يقول :
• لتكن عيون قلبك مبصرة دائماً يا ولدى.
وأمسك بالأثواب مرة أخرى وقال له :
• هذا هو الثوب الأول أليس كذلك ؟
• نعم يا أبت .
فقال "بشاي" :
• هذا الثوب لونه أبيض وبه خطوط طويلة زرقاء. وأمسك بيد "جرجس" وجعلها تمر على الخطوط الزرقاء ببطء ثم الخطوط البيضاء، ثم منحه الثوب الثاني وقال :
• هذا لونه. لونه أبيض بخطوط حمراء. ثم تركه يمر بيديه دون أن يمسك يهما فمشى "جرجس"على الخطوط الحمراء والبيضاء معاً، فنبه "بشاي" وقال له:
• دع قلبك في يديك وأخرج من رأسك كل الأفكار الآن .
وأعطاه الثوب الثالث دون أن يقول له على الألوان فمشى "جرجس" بيده على الثوب الثالث وفتح فمه و"بشاي" يحدق فيه دون أن يصدر عنه تنفس. ضحك الأب وهو يرى حركات حواجب "جرجس" وفمه الذي أستمر رغم تلك الحركات لا يتزحزح قيد أنملة ثم قال:
• لا تنزعج أيها الصغير فبقلبك وبيدك إيمان لو وزع على مائة من خراف الله الضالة لعادوا إلى حظيرته. هذا الثوب سادة ليس به خطوط ومصنوع من التيل وليس دكرون كما الآخرين ولونه، ثم هرش لحيته التي لم يضع عليها مسكاً منذ تسع سنوات بعد أن كان يضمخها بالمسك كل مساء وصبح . كيف يستطيع أن يقول عن لونه هل يقول أصفر أم مصفر بعض الشيء على بني فهو لم يحدد له لوناً حتى الآن. وخرجت من فمه زفرة مصحوبة بنفس طويل بعض الشيء. أمسك "جرجس" بالثوب ومشى به على انفه ثم قال:
• هذا الثوب لونه قريب الشبه من اللون الأصفر.
رسم الأب علامة الصليب على رأس "جرجس" ثم قال له :
• تأخرنا كثيراً على الغداء. الوقت يمضى معك جميلاً يا "جرجس"، ولكن لدينا مشاغل كثيرة اليوم. فاليوم عظة "بطرس" الرسول، ويجب على أن أقرأ الإنجيل كاملاً كما تعودت كل عام .
أحس "جرجس" أن الأب "بشاي" يهرب من ألوان الثوبين المتبقين .
• فقال له ما رأى سيدي الأب أن ألبس الثوب الرابع اليوم .
خطى "بشاي" خطوتين إلى الأمام ثم ألتفت إلى "جرجس" الذي ارتسمت على فمه شبه ابتسامه . فوقع قلب "بشاي" حين رآها وقال لـ"جرجس" :
• كلما تحدّثت مع نفسك ياجرجس ،كلما تضاءل الأمل في وجود فرصةٍ للنجاة. من المنطقي تمامًا ياولدي أنْ يتساءل المرء عن المبرر وراء تلك الأحداث القاسية المروعة التي يمرُّ بها.لماذا هذا الظلام الدامس بالتحديد بالنسبة لك، أعلم يابني إنك تعيش وكأننك في الحكايات الخرافية، وفي انتظار الأحداث الدامية التي تملأ جميع الأساطير،لكن مهما بلغتْ فوضى تعاقب الأحداث، ثَمَّة ـ دائمًا ـ فتراتٍ فاصلةٍ، تُوجدُ من تلقاء ذاتها لنتحدث فيها مع أنفسنا.مازال هناك وقتٌ،ليس فقط للتأمل،بل للتعلّم والكشف عما هو منسيّ ومدفونٌ داخلنا،وعندئذ بمقدورنا أنْ نتخيل المستقبل.
فبهت ظل الابتسامة التي على فم "جرجس" وأحس أنه خسر قلب الأب. فأحنى رأسه في الأرض وهو يلوم نفسه على فعلته. كانت هذه المرة هي الأولى التي يرى فيها وجه "بشاي" الثاني. الذي سوف يراه على مدار أربعين عاماً وتسعة أشهر ويوم، سبع مرات.
المرة الخامسة حين يأتي " منير " الذي أصبح أسمه بعد دخوله الدير "متى" ويكون واقفاً جوار "بشاي" حين يطلب "منير" من الأب أن يسمى "بيشوى"، فيرفض الأب ويقول له اختر أسماً آخر أيها الابن. فيتدخل "جرجس" ويقول للأب "بشاي":
• ليكن اسمه "بيشوى" يا أبت، فربما كان هذا الاسم يعنى عنده شيئاً .
ولم يكمل باقي الجملة حتى خرج صوت الأب "بشاي" وهو يقول:
• أجلس أنت أيها الشماس على الكرسي بدلاً منى وامنحه ما شئت من الأسماء.
فبهت "جرجس" لذلك وعندما خرج الراهب"متى "قال له الأب. احذر هذا الراهب واحتفظ لقدميك بمنعزل عنه .
المرة السادسة. كانت بعد دخول "متى" الدير بخمسة أشهر وطلب من "جرجس" أن يحضر له كتاب تعاليم الرسل فجاء "متى" بكتاب خطأ. فقال "متى" لـ"صموئيل" :
• هذا ما تحكى عنه أيها القس الطيب ؟، هل هذا تعاليم الرسل ؟ هل هذا الذي يعرف الكتاب من ملمسه ورائحته؟! أنه أعمى يا "صموئيل" ويجب عليه أن يعلم ذلك جيداً حتى لا يتدخل فيما لا يعنيه. وحين ذلك دخل "بشاي" عليهم وعرف من "صموئيل" ما حدث، فرفع "بشاي" صوته وأمر "متى" أن يذهب إلى حجرة الاعتراف وقال لـ"جرجس":
• ألم أحذرك أيها الحمل الضال ألم أقل لك تحسس موقع قدميك جيداً وأنت تتعامل مع ذلك الـ"متىَّ" منذ اليوم الأول لدخوله الدير. أنت هكذا دائماً تمضى بقلبك لا بعقلك في اتجاه الشيطان. اذهب إلى الجحيم بقلبك هذا.
المرة الأخيرة. حين دخل عليه يوم موت أبنه "مينا" وأبى "إبراهيم" أن يأتي بمطرقة لينزل ذلك المسمار المدبب الذي في غطاء الصندوق بعد أن نزل في الصندوق وعرف أن المسمار مرتفع قليلاً فقال "جرجس" لـ"بشاي" لم المسمار أيها الأب المقدس، لا داعي له. لا تخثرني بطن أبن امرأتي ولا تشمت في أعدائي فحاول الأب أن يشرح له أن المسمار بالكاد سوف يفقأ بطن مينا في اليوم الثالث عشر، وهو لا يريد أن يتعذب ذلك الشاب كثيراً. ومن أجل ذلك عليه أن ينزل بالمسمار خمس سنتيمترات حتى يستطيع المسمار أن يبقر بطن الشاب بعد ثلاثة أيام فقط . ولكن "جرجس" الملهوف على رؤية وجه أبنه لم يستحب لكل مبررات الأب ورفض ذلك وقال له الأب:
لا داعي للعناد أيها الحمل الضال ولتخرج الآن من هنا ريثما أعد كل الأشياء. فرفض"جرجس"، فنادى على"متّى" الذي استلم مقاليد الدير بعد تلك الواقعة بأسبوعين وقال له أذهب به إلى الجحيم عند الباب.
وقف "بشاي" مرة أخرى وقال لـ" جرجس" :
• ارتدى الجلباب الخامس ولتعلم أيها الابن أن لونه رصاصي فاتح، أما الرابع فهو بني غامق. ولا تتأخر كثيراً فموعد الغداء قد حان منذ ما يقرب من نصف ساعة .
وقف " جرجس" يتحسس الثوب الرابع والخامس ليتعرف على الألوان من خلال يديه وأنفه. حين دخل الشماس العجوز إلى الحجرة ووجد "جرجس"يرتدى الجلباب الرصاصي ، هبطت على وجهه بسمة، وقال :
• لينفعك المسيح أيها الولد وليخفى عيوبك تماماً، الأب في انتظارك ولكن لي عندك طلب ولم ينتظرا لرد واخرج من جيب الصديرى الذي يرتديه على فانلة بنصف كم وسروال طويل ينزل منه شريط ملفوف مصنوع من ليف النخيل والكتان، أخرج طاقية صغيرة مشغول عليها قبة كنيسة باللون الأحمر والجانب الأخر موشى بالصلبان الصغيرة وصليب كبير باللون الأبيض ووضعه على رأس "جرجس" الذي طفرت الدموع من عينيه دون أن يدرى لذلك سبباً غير وجع أحس به في مكان بالقلب بعد خمس عشر عاماً، حين مات هذا الشماس في يوم ممطر ولم يصلى عليه ويحضر الجنازة غير ستة من الرهبان والأب و "جرجس" الذي أخذ من يد ذلك الشماس ليلة الوفاة صليباً نحاسياً كبيراً ينام في وسطه المسيح وهو مصلوب إلى جذع نخل وعلى رأسه وضع أكليلاً مضفراً من الشوك . ما إن مشى عليه "جرجس" بيديه وكان حين ذلك قد بلغ الثامنة والعشرين حتى أحس بتلك الدموع وأحس بذلك الوجع الذي أحس به يوم أن وضع ذلك الشماس بالطاقية التي ظل "جرجس" يحتفظ بها حتى منحها لـ"إبراهيم" مساعده الصغير.
رفع " جرجس" الطاقية من على رأسه ومشى بيده عليها ثم قبل الصليب ووضعها مرة أخرى على رأسه، وأمسك بيد الشماس العجوز الذي كانت يداه في تلك اللحظة ترتعشان .
• احك لي شيئاً عن أيامك السابقة يا "جرجس" هل ارتكبت معصية ؟ فاليوم هو يوم بطرس الرسول. ويجب عليك أن تعترف بكل الأخطاء حتى تستطيع أن تبدأ عامك الجديد في ذلك الدير وأنت مرفوع القلب وفوق الرأس أكليل عدل .
نكس "جرجس"رأسه وهو ما يزال ممسكاً بيد الشماس وراح يفكر في حياته السابقة . ولم يرد على الشماس الذي أجلسه جوار الأب " بشاي "بإشارة من يديه أصابت عين الشماس وتركت قلبه يرقص على ذلك المكان الذي لم يجلس به أحد في المرات القليلة التي شارك فيها الأب الطعام مع الرهبان والشماس. كان الرهبان قد أعدوا طعاماً خاصاً لـ"جرجس" مكوناً من لحم مطبوخ في برام وخبز مخلوط بالحلبة وأرز، رفع المقدس الفوطة الموضوعة على فخذه ووضعها في طوق الجلباب الجديد الذي أصبح فيه "جرجس" مختلفاً كثيراً عن الصباح أبتسم الرهبان حين رأوا أن "جرجس" الذي كان في الصباح يبدو كمتسول صغير، أصبح في ذلك الرداء ابناً جميلاً، تلي الجالسون صلاة الطعام وامسك الأب"بشاي" بيد"جرجس" ومر بها على الصحون الخاصة به وهو يقول له:
• ذلك البرام خاص بك وحدك ولا تنس أن الشيطان في انتظار ما سيتبقى، وألق على الرب هم قفصك الصدري وبطنك الملساء .
ارتعشت يد"جرجس" وهى في الطريق إلى فمه فوقعت المعلقة على جلبابه ولم تستطع تلك الفوطة الموضوعة على طوق الجلباب أن تحميه، أمسك"بشاي"بذيل الجلباب ونفضه وأزاح بيده ما تعلق بالثوب فزاد المكان الذي اتسخ فشد الفوطة لموضوعة على طوق الجلباب ومسح يديه ولم يعدها إلى مكانها ومشى بيده على رأس "جرجس" الذي كانت دموعه في انتظار تلك اللمسة لتساقط ببطء ثم يسيل الماء المملح المختلط مع مخاط أنفه . ولم تستطيع يد الأب أن تمنع تلك الدموع في اليوم الثاني لوجود "جرجس" في الدير كما أنها لم تستطيع تلك اليد ذاتها وهى مرتعشة بعد مضى أربعين عاماً وتسعة أشهر ويوم، مرة أخرى أن تمنع تلك الدموع حين كانت تتساقط على موت أبنه "مينا ".
ووقفت اليد المرتعشة على رأس "جرجس"مدة تزيد عن نصف الساعة يومها، ثم نامت جوار الجسد الذي لم يزد في مدة أربعين عاماً وتسع أشهر إلا بمقدار ثمانية وثلاثين كيلو جراماً، رغم أن الأيام المائة والاثنين وأربعين يوماً الأولى لـ"جرجس" داخل الدير كان مقدار ما تناوله من الأطعمة يزيد عن تلك الكيلوات الثمانية والثلاثين بتسعة كيلو على الأقل من اللحوم فقط. فلقد اتضح للشماس العجوز بعد مضى تلك الأيام أن ما صرفه على اللحوم رغم صيام الكنيسة يوازى ما تم صرفه على اللحوم في عام كامل. وعندما صرح للأب بذلك قال له :
• يبدوا أن أموال المتبرعين ليست خالصة لوجه الرب لأن "جرجس" لم يزد أكثر من خمسة عشر رطلاً. ذلك بالكاد أيها الشماس.
ماذا هناك أيها الابن ؟ هل وقعت الواقعة فليذهب هذا الثوب إلى الجحيم مد يدك وامسح تلك الدموع ، لا ينبغي لكَ أنْ تُقاسي بعد الآن أيها الملاك. فقط عليك أنْ تُحاول تشكيل حياتك لتتلاءم مع الفعل الخطأ . إنَّ لغز لماذا فعل بي ابي ذلك ؟ وكيف فعله؟! قد انقضى إلى غيرِ رجعةٍ، أما أنْ تندب حظَّكَ وتعيش مُرَّ القسوة وكأنَّك ضحية التلقيح الخاطئِ ، فذلك ما لا يلزمُك الآن،وأنت أيها الشماس أذهب إلى حجرتي وسوف تجد على المكتب حقاً صغيراً به مرهم لونه، ثم أتجه بوجهه إلى "جرجس" الذي مازالت الدموع تنهمر من عيونه وقال له:
• ترى أيها الغلام ماذا يكون لون ذلك المرهم ؟
ظهرت ابتسامة "جرجس" رغم عدم انقطاع الدموع التي استمرت على مدار ساعة تتواصل.
مضى الشماس و"جرجس" ما زال يحاول أن يمسح دموعه ولكنها لا تتوقف. وضع الأب المرهم على أنف "جرجس" ثم أعطاه الشماس المنشفة المبلولة بالماء فوقف وقال :
• يجب أن أغسل يدي بالصابون . وتركهم وتحرك في اتجاه ثم وقف قليلاً وأدار وجهه إلى الرهبان وقال :
• لابد لذلك الغلام أن ينهى تلك المحنة ذلك لازم أيها الغلام قبل أن أعود. ثم خرج فغسل يديه بالصابون ثم خرج إلى حوش الدير فرأى من بعيد المعلم "رياض" يدخل من باب الدير ويتجه إلى عين الماء دون أن ينظر إليه وأخذ يرفع الماء بيديه ويرميه على وجهه ورأسه ثم راح يعب الماء عباً، اتجه إليه الأب وعلى بعد أكثر من ثلاثين خطوة قال لـ"رياض" :
• ألن تعود أيها الخروف الضال، ألم تقسم بالأمس القريب ألا تعود إلى الخمر مرة أخرى . سوف تضيع نفسك، لمن تترك أولادك الصغار بعد موت أمهم. يبدو أنك لن تعود إلا إذا جرستك في عظة الأحد القادم. وقف المعلم "رياض" وهو يحاول أن يبدو طبيعياً ولكن الكلمات التي خرجت من حنكه كانت تؤكد على تلك الحاسة التي أصابها الأب "بشاي" من مجرد رؤيته من بعيد. انسحب "رياض" وهو يقسم للأب أن الشيطان لعب برأسه وأنه لن يعود إلى ذلك وأنه سوف يربى أبنه "رياض" وأبنته "تريزة" على الصليب وسوف يأتي بهم اليوم إلى عظة بطرس الرسول. ولكن الأب قال له:
• لن يبقى أكثر من ساعتين ونصف الساعة على بداية العظة فكيف سيأتي. وتلك الرائحة النتنة تخرج من فمه. لم يرد "رياض" عليه ومضى .
تحرك الأب ومد يديه في الحوض الصغير المصنوع من الأسمنت وراح يرش الماء الراكد فيه ثم وضع يديه وأمسك بحفنة مياه ووضعها في فمه ثم عاد يمشى بتلك الخطوات البطيئة التي عرف بها إلى داخل الممر، من بعيد أصغ السمع لكي يعرف هل انتهى"جرجس" من البكاء. كان"جرجس" ما يزال ينتحب فقال الأب :
• لمَ لم ترفعوا الغداء بعد ؟ ألم تعلم أن أطفال الأب هؤلاء النورانيين الذين يولدون لإباء مسيحيين بحق يحبون ذلك الرب يحملون الغذاء من لحظة وضعه إلى أن ترفعوه أنتم.
فأمسك الشماس العجوز بصحن الأرز فضحك "بشاي" وقال للشماس :
• دائماً لا تنتظر أيها الشماس تخطف الطبق بمجرد أن تسمع. ليخطفك ملاك الرحمة ويقلعك من مسكنك ويستأصلك من أرض الأحياء لتعرف أن الرب ألهك راضٍ عنك وجعل لك مسكناً في الحياة الأخرى هناك من إستبرق وسندس وبه امرأة جميلة.
ضحك كل الحاضرين عدا "جرجس" الذي ما زالت دموعه تنزل بطء.
• هل انتهيت أيها الطفل الصغير. ماذا تريد ؟ هل أوحشك صدر أمك ؟ رفع "جرجس" يديه ومسح دموعه. فهبطت يد الأب على يديه وهو يمسح تلك الدموع القليلة فلم يجد "جرجس" الصغير في رأسه أي شيء سو أن يقبل تلك اليد للمرة الأولى في حياته والتي سوف يقبلها كثيراً .
• يجب أن يعاد تسخين ذلك الطعام ريثما أعطى لذلك الغلام عظته وأتلقى منه اعترافاً يزيح ذلك الهم عن قلبه وامسك بيد "جرجس"ودخلا سوياً إلى حجرة الاعتراف للمرة الأولى في حياته، وأجلسه فوق الكرسي وراح يصف له الحجرة التي كانت بها ثلاثة كراسي تتحرك أينما شاء، فهي ليست كتلك التي وصفها له في الصباح في صحن الكنيسة. وبالحجرة ستارة سوداء تستطيع أن تقسم الحجرة إلى حجرتين ويمكن للأب الإعترافي التلقي من خلف الستارة إن شاء هو أو التلقي من خلال الوجه دون ساتر والاعتراف عبارة عن مصارحة الرب بأفعال الشيطان وذلك في عين الرب. ويكتبه الملاك في قرطاس ويفقأ به عين الشيطان الأجرب أما ما يكتبه ذلك الملاك الجميل فهو الذي يخرج من فمك مباشرة، لا من خرج من فمي سواء كان كلام الرب أو إرشاد فأنا أيها الابن مجرد وسيط، شاهد على اعترافك حين تقول مثلاً؛ أنا استمعت إلى الشيطان ذلك القذر وسوس لي أن أرى عورة ابنة الجيران أو ما شابه ذلك. ولتبدأ الآن في أن تعطى أذنك مع قلبك استبق لقلبك الكلام يا "جرجس"حتى لا تحزن على عمرك الذي سوف يكون على أقل تقدير فوق الخمسين بشهور على أكثر تقدير ثلاثة وخمسين وتسعة أشهر وأيام . إن هذه الوصية التي سوف أوصيك بها ليست عسيرة عليك ولا بعيدة عنك فهي ليست في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها. ولا هي في عمق البحر حتى تقول من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها . بل الكلمة قريبة منك جداً في فمك وفى قلبك لتعمل بها ضع يدك في يدي.وامسك بيده وقال : قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير والموت والشر. ضع الرب إلهك في قلبك فينير لك بصيرتك لتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه فتحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تملكها وسوف تدخلها بعد ذلك لتملكك أنت . فأعمل من أجل أن يكون بيتك هناك في تلك الأرض التي أنت عابرها لكي تدخلها وتتملكها جميل .
أشهد عليك اليوم ذلك الملاك الذي دخل معنا لكي يتلق اعترافك. وأنا أعرفه جيداً فهو جد شهيد. إني قد جعلت قدامك الحياة والموت والبركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحييا أنت ونسلك الذي سوف ينقطع ويلقاك في الحياة الأخرى هناك وتقيمون حياة عائلية جميلة لن يدخلها ذلك الشيطان. وسوف يكثر الرب إلهك من نسلك في الحياة الأخرى ويكون لك بيت تحفه الملائكة وأبناء كثيرون وبنات جميلات، ذلك إذا أنت أحببت الرب إلهك واستمعت لصوته والتصقت به. لا شيء إلا لأنه هو حياتك . وأشهد أيها الملاك الطيب على ذلك.
هل تشهد يا "جرجس" ؟، أومأ "جرجس " برأسه فقال "بشاي":
• أرفع صوتك ليسمع ذلك الملاك وليحفظ عهدك معه.
فقال " جرجس بصوت يملأه الخوف :
• هذا عهدي يا أبت.
فوقف " بشاي وقال :
• قل هذا عهدي يا ربى وهذا الحمل الكبير شاهد على مع ذلك الملاك الجميل، فقال " جرجس ما قاله الأب الذي ربت على يديه وقال لنؤجل الاعتراف إلى يوم آخر لأن الرهبان لابد جائعون والشماس العجوز مشى جوار الحجرة أربع مرات.
استغرب "جرجس" لما قاله الأب"بشاي" فقد أحس لحظات أن هناك أرجلاً تمر جوار الحجرة. ولكن ذلك الإحساس قد نفاه قلبه حين استشار نفسه وأذنيه.
أخرجه الأب "بشاي"من تلك الأفكار وقال له :
• لا تستعجل الأيام يا "جرجس" غداً إن شاء الرب يمنحك قلباً يرى مالا يراه الناظرون فتعرف ما لا يخطر على أفكارك.
ثم أمسك بيده ودخلا إلى حجرة الطعام وقال للرهبان :
• تأخرنا كثيراً عليكم. فلتغفروا لنا أيها الأصدقاء. هيا أيها الشماس ضع يديك وابدأ لا تنتظر حتى نجلس هيا يا "جرجس" وأمسك بيده وقال له:
• عليك أن تقيس المسافة جيداً أيها الابن حتى نستطيع أن نتناول غدائنا في هذا اليوم.
خرج صوت "جرجس" الذي أمسك قلبه بيده وعصره من أجل أن تخرج تلك الكلمات وهو يسأل الشماس عن الفوطة.
فقال "بشاي":
• لا داعي لها فقد أتسخ الجلباب تماماً ويجب على شماسنا العجوزأن يأمر أحد الرهبان في المساء أن يقوم بإعادة الثوب إلى حالته وذلك باستعمال صابون وبطاس مع ماء ساخن. والآن هيا بنا نعمل بكد لكي نستطيع أن نأتى على الأكل.
أمسك "جرجس" بالمعلقة للمرة الثانية كانت المسافة بين طبق الأرز وفمه طويلة جداً استطاع أن يجتازها في المرة الأولى في مدة تزيد عن الدقيقة والنصف ثم عمل بكد وتعب على طبق الأرز واللحم وحمد الله .
• أين شايك الجميل أيها الشماس لابد أن يكون كشري ولا تنس أن تسأل ضيفنا الكريم. وذلك لمدة أسبوع فقط يا"جرجس" حتى تتعرف على المكان وبعد ذلك عليك ما علينا ولك ما لنا. عن مقدار السكر الذي يحبه والشاي أيضاً. ورغم أن أسنان"جرجس" تشي بأنه يشرب الشاي ثقيلاً إلا أنه قال للشماس:
• مضبوط يا سيدي. غمز الأب للشماس، ورشف رشفة منه تأكد له ذلك لإحساس من أن أعين الأب أشارت للشماس.
• إيه يا "جرجس" أعجبك الشاي ؟
• سلم الرب يد صانعه وفم من أمر به. ضحك"بشاي" ووقف، عند ذلك رمى"جرجس" بكل محتويات الكوب في فمه ووضع الكوب على الصينية مرة واحدة دون أن يخطئ المكان المضبوط ووقف جوار الأب الذي أمسك بيده في الممر الذي يفصل بين بعض حجرات الضيوف، قال الأب لـ"جرجس" :
• لماذا لم تقل أنك تحب الشاي ثقيل شاي وسكر ؟
فرد عليه "جرجس"
• ولماذا أنت أيها الأب أشرت للشماس أن يأتي به زيادة رغم أنى قلت مضبوط؟
في تلك اللحظة أحس بيد الأب تضغط على يديه بمودة وحب وأحس للمرة الأولى أن الأب يعامله كابن له، وما أن داخله ذلك الشعور حتى فر عصفور قلبه إلى حيث يجلس الحاج"رمضان" وحاشيته ونام فوق صدره تماماً .


القسم الثاني
" فقط أطلق يمامي "


• لم تشرب بعد أيها الغلام من عين "ماريه القبطية". ما رأيك أن تمشى إلى هناك لتشرب من تلك العين التي حكيت لك عنها في الصباح ؟
لم ينتظر الأب إجابة "جرجس"وغير مسارهما إلى حوش الدير، فنزل "جرجس" الدرجات السبع في تؤده وهو يمسك بيد الأب وعقله سارح في رائحة الأشجار التي استطاعت فراشاتها الصغيرة أن تتخلل أنفه المسدود بذلك المرهم ذي الرائحة التي تشبه رائحة الكبريت.
• ما رأيك يا "جرجس" أن تكون تلميذاً لي. وسوف أسميك "جرجس الصغير" كما سمى المسيح بن مريم "أم يوشى يعقوب الصغير"، ولكنك لن تكون مثل مريم هذا أم يوشى ويعقوب فلن تشهد موتي يا "جرجس" ولن يبشرك الملاك بشيء على الإطلاق.
رفع "جرجس" رأسه وأراد أن يقول للأب أنه لا يفهم شيئاً من هذه لأسماء. ولكن يد الأب "بشاي" كانت أسرع من فمه وزادت من ضغطها في تلك اللحظة، فأخرست لسان "جرجس" الذي راح يفكر في معنى تلك الأسماء. فقال له الأب "بشاي":
• أنا عارف بكل أفكارك ! فلا تستعجل وغداً يتضح لك كل شيء . كل شيء سيتضح لك إذا استمر نقاء قلبك وعلاقتك الطيبة مع الرب وتمتعت بالبركة التي سيضعها الرب في يديك، هذه هي عين الماء. ضع يدك ولتكن اليمنى، وقل"يا أخت أبينا الذي حمل عن أولاد آدم الدماء التي أسالها قابيل. دعيني أقبل قدميك ودعي شعرك الذي فاض على النيل يفيض على جسدي الضعيف، وامنحيني بعض مائك في الصباح وعندما تقف الشمس في كبد السماء، وعندما تغيب، وسوف أصوم لك يوم تنيحك، ولن أكلم إنساناً هذا اليوم إلا بالإشارة، هذا وعد منى يا ماريه ياأخت أبى" .
كان "جرجس" يردد وراءه وقلبه يلهج من تلك الكلمات العذبة التي يحاول أن لا تسقط منه دون أن تنام داخل ذلك القلب أبد الحياة .
عندما أتم الأب دعاءه أمسك بيد"جرجس" اليمنى وأراه طريق العين التي تصب في حوض مصنوع من الأسمنت له ماسورة طولها ثلاثة أمتار ثم تنتهي بمنحدر لتنزل إلى قناة صغيرة تسقى أشجار الجزورين والصفصاف والسرو الموجودة جوار سور الدير. وضع "جرجس" يديه على تلك العين وحاول أن يأخذ بيده اليمنى بعض الماء ولكن الماء أنزلق منها ولم يبق منها حين وضعها على فمه غير طراوة ذلك الماء .
كان "بشاي"يقف جواره وهو مفتوح الفم لتلك المحاولات البائسة لـ"جرجس" لكي يستطيع أن يروى عطشه الذي زاد مرة واحدة. أمسك الأب بيديه غرفة الماء ثم وضعها أمام فم"جرجس" الذي استكانت يداه جواره وراح يعب من يد الأب الماء الذي ما أن ينتهي حتى يرفعه بيديه مرة أخرى وفم"جرجس" يعمل بكد حتى أتم المرات السبع .
حين ذلك رفع "جرجس" يديه ومشى على فمه وأتجه بوجهه إلى الناحية الأخرى دون أن يدرى أن الأب "بشاي" لم يرم بيديه في الحوض في المرة الثامنة، أمسك الأب "جرجس" ونزل على ركبته ووضعه في حضنه وهو يدعو لتلك المعجزة أو لحظة الاكتشاف كما سماها الأب "بشاي" .

لحظة الاكتشاف

في البداية أرقني ذلك المسمى، كيف تأتى لحظة الاكتشاف ؟، وما الأمور المساعدة لها؟، ولأي الأشخاص ؟ هل لابد أن تأتى العلامات لرجل الدين فقط. أم لكل الأشخاص؟
هناك في الأسطورة القديمة؛ يقال أن الروح تخرج من الإنسان قبل أربعين يوماً وعند لحظات التشوف هذه. يعلم أنه سوف يموت، ومن أجل ذلك تخرج من فمه أقول بها حكمته، وتهيم به تلك اللحظات التي نسميها الاكتشاف أو التشوف .
مثلاً . قبل أن يموت أبى بأسبوع قال جملة مازلت أبحث عن حل شفرتها حتى الآن .
وما الذي جعل أبى يقول تلك الجملة ؟ !
حتى أثناء الكتابة جاءت لحظة مماثلة. مثل تلك اللحظة التي وقفت فيها "منال" أخت "ماجدة" وقالت لها :
• سوف تلدين خمسة أطفال وحددت نوع الأطفال. تلك اللحظة لا أعرف كيف جاءت.
وبالمثل كانت هناك داخل الرواية لحظات اكتشاف من الآخرين . مثل الأب"بشاي" الذي يشي بأشياء كثيرة لـ"جرجس" و"تريزة". أنا هنا أحلل تلك الأشياء لكنى أؤكد أن هناك أمور أكثر من المعجزات تحدث كل يوم دون أن نلتفت إليها . ولقد حدث لي أشياء أراها من قلب الله فقط . فيوم ماتت " سعاد " ولدت " سعاد " الصغيرة ومات أبى. كلهم في نفس الساعة ولكن بعد مضى عام وعندما أفكر في تلك اللحظة لا أجد إلا أن الله منحنى أشياء أعجز عن رد أي جزء منها .
كيف فعل "جرجس"ذلك ؟ ولماذا لم يمد فمه في المرة الثامنة؟ ومن أخبره بذلك السر؟ الذي يمنح من خلال الأب "بشاي" فقط .. ولبعض الرهبان . وليس لكل الرهبان.
كان "بشاي" قد فكر أن يناول"جرجس" بعض الأسرار الخاصة بذلك الدير ولكنه عدل عن ذلك. فكيف عرف "جرجس" السر ؟ كان هذا السؤال يدق في عقل الأب "بشاي"، وظل ذلك السؤال هو وأربعة أسئلة أخرى تؤرقه على مدار ستة وأربعين عاماً منها ستة أعوام لم ير فيها وجه "جرجس" لموته، حتى أنه كلم الملاك الحارس لذلك الدير، والذي يتلقى الاعتراف ويحرس تلك الأرواح الجميلة التي تدخل الدير. ولكنه لم يتلق جواباً حتى في حلمه الذي ظل على مدار عشر سنوات منها أربعة قبل موت "جرجس" ينام تحت قدم المسيح الذي يمسك في يديه صحناً مليئاً بالمراهم المختلفة ألوانها ويدهن لـ"جرجس" أنفه، وجوارهم"مينا" يأكل من عنقود عنب ما أن ينتهى حتى يعود من جديد ممتلئاًن و"جرجس" كلما مرت يد المسيح على أنفه أمسك بها وراح يلعق أصابعها ويلحسها بطريقة شهوانية، ثم يقبلها ويقول للمسيح:
• أين أبى"بشاي" ؟ لم تتركه هناك حيث ذلك المسمى بـ "متى" ؟ ولكن ما أرق "بشاي" في ذلك الحلم هو "صموئيل"، ذلك القس الذي ترك الكنيسة قبل وفاة "مينا" بثلاثة أيام، وحضر ليقيم صلاة الجنازة على "جرجس" ولم يره بعد ذلك. فإن موقف "صموئيل" في هذا الحلم قد طرأ عليه تغير. اعتبره الأب "بشاي" تغيراً وضع بمقدار ثلاث مائة وستين درجة. فلقد ظل "صموئيل" أربع سنوات خلال الحلم يأتي بكوب ماء يضع فيه المسيح يديه، بعد أن يلعقهما "جرجس". ثم شرب هو الماء الذي يتحول إلى دم بمجرد أن يرفع "صموئيل" الكوب إلى فمه، ولكن خلال الستة أعوام الأخرى تحول"صموئيل" إلى طائر بوجه ملائكة ليرف فوق رأس المسيح وفى يده فراشة جميلة بوجه أنثى مكتملة الجمال، كلما امتدت يد المسيح لتدهن أنف"جرجس" سقطت على"مينا" لتعيد إليه عنقود العنب الذي يكون على وشك الانتهاء. ثم تطير مرة أخرى لتمسك بيد "صموئيل" وتعطيه قبلة طويلة تساقط خلالها خمس وردات صغيرة كل منهن على هيئة سؤال من تلك الأسئلة التي أرقت الأب "بشاي" على مدار ستة وأربعين عاماً .
مسح "جرجس" الماء العالق بفمه ورفع الطاقية ومشى بيده على شعره الطويل بعض الشيء ووقف في انتظار أن يعود الأب "بشاي" من سفره الطويل مع أفكاره التي لا يعرف عنها شيئاً.
أفاق الأب وأمسك بيد"جرجس" دون أن يتكلم معه، واتجه إلى الحجرة التي ظلت على مدار أربعين عاماً تسمى بحجرة الشماس وتركه على الباب ومضى حيث تذكر أنه يجب عليه أن يكون الآن على الكرسي الهزاز، وفى يده رسالة بطرس كما تعود منذ أن أخذ العهد على نفسه من ثلاثين عاماً. وقف "جرجس" لا يدرى شيئاً. تمنى في الطريق أن يسأل الأب ماذا يصنع ولكنه أدرك ما في رأس الأب من أفكار فلم يشأ أن يخرجه من تلك الأفكار.
دخل الشماس العجوز على"جرجس" في الحجرة مع أفكاره وتصرف الأب ذلك التصرف الغريب معه .
• ماذا هناك أيها الابن ؟ هل أصاب بطنك مكروه ؟ أم أن انفك تؤلمك ؟
• لا شيء يا سيدي . فقط ماذا اصنع يا سيدي الآن. بربك ماذا أصنع ؟ وامتلأت عيونه بالدموع.
• عليك أن تغسل وجهك وترتدي جلباباً جديد حتى تحضر عظة بطرس الرسول. هكذا قال الأب"بشاي"، وتركه وخرج.
أتجه "جرجس" بخطوات منتظمة إلى المنضدة التي تستعمل كمذبح، ومشى بيده على الغطاء وأمسك بالكتاب الموضوع عليها وأزاحه جانباً ورفع الغطاء وغمس يديه بالماء ومشى على وجهه ثم أعاد الغطاء مرة أخرى وأمسك بالكتاب بضربة واحدة. كأنه يمسك ببرغوث يمشى على جسده ويعرف مكانه تماماً. ثم مشى في اتجاه الباب رغم علمه أنه لا أحد هنا. إلا أنه أغلقه تماماً، ورفع الجلباب المتسخ ووضعه على المصطبة المصنوعة من الأسمنت والطوب والموضوع عليها حرام مصنع من وبر الأغنام، ثم أمسك بالأثواب الأربعة ومشى بيده عليهم جميعاً، ثم أمسك بالجلباب الأبيض ذو الخطوط الزرقاء وقربه من أنفه ثم رسم عليه علامة الصليب وارتداه. ثم ارتدى الطاقية التي ركنها وأفسح المجال لقدميه وأمسك بالأثواب الثلاثة وطبقها جيداً ووضعها في الصحارة، ثم أمسك بالثوب المتسخ بيده وفتح باب الحجرة ومضى في الممر الذي يساوى مائة وثلاثة وخمسين خطوة ونزل السلالم الثلاثة واتجه إلى سور الدير وأمام عين الماء وقف. كان يريد أن يشرب منها، ولكنه في لحظة واحدة غمس الثوب المتسخ في الحوض المصنوع الأسمنت وتركه في الحوض ورفع الجلباب إلى وسطه ثم أمسك بالثوب المتسخ وراح يدعكه بيده بشدة دون رحمة، ثم أمسكه بين يديه التي ظهرت عروقها وعصره أنزل الجلباب على ركبتيه النحيفتين واتجه إلى الحبال الموضوعة في ركن من حوش الدير، جوار العنبة التي يلعب تحتها الأطفال الذين ما إن رأوه حتى وقفوا. ثم أتجه أحدهم إليه وسأله عن أسمه فقال:
• "جرجس إبراهيم" .
• منين يا "جرجس" ؟ .
• من الجانب الآخر للنيل .
• هل دخلت الدير ؟ .
• إن شاء الرب .
• أنت حاطط رأسك في الأرض ليه ؟ أنت مكسوف ؟!
• أبداً أنا أعمى .
أنسحب الغلام إلى الأمام خطوتين فرفع "جرجس" رأسه وأمسك بالحبل ومشى بيده عليه حتى اصطدمت يداه بالمشبك الأول فأمسكه وخلعه من الحبل ووضعه في فمه ومشى بيده مرة أخرى فأمسك بالثاني ثم وضعه جوار الآخر في فمه وأمسك بالجلباب المغسول بين يديه وغير اتجاه وجهه بعيداً عن الأطفال. ونفضه في الهواء.
كانت الأطفال قد راحوا يتهامسون فيما بينهم، حتى علموا جميعاً أن "جرجس إبراهيم" دخل الدير بالأمس، وأنه أعمى، وأنه من الجانب الآخر للنيل، وضع "جرجس" الجلباب على الحبل بعد أن قلبه على وجهه ثم وضع المشبكين عليه . نظر إلى الأطفال وأستأذن منهم فلم يردوا عليه، فغير أتجه وجهه ومشى . وما إن تحرك خطوتين حتى أتجه إليه الولد الذي كلمه وقال له :
• هل ستشترك في مجموعة الأطفال الذين يتلون الأناشيد ؟
فأومأ برأسه دون أن يجيب عليه وهو يخطو في الحوش، مشى الطفل بجواره وقال له :
• أنا مشترك مع الشماس"بطرس" وسأقول اليوم نصف رسالة كاملة وحدي حسب كلام أبونا الشماس .. هل تسمعني ؟
• ما أسمك ؟
• أسمى "منير" وأنا أقول نصف رسالة بطرس الرسول ؟
• نعم وسوف أكون جوار الأب.
حين ذلك فتح "منير" عينيه وفمه وهو يقول :
• جوار الأب "بشاي" عند الهيكل ؟!
• نعم يا "منير" .
• أنت تكذب .. لم أر أبدا أطفالاً تقف جوار الأب "بشاي" عند الهيكل طوال المدة التي دخلت فيها الكنيسة .. هل أنت في مدرسة يا "جرجس" ؟
• لا .
• أنا في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة ... أنت تعرف رسالة بطرس دي صعبة قوى، إحنا بقالنا شهرين كل يوم تلات بقراها مع أحد الرهبان أو أبونا الشماس، وهو بيكون ماسك الصاجات .أنت عارف أنا كنت بنشد عادي. لغاية الواد "عماد" ما أبتدا يلعب وميحفظش. فجه أبونا الشماس وقال لي . أنت هتقرا الرسالة بدلاً منه .أنا بيني وبينك فرحت، بس قلت بلاش علشان "عماد" ما يزعلش. لكن الواد "عماد" قال أنا مش هدخل تاني الكنيسة دي. والأسبوع اللي فات الواد أبن الكلب قاللي . المسلمين أحسن منا، أنا أما أكبر ها روح الجامع . أنا قلت لعمى " شكري " أبوه النجار بتاع النجع، جرى وراه بالمنشار وكان هيموته. لكن أنا عرفت هو عاوز يخش الجامع ليه. علشان البت بطه بنت الجيران اللي ماشي معاها وشفته بيبوسها على السطح لكن أنا خايف أقول لأبوه لحسن يخبطه بالمنشار يموته.
خطى "جرجس"خطوات منتظمة في اتجاه السلالم فوقف " منير " ثم نادى عليه وقال له:
• متنساش يا "جرجس"أنا هأقول نص رسالة بطرس الرسول .
ثم عاد إلى أصحابه الذين أنزلوا الثوب المنشور على الحبل وأخذوا يضربون به بعضهم . أمسك " منير " الثوب فوجده قد أتسخ فشتم العيال واتجه إلى حوض ماريه وأخذ يدعكه مرة أخرى وعاد ونشره على الحبل واقسم لهم بالروح القدس أن من يمسك بها سيضربه على قفاه .
دخل "جرجس"إلى حجرة الأب الذي كان ممسكاً برسالة بطرس الرسول، قام الأب وأجلسه على الكرسي الهزاز وجلس هو على الكرسي الآخر وراح يقرأ بصوت عالي الرسالة، كان "جرجس"يستمع قليلاً وهو يفكر في تلك الكذبة التي أوقعه فيها ذلك الشيطان .وكيف سيبدو في عين " منير " وأصدقائه حين لن يجده " منير " جوار الأب"بشاي" عند الهيكل. وضع الأب"بشاي" الكتاب جواره ثم أمسك بيد "جرجس"وقال له :
• سوف أدعو فارفع يديك هكذا .
ودعي و "جرجس"يرد عليه ثم وقف وقال له :
• أسمع يا "جرجس". حين أكون أصلى لا يدخل على أحد . حين يكون يوماً كهذا فيه نذر لا يدخل على أحد .
أحمرت أذن "جرجس"وهو يستمع إلى تعليمات الأب"بشاي"، وكاد أن يغرق من الماء الذي هطل من تحت أبطيه إلى صدره وبطنه .
نظر"بشاي" إلى وجه "جرجس"الذي تغضن من تلك التعليمات فلم يشأ أن يخالف التعليمات، فوقف ورفع الجلباب الأسود ولبس الجلباب الأبيض ووضع الطاقية على رأسه وربط الحزام على وسطه. ثم لبس الخف المصنوع من جلد الماعز وأخذ نفساً عميقاً سمعه "جرجس" الذي كانت الدماء في عروقه تحترق كقصب السكر ثم قال الأب :
• هيا بنا أيها الشماس الصغير يجب أن نكون الآن عند الهيكل.
ثم أمسك بيده وقال له :
• هذه التعليمات ليست من عندي، ولكنها من عند المسيح . فلا تغضب هكذا .
ومشى بيده على الطاقية الموضوعة فوق رأسه ثم قال :
• وكي لا تغضب مرة أخرى سوف تكون جواري عند إقامة الصلاة . سوف أقدمك اليوم كابن جديد للمسيح دخل الدير .
وقف الأب أمام الهيكل وأعطى للشماس الإذن بإقامة الصلاة . أمسك الشماس بالحبل المدلى من أعلى السقف وجذبه بضربة واحدة من يديه ولم يرفعها كما فعل في الصباح. لم ينتفض "جرجس"كأول مرة ولكنه أحس أن قلبه نزل في قدميه وابتدأت الصلاة ثم وقف المنشدون الصغار يتلون أجزاء من رسالة بطرس، ثم وقف الأب"بشاي" في الإيوان ليعطى عظة بطرس. كانت العظة بسيطة ولكن روح الله والملاك المكلف بالأب"بشاي" الذين كانا يصحبان كلماته أدخلوها في قلوب السامعين، وسأل المعلم "رياض" والذي كان يبدو في جلبابه الجديد ووجهه المتورد من الخمرة كديك شركسي.
الأب"بشاي". ماذا يصنع في هذا اليوم ؟ !
هرش الأب"بشاي" في لحيته وأراد أن يقول لرياض دع الخمر ولكنه لمح في عينيه ذلك التوسل فقال :
• توبوا وليعتمد كل واحد فيكم على أسم يسوع المسيح، ليغفر لنا الخطايا ولا تنسوا أن في يوم مثل ذلك منذ ما يقرب من ألف وتسعمائة وثلاثة عشر عاماً انضم أكثر من ثلاثة آلاف نفس حين استمعوا إلى رسالة بطرس. ولتلك الرسالة هدف وحيد هو إثبات أن ربنا يسوع الناصري الذي صلبه اليهود ظلماً وقام من الأموات هو عين المحيا الذي تنبأ به داوود، وجاء من نسله حسب الجسد . فتوبوا جميعاً وأدخلوا إلى قلب يسوع الذي يسع الكون، ومن كان فيكم حكيماً أو عالماً فلير أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة وليعلم الزانية والزاني أن محبة العالم عداوة لله ، فمن أراد منكم محبة العالم فليخرج الآن . فقد صار عدواً لله .أم تظنون أن الكتاب يقول باطلاً . فنقوا أيديكم جميعاً وطهروا قلوبكم وقاوموا إبليس فيهرب منكم واقتربوا من الله يقترب إليكم.
ثم جلس على الكرسي ليستريح قليلاً فأمسك الشماس العجوز بالكوب الموضوع جوار الهيكل وصب به عصير الليمون الذي كان قد حضره قبل بدء الصلاة حتى فاض ووقعت بعض قطرات على الهيكل ومشى بيده المرتعشة يحاول المحافظة على الكوب المملوء أمام تلك العيون التي تفترسه، ولكنه لم يستطع المحافظة عليه كاملاً. ضحك "بشاي" وهو ممسك من يد الشماس الكوب ضحكة الشاكر له والممتن لتلك المحاولات الجميلة لكي يحافظ على طاراوة صوته . كان العصير مصنوعاً من الليمون المخلوط بالنعناع وبه كمية من السكر تكفى لعمل عشرة أكواب كاملة. رشف الأب رشفتين ثم وقف وأمسك بالكوب وأتجه إلى حيث يقف "جرجس"من بداية الصلاة جوار الهيكل .أندهش المصلون لتلك الفعلة من الأب ، وراح الهمس يدور بين الصفوف. فانتبه الأب لذلك فعاد إلى مكانه بعد أن كان يسقى "جرجس"العصير بيده تاركاً له الكوب حتى يكمله. ثم طرق بيده على الإيوان إيذانا بأن يبدأ المنشدون في تلاوة رسالة بطرس الرسول الثانية.
كانت يد الشماس العجوز المدربة على الإمساك بالصاجات الكبيرة هي الشيء الجديد الذي أدخل الفرح على قلب "جرجس"، ثم وقف "منير" يتلو جزءاً كبيراً من رسالة بطرس.
ثم وقف الاب وقال للحضور:يحكي أنَّ رسولاً بُعِث في قومه ،وكان من عادته ألا يأكل الطعام دون ضيفٍ،دون ونيسٍ ،مشاركٍ للحديث ،مستمعٍ له. يبحث عن مستمتعٍ ،مستلذٍ بنارٍ، تبعث دفئًا ورائحة جميلة لشاهٍ تُعَدُّ على مهلٍ، شارح كيف أنَّ العلي القدير يسير معنا أينما كان اتّجاهنا .يُعِين عثراتنا. إن العلي القدير يا ذاك ـ هكذا صرح وهو يُشير بأصابع السبابة متممًا للكلام ـ هو كل ما نحتاج إليه في تلك الحياة،وفي الحياة الأخرى. ولما كان الظهر قد مضى منذ ما يزيد عن ساعتين ولم يُشاهدْ زائرًا على الحدود .
راح يلفُّ حول المدينة. كلُّ الوجوه دُعيت قبلاً للمأدبة الإيمانية.هذا يومٌ محبطٌ . هكذا أسرَّ النبي لنفسه ،وهو يبدأ الخُطوة في الجبل، للبحث عن ضيفٍ يُؤنِس طعامه .كان كلما مَرَّ الوقت، كلما خفَّتْ حرارة الشمس ، وظهرتْ العصافير الملونة، التي كانت تتبعه أينما ذهب مذ صرّهن ، ووضع أجزاءهن على الأركان ، ومن يومها تتبعه حيثما يكون .الوقت يَمُرُّ دون ظهور شيءٍ في الآفاق. أخيرًا ياربُّ !. شكرًا لك لأنَّك لم تكسرْ بخاطري.ياربُّ بالغداة تسمع صوتي.وبالغداة أيضًا أوجّه صلاتي نحوكَ .لأنك لستَ إلهًا يُسَرُّ بالشرِّ. لا يسكنُك الشرير. لا يقف المفتخرون إمام عينكَ. وها أنتَ تُسَهّل قُدّامي طريقي، وتبعث هذا الجائع.دخل البيت هو وضيفه قبل زوال الشمس بلحظاتٍ.أمر بتجهيز الطعام ريثما يغسل الضيف يديه.دخل، ليغسل يديه، فخرَّب الماء.عند العودة تعمَّد أنْ يدخل من بابٍ آخر، فانكشفتْ نساء البيت عليه.عند وضعِ الطعام كان قد مضى على الزائر في البيت ما يقرب من الساعات الخمسِ.تدمرتْ خلالها كل أركانه.لم يتركْ أثرًا بعد عينٍ .حين عرض عليه بعض حظائره وأغنامه ،نظر نظرة الحاقد ، فخرّتْ الحملان سائغةً قبل أنْ يُدركها القدر. لقد فرَّت من البيت الفئران . حين جرى أصغر أبنائه أمام نواظره ،تَكَعْبلتْ قدمه في السجادة، فوقع على الأرض فاقدًا للحياة. لم تكنْ الدماء حاضرةً في المشهد . لكنَّ دموع نساء البيت على مَن يموت تحولتْ دماءً.كان الصغير وكل ما أملك ابن موتٍ.قضاؤك وقدرك ياربُّ.لكنني فقط تشاءمتُ منه،أَحْسَبه شوكةً زرعتها بقدمي يا لله!.أحْسَبُه حصى جَرَّشتَ به أسناني في ذلك المساء،إن لم تسمعْني يا لله!
فلمَن أُسيّب شكواي وأحزاني ؟!.
هكذا قال الرسول في نفسه وهو ينظر إلى الطعامِ الذي سَئِمتْ نفسُه إياه .قال للضيف بشكلٍ قاطعٍ : سمّ الله، ومدّ يدك وكُلْ. هل تعلمون ماذا رد الضيف،لقد رفض وجود أله من الاساس،هو ياأخواني عبد ملحد لا يعرف أله.
يا لله! لقد قال في حق أله رسولنا أقوال شنيعة .الان أسألكم جميعا ماذا يفعل رسولنا مع ذلك الضيف. ارتفعت يد أحد الرهبان فسأله الاب أن يتكلم ،فقال علي الرسول ان يطعمه.
اوقفه الاب بيده وسأله أن فعل انسان ذلك معك هل كنت تطعمه.
ـ ده كان ضربه بالجزمة يا بونا؟
هكذا صرح المقدس رياض دون ان ينتبه،وما كاد ينتهي منها حتي وجد عيون المصلين تتجه له ثم تتجه للاب الذي أرتسم علي وجه علامات الضيق فاحسا رياض بالخوف وكثيرا ما كدر نفسه من سحبة لسانه التي كثيرا ما اوقعته في الاخطاء التي يعترف بها دائما ويروح يقسم بينه وبين نفسه بالاب والعذراء إلا يفعل ذلك مرة ثانية،لكنه دائما ما يسحب من لسانه،كان يتفكر في كل ذلك والاب ينظر إليه.
ـ ليس هكذا تتحدث الناس يارياض.
طأطا رياض راسه كالدجاجات وهو يستمع إلي همهمات المصلين وابتسمتهم، لم يشا الاب ان يكمل الاسئلة ولهذا انها الحكاية قائلا إنَّ الوحيَ نزل على الرسول اليائس من رحمة ربِّه ،و قال له : إنَّ رب العزة يُقْرِؤك السلام، ويقول لك : وسعتُه في ملكي كل حياته ،وأنا أعلم به عنك . ولا تستطيع أنْ تسعه في بيتك بضع ساعاتٍ ؟!
وهكذا اتهى القداس ورفع الأب يديه وأمسك بالمبخرة ونزل إلى الممر الضيق الذي يفصل بين الدكك وراح يرمى بالبخور في المبخرة بعد كل صفين. فعبق المكان برائحة البخور التي لم تجد أي صعوبة في اختراق ذلك المرهم الذي حشي به أنف "جرجس"فانتشى للمرة الأولى بتلك الرائحة التي سوف تكون هي مخرجه في لحظات الأرق والتعب.
انتهى الأب من توزيع تلك الرائحة على رؤؤس المصلين وعاد يرتقى السلالم التي تنام عليها سجادة لم يعد لها لون من أثر الأقدام الكثيرة التي مرت عليها. وقبل أن ينصرف المصلون رفع يديه ثم نادى على "جرجس"وقال :
• هذا هو أبن وعبد يسوع الذي دخل بالأمس هذا الدير وسوف نحبه جميعاً كابن لنا يمتحنه الرب . إلهنا في عيونه. وسوف يعمد ويأخذ الأسرار حين يكمل الثلاثة والثلاثين وادعوا الرب إلهنا أن يعطني العمر حتى أكون أنا الذي أعمده وأرسمه وأناوله الأسرار في ذلك اليوم.
على مدار أربعين عاماً وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً لن ينسى "جرجس"ذلك اليوم. هو ويومين آخرين.
ذلك اليوم الذي وجد فيه نفسه أمام خمسمائة عين تنظر إليه، ذلك اليوم الذي رسم فيه كشماس أول الدير.
أستعد قداسة الأب من الصباح على غير عادته، ارتدى الجلباب الأبيض ودخل إلى حجرة "جرجس"الذي كان مسنداً إلى الحائط ويداه تنام جواره دون حراك كعادته دائماً، فتعمد الأب أن يخبط بقدميه تلك الخبطات التي يفعلها حين يرتدى القبقاب الخشبي في تمام الرابعة والنصف من عصر الأحد من كل أسبوع حين يكون في الطريق إلى الحمام الأسبوعي، فسحب "جرجس"قدمه وكان قد مضى على "جرجس"في الدير تسعة عشر سنة، أصبح فيها الصديق الوحيد لكل الرهبان، وخاصة الراهب"صموئيل"الذي حضر إلى الدير بعد دخول "جرجس"بخمسة عشر عاماً ومن يوم حضوره أصبح لا يفترق عن "جرجس"، وهو الوحيد الذي سمح له الأب"بشاي" أن يقرأ لـ"جرجس"حين يكون الأب مريضاً بذلك الربو المزمن الذي يجعله ضيق الخلق متبرماً وصامتاً. بل أن الأب"بشاي" سمح لـ "صموئيل"أن ينام مع "جرجس"الذي أصبح الشماس الوحيد لتلك الكنيسة. بعد وفاة الشماس العجوز وكان ذلك بعد دخول "جرجس"الدير بخمس عشرة سنة كان فيها قد تعلم على يد الأب بشاي كل تعاليم الرسل . واخذ من فمه في تلك الأمسيات الحارة التي تنطلق فيها الهوام والبراغيث جميع الأناجيل وحفظها عن ظهر قلب . وراح يعمل بكد في حديقة الدير حتى أصبحت بعد مضى تسع سنوات مليئة بالأشجار المختلفة للفاكهة. ولم يعد هناك أية أوراق في حوش الدير كما استطاع "جرجس"أن يحول مجرى عين الماء الخاص بـ "ماريه القبطية" لتفيض على مساحة ثلاثة فدادين جوار الدير . كان الأب قد اشتراهما في تلك الأيام ففاضت بالمحاصيل المختلفة. وأصبح "جرجس"يتلقى بعض الاعترافات من بعض المترددين على الكنيسة تحت مسئولية الأب"بشاي" و"صموئيل"ووجود احد منهم. وفى عيد التنييح الأخير لماري جرجس الذي أحبه "جرجس"كحبه للأب"بشاي" حين سمع قصته من فم الأب. وقف "جرجس" وأعطى الناس عظة عن حياة ذلك القديس الذي استطاع أن ينقذ المسيحيين بعد أن قتل منهم أكثر من ألفين حين كان كافراً. قبل أن يخرج عليه يسوع ويجلى بصره ويعيده إلى الحق. لن ينسى "جرجس"تلك اللحظة التي وقف أمامه المصلون ليردد عليهم تلك العظة التي لقيت استحسانا كبيراً من كل الحاضرين وجعلت الأب"بشاي" يطير من الفرح وهو يقوم ليأخذه في حضنه أمامهم جميعاً. حين ذلك وقف الراهب"متّى" الذي كان قد دخل الدير منذ سنة ونصف وامسك بيد الأب"بشاي" وقبلها وقال له أمام الحاضرين:
• اسمح لي يا أبى أن أعلن للناس أنني رغم قراءتي القليلة في كتاب الأب العظيم "نيرودا " أب الكنيسة الشرقية في كيفية عمل نيافة الأنبا والأساقفة في الأديرة. إلا أنى لم أجد في ذلك الكتاب أن أباً لدير مثل ذلك الدير العظيم. قد أناب أحدا أن يلقى عظة القديس العظيم وأبو الشهداء "مارى جرجس" في يوم تنييحه. كما لم يأت في كتاب أعمال الكنيسة الذي وضع عام ستمائة وثلاثة وستين على يد الأب العظيم"شنودة" الأول أن سيداً مثل الأخ "جرجس"وهو شماس صغير بعد لم يتم تبريشه. قد قام بالوعظ في وجود كل هذا الجمع وان كان الأخ "جرجس" قد أحسن فعلاً إلقاء العظة فذلك الفضل أيضاً يرجع إليك. فأنت معلمه ومحفظه تلك العظة التي كانت بعيدة تماماً عنه لأنه لا يستطيع القراءة وعيونه عاطلة عن العمل. نشكرك أن منحت ذلك الأعمى ولا يؤاخذني الأخ العزيز "جرجس"على ذلك فهي حقيقة تضاف إلى أباء عظام كالأب "صموئيل" المعترف مؤسس ذلك الدير. فقد كان أعمى أيضاً. فشكراً لك أيها الأب العظيم على منحك ذلك العطف لهذا الضرير.
حين ذلك تغير وجه الأب وقام من على الكرسي وسحب يده من يد الراهب"متّى" الذي كان يحتفظ بها أثناء الكلام. وقبض عليها ولم يشأ الأب أن يسحبها منه، ولكنه حين أنهى كلامه بتلك الجمل أحس"بشاي" أن الدماء تفور في عروقه سحب يده بعد أن وقف وقال ل "متى":
• شكراً أيها الراهب على هذا الإطراء الجميل الذي لا أستحقه ولكن يستحقه ذلك الشماس والقس الجميل "جرجس"بصير القلب والروح والذي يجب أن امرمغ رأسي في حضنه أنا البصير الأعمى يا"متّى".


القسم الثالث
ريثما أبلع ريقي...
أو تملأ فاك الضحكة

كان"متّى" الذي أمضى ما يقرب من العام والنصف داخل الدير ورأى خلالها أن جميع الرهبان يحبون ذلك الشماس الأعمى ويعطفون عليه ولكنه استغل هذا العطف في أشياء سيئة حسب تعبيره لـ"صموئيل" في ذلك اليوم الذي دس فيه كتاب تعاليم الرسل في الكتب المهملة في المكتبة وطلب من"جرجس"أن يأتي به وحين دخل "جرجس"إلى المكتبة، حكي لـ"صموئيل" عن لحظة قبول طلبه في الدير وجلوسه مع الأب"بشاي" الذي سأله عن الاسم الذي يتمنى أن يسمى به داخل الدير، وما أن صرح به حتى هرش الأب في ذقنه وكان حين ذلك يجلس على الكرسي الهزاز وجواره ذلك الأعمى وقال له :
• اختر اسما آخر أيها الابن حتى نط ذلك الـ"جرجس"وقال :
• ليكن اسمه كما أراد أيها الأب .
• فانتفض"بشاي" كالملسوع ووقف وقال لـ"جرجس":
• تعالى اجلس مكاني وامنحه مايحلو لك من الأسماء.
ولولا تدخله لكنت فزت بذلك الاسم بمجرد أن أقول له أن أمي من برية"شهيت" تلك البلدة التي ينام فيها جسد أبو الرهبان السواح نيافة الأنبا "بيشوي" جوار الأنبا بولا الطموهي وإنني وعدت أمي أن أسمى "بيشوي" ولولا ذلك ما تركتني ادخل الدير، فماذا أقول لها حين ألقاها ؟ هل تعلم يا "صموئيل" الطيب أنى الولد السادس لأمي والوحيد الذي دخل الدير كـ"بيشوى" تماماً. ولكن أمي لم تر المسيح قط. ولم تراه كأم بيشوي حين حادثها المسيح وقال لها. أعطني واحداً من أبنائك يكون لي. فأعطته أصغرهم. وهكذا ترى أن ذلك الأعمى الذي يفوز بعطفكم جميعاً وهو سبب ضياع حلم أمي الوحيد فقال له "صموئيل" :
• كان باستطاعتك أن تقول ذلك للأب يا"متّى".
• لا لم أستطع آن أرد على ذلك الرجل الذي لا تعرفه أنت وعرفته أنا من أول يوم دخلت فيه ذلك الدير. وقبل آن يقبل طلبي بأسبوعين استطاعت عيونه آن تسبر أغواري. وقبل آن يقبلني في الدير طلب منى الاعتراف أمامه. فدخلت معه تلك الحجرة الغريبة والتي يجب آن نعرى مؤخرتنا تماماً قبل آن ندخل إليها وذلك حتى ينظر فيها ذلك الأب. وطلب منى آن اعترف بكل شيء . فاعترفت بأخطاء بسيطة فما كان منه إلا آن وقف وأمر الملاك الذي يكتب الاعتراف آن ينصرف لأنني أضيع وقته. وطلب منه آن يذهب ليساعد "جرجس". ذلك الأعمى مرة أخرى في أعمال الفلاحة في حديقة الدير، فلم أجد إلا آن اعترف له بكل شيء. نعم كل شيء فهل استطيع آن أقول له يجب عليك أيها الراهب آن تمنحني اسم بيشوى لا. لا يجب ذلك يا "صموئيل". حين ذلك دخل "جرجس"بالكتاب. فامسك"متّى" به من يد "جرجس" وقال لـ"صموئيل" :
أنظر أيها القس هذا هو أعمال الرسل كما يرى ذلك الأعمى. هل هذا أعمال الرسل . أنا لا اعرف لماذا يحبك ذلك الأب الذي لا يصلح لأي شيء سوى آن يكون منادياً على عربات تويوتا من تلك التي تمر علينا في اليوم مئة مرة. يجب على هذا الأب آن ينام تحت الهيكل حتى يريحنا نحن أولاد الله. نعم يجب علينا نعطف على كل أعمى شريطة أن يقف هو تحت الظل ولا ينظر للشمس حتى لا تتساقط رموشه أيضا. كما أمرنا الرب إلهنا ومن اجل ذلك أقول لك يا "جرجس"أمام "صموئيل" الذي يحبك كأخيه بكل محبة. عليك أن تدرب الأطفال الصغار على حب المسيح، وأن تعمل بيدك في الحديقة واعلم آن الرب يريد تأديبك. فلا ترفض تأديب القدير. لأنه مع حجارة الأرض عهدك. وحمار الحقل خيمتك الآمنة، فلا تفقدها وتبحث عن خيمة أخرى( فلن يؤكل الفسيخ بلا ملح ) وأنت كما تعرف ليس لديك ملح ويدك لن تستطيع آن ترى النجوم . ولكنها تحس بلسعة الشمس فقط تحس بها ولكن لن تراها أبدا. عند ذلك دخل الأب"بشاي" فوجد "جرجس" ينتفض كالمحموم و"صموئيل" فاغراً فاه كالأبله، و"متى" يتكلم. فسأل عن ذلك الوضع فعرفه من صموئيل فخرج الصوت من فمه كالسيل وأمر "متى" آن يذهب إلى حجرة الاعتراف ثم راح يكيل" لجرجس" الاتهامات وفى النهاية قال له :
• اذهب إلى الجحيم بقلبك ذلك .



بعد آن دخل الأب" بشاي" حجرة "جرجس"وضرب بقدمه بعض الضربات قال
"لجرجس" :
• هل استطعت أن تنام جيداً أيها الشماس ؟
• ليسعد الرب روح سيدي وينير قلبه.
كلما دخلت عليك يا "جرجس"تسعدني بدعاء جديد ولكن دعاء اليوم سأظل أحتفظ به بعد آن يدخلك "صموئيل" الهيكل عند جسد " ماريه القبطية " . لأن يوم تعميدك الحقيقي هو يوم ظللت احلم به على مدار عشرين عاماً وأنا أراك تنمو كل يوم في إزهار الدين، ونظافة الحوش، وجرس الصباح الهادئ، وماء ماريه الذي فاض على الأرض، وأناشيد الأم الحنون من فم الأطفال، وطراوة صوتك حين تمنح المصلين عظة الصباح، ودموع العجائز ليوم عيد تنييح " مارى جرجس"، وقلب "صموئيل" الطيب، وإشعال الشموع في المساء، وتغسيل أكثر من عشرين عائداً إلى الله، وتوزيع الشريك بعد الزعف، وقراءة الأناجيل في المساءات الحارة، وشفتك المختومة بعد تلقى الاعتراف. كل هذا رغم آن جسدك لم ينم أكثر من سبعة عشر كيلو خلال سبع عشرة سنة. فهيا الآن فاليوم يومك أيها الابن البار للأب "يسوع" وحان لنا آن نسعدك يوماً واحداً بعد أن أسعدتنا عشرين سنة. أقول لك وفي صباح يوم تعميدك شماس أول لذلك الدير الذي أعطيته روحك وقلبك طوال ما يزيد عن العشرين عاما.افهم ياشمسنا الجميل أنك عندما تنشغل بكل المحيطين بكَ تنسى نفسَك. عندما يصير لكَ أنْ ترْعَى مشاعر الآخرين ،تنسى مشاعركَ.عندما تُساعد كل الآخرين ،تنسَى أنْ تُساعد نفسكَ في لحظة الخطر.وحين تنسى نفسك ،تفقد قوتكَ وقدرتكَ .لا تتأكدُ من طاقتك،كما لا تقيسُ المسافة بالتحديد، حتى لا تَزَلّ قدمكَ.زمن كل الأشياء يضيع،كل الأشياء ليستْ في زمنها الصحيحِ. وقف "جرجس"وبخبطة واحدة امسك بيد الأب "بشاي" وراح يقبلها، ومشى بلسانه على أصابعه يلحسها . فاستكان جسد"بشاي" ولم يعد يتحرك. وأحس بلذة لم يتذكرها إلا في اليوم الأخير لحياته التي ذادت عن ثلاثة وتسعين عاماً وذلك حين لم يحلم بذلك الحلم الذي ظل على مدار عشر سنوات.
كانت قاعة الطعام التي بنيت في الأعوام القليلة الماضية وذلك قبل موت الشماس العجوز بسنة قد أخذت زينتها والشمس قد تخللتها والرهبان الذين زاد عددهم عن عشرين يجلسون على الكراسي الموضوعة جوار المائدة المستديرة . وفى الجهة المقابلة وقف "صموئيل" لكي يلقى بصلاة التعميد التي حفظها عن ظهر قلب حين يرفع الأب "بشاي" يديه. كان "جرجس" يرتدى زياً ابيض مطرزاً بالخيوط الذهبية بالصلبان الصغيرة وعلى رأسه طاقية الشماس القديم التي أهداها له في اليوم الثاني لدخوله الدير تنام فوق الطاقية التي أصر الأب"بشاي"على آن يلبسها "جرجس".
أمسك"بشاي" بيد "جرجس"وأجلسه جواره على رأس المائدة ثم أمر الرهبان الذين وقفوا بمجرد آن رأوا وجه الأب"بشاي" دون حراك وبرانسهم مسدلة فوق وجوههم وأيديهم تحت الرداء الداخلي. رفع"بشاي" يديه فجاء صوت "صموئيل" رائقاً وحنوناً بأناشيد التبارك التي تكون قبل صلاة التعميد. كانت المائدة موضوع عليها الإفطار المكون من قطع الجبن القديم والمربى والبيض المسلوق وأرغفة البتاو وأمام "جرجس"وضع طبقاً عليه بعض الدسم. كانت عين"بشاي" تبدو مليئة حباً لما تنتجه يد "جرجس"والرهبان من كل هذه الأصناف الموضوعة بتناسق على المائدة. انتهى"صموئيل"من قراءة الأناشيد وعاد إلى المائدة ليتناول طعام الإفطار قبل آن تتم صلاة التعميد على شرف "جرجس". ويتناول ذبيحة، وبعد ذلك يأخذه الأب إلى الهيكل حتى يمنحه بعض الإسرار. امسك"بشاي" بيد "جرجس"كما هي العادة وراح يمر بها على الصحون الموضوعة أمامه.وأطال إمساك يديه حين مر على صحن "جرجس"الخاص المملوء بالدسم ثم ترك يديه. امسك "جرجس"بالمعلقة في صمت واستعمل اللغة المعهودة بينه وبين الأطباق في المحاولة الأولى بأن تكون أصابعه جوار الطعام رغم إمساكه بالمعلقة. وكان"جرجس"على مدار عشرين عاماً عاشها في الدير. قد تعلم على يد الأب"بشاي" كيفية الأكل أمام أكثر من مائة عين مبصرة. دون آن ترتعش يداه. أو يهطل الماء من فوق جبهته. فتروح حواجبه تعمل بكد وتعب في تلك الحركة التي تجعل الجالس أمامه ينسى الطعام . أزاح الأب"بشاي" المنشفة المصنوعة من الكتان إلى يد "جرجس"حين رجع بظهره إلى المقعد فأمسكتها يديه ومرت بها على شفتيه ثم أعادتها على المائدة مرة أخرى في اتجاه "صموئيل" الذي كان يجلس أمام"جرجس"من الناحية الأخرى للمائدة دون أن تصطدم بالأطباق الكثيرة، ضحك"بشاي" وهو يربت على ظهر"جرجس". حين التقيت عين"صموئيل" بعين الأب وقف وأتجه إلى المنبر. فوقف الرهبان وأمسك كل واحد منهم بطبق من فوق المائدة دون أن يحدثوا صوتاً وفى لحظات قليلة أصبحت الحجرة مهيأة لصلاة التعميد، كان"متّى" الذي حضر إلى الدير منذ ما يقرب من سنتين قد دخل إلى الحجرة وهو يرتدى زياً أبيض لم يره الأب قبل ذلك يرتديه، ففتح فمه، ثم نادى على"جرجس"وأمره بالاستعداد. فوقف "جرجس"وعدل جلبابه الموشى بخيوط الذهب الذي أحضره الأب "بشاي"من القاهرة منذ ثلاث سنوات من أجل "جرجس"وظل خلال تلك المدة في علبته ولم تعلق به أي شائبة، نظراً لآن"بشاي" كان يضع فيه أقراص قتل العته وينفضه كل ثلاث شهور.
أمسك"متّى" بقرص القربان واتجه إلى حيث يقف الأب"بشاي" فتناوله من يده وقال له:
• أتمنى من ألله أن يدخل فمك من ذلك القربان شيء حتى لا تقول مثل ما قلته في عيد تنيح الأب بيشوى، احمر وجه"متّى" وهو ينظر إل وجه "جرجس"وعيونه التي استكانت تماماً فقال"بشاي" لـ"متّى" :
• لم يقل لي شيئاً يا"متّى". أنا عالم برأسك وما فيها .
وكان"مينا" قد حضر عيد تنيح الأب بيشوى بعد دخوله الدير بسنة وشهر وعندما أقام الأب"بشاي" صلاة قربان على الذبيحة الخاصة بالأب بيشوى ووزع كل الذبيحة على الرهبان العشرين و "جرجس"و "صموئيل" وعندما هم أن يضع الجزء المتبقي من الذبيحة من يد الأب، فأغلق عينيه وفتح فمه في انتظار أن تقبض أسنانه عل شيء وعندما طال الوقت دون أن يحس بشيء داخل فمه أغلق أسنانه على فمه فلم يجد إلا الهواء. ففتح عيونه، فوجد الأب"بشاي" رافعاً يده اليمنى في الهواء بمحاذاة فمه ويديه قابضة على الهواء، فجرى من أمام الأب الذي راح يرتعش، وفى الصباح قال"متّى" لـ "صموئيل " آن الأب أكل ما تبقى من الذبيحة ورفض أن يمنحه أي شيء لرفضه من البداية أن ينيحه بأسم ذلك الراهب أبو السواح. وعندما عارضه "صموئيل" الذي كان يقف بيه وبين "جرجس"عاد "متى" يقول له أذن أكل الذبيحة ذلك الشماس دون أن يدرى .

لمن يعرف ما الذي حدث حين رفع الأب"بشاي"يديه
قل لـ "متى" لا احبك

لم يكن يعلم الأب"بشاي" آن الذي سرق من يديه الجزء الصغير المتبقي من ذبيحة الأب "بيشوى" وهب في الطريق إلى فم"متّى" هو الملاك الذي حضر خصيصاً من " برية شهيت" حيث ينام جسد الأب بيشوى ذلك الذي لم يتحلل ولم تستطيع تلك الديدان الشرهة أن تخلله، وكانت المسافة طويلة جداً عليه وهو الذي بلغ من العمر عتياً فأخذها في ثلاثين يوماً وليلة . ورغم أن الملاك في موعد التنيح المحدد لنيافة الأب كل عام يكون في أحد الكنائس حسب القرعة التي تقوم زوجته بسحبها أمام أبنائه، إلا أنه أعاد تلك القرعة في ذلك العام خمس مرات من أجل أن تسحب زوجته ورقة أحد الكنائس أو الأديرة القريبة من " برية شهيت " لأنه كان يحس بذلك الألم الذي أصابه منذ أيام الشباب حين كان يراهن أحد أصدقائه من الملائكة على رفع كرسي طبيب الأسنان إلى الدور الرابع دون أن يساعده أحد، ورغم انه قام بالمحاولة الأولى بنجاح منقطع النظير إلا أن ذلك الملاك الأخر قال إن الرهان من أجل رفع ذلك الكرسي ونزوله ثلاث مرات . فطار إليه وكاد أن يفقأ له عيناً ولكن الملائكة الذين كان الرهان في أيديهم انحازوا إلي ذلك الملاك الذي قد وعدهم بأن يترك لهم الرهان كله ويأخذ هو ذلك الفرح العظيم حتى يكسر عين ذلك الملاك( اللي طالع فيها ) ورضخ ذلك الملاك وهم على إكمال الرهان وأنزل الكرسي ثم رفعه مرة أخرى وعند ذلك أحس بألم في عاموده الفقري وكأن سيخاً محمى على نار مشتعل ثلاثة أيام قد غرز في سلسل ظهره ولكنه حين رأى ذلك البريق في عين الملاك الآخر تحامل عل نفسه وقام بالمحاولة الأخيرة وعند الدرجة الأخيرة في الدور الأخير كاد أن يسقط على وجهه ولكنه طلب العون من الأب " بيشوى " الذي حمل عنه الكرسي وأدخله. ومن يومها أخذ عل نفسه عهداً أن يحضر عيد تنيحه في كل كنائس وأديرة مصر ولكن الألم كان قد زاد في هذا العام . كما أن الريش الذي يغطى جناحه قد بدأ في السقوط إثر جرب إنجليزي أصابه ومن أجل ذلك أعاد القرعة خمس مرات ولكن زوجته التي كانت قد كتبت على كل الاوارق " دير الأنبا صموئيل المعترف" من أجل أن يبتعد عنها حتى تستريح من طلباته الكثيرة في الأعوام الأخيرة. وكأنه طفل صغير يريد دائماً بز أمه، سحبت له الورقة خمس مرات وهى تقول له يبدو أن ذلك الدير به شيئاً يخص نيافة الأنبا بيشوى ومن أجل ذلك خرجت تلك القرعة وهى تؤكد على إنه يجب عليك أن تذهب إلى ذلك الدير، فلم يجد أمامه مفراً من الذهاب، عندما جلس مع ملاك الدير بعد تلك الرحلة الطويلة عرف منه أخبار كل من في الدير وعندما سأله عن أم القس"متّى" الذي أدعى أنها من " برية "شهيت"، وأخرج قائمة الأسماء التي خرجت من تلك البرية فلم يجد اسم أم"متّى" فقال الملاك :
• هذا الراهب كاذب، أمه هذه لم نعرفها ومن اجل ذلك أقسم ذلك الملاك برأس زوجته التي يحبها أكثر بقليل من ذلك القس المدعو"متّى" أنه سوف ينتقم منه أشد الانتقام، وعندما فتح "متى" فمه في انتظار تناول الذبيحة من يد الأب "التي كانت في الطريق تماماً إلى ذلك الفم ذي الرائحة الوسخة، أمسك الملاك بتلك الذبيحة من يد الأب ورفعها عالياً ووضعها في فمه. وظل يضحك كلما تذكر شكل ذلك الـ"متّى" حين يفتح فمه ويغلق عيونه.



أتم الأب الصلاة على الذبيحة ثم قطع جزءاً كبيراً منها وأمر"متّى" أن يفتح فمه دون أن يغلق عيونه ودسها في فمه ثم راح يقطع أجزءا صغيرة ويناول الرهبان . ثم قسم الجزء المتبقي إل ثلاثة أقسام بالتساوي ووضع أولها في فم "صموئيل" ، ثم في فم "جرجس، ثم دس الجزء الثالث في فمه. حين ذلك سمع "جرجس"صوت الجرس، وكان هو المسئول عنه منذ أن أقنع الأب بتغير صوته . كاد "جرجس"آن يقع في الممر الكبير الذي يساوى تسعة وثلاثين خطوة من التفاف ذيل الجلباب الفضفاض على قصبة قدميه. حين رأى" بشاي" رياض يقف بجوار الحبل المتدلي من السقف عرف انه هو الذي ضرب الجرس بخبطات غير منتظمة.
• تأخرتم كثيراً أيها الأب. فظننت أن قداس الصباح لن يتم. فأمسكت بالحبل، ولكنه أيها الأب صعب جداً أن يأتي ذلك الجرس بأصوات مثل تلك التي يأت بها الشماس الجميل. وحق يسوع أنا مستعد أن أبيع كل الحبوب التي في المحل ولن تستطيع "تريزة" أختي أن ترهبني وذلك من أجل آن يعلمني شماسنا هذا. كيف أتى بصوت لهذا الملعون مثل الذي يأتى به !
ضحك الأب والرهبان، وانتهى الأب من صلاة الصبح ثم قال للمصلين :
• إن اليوم هو يوم الشماس "جرجس"الذي سوف يتلو عظة الصباح والمساء ويجب أن يتم تعميده أمام المصلين في المساء وعلى الحضور أن يبلغوا الذين لم يأتوا للصلاة .
وقف "جرجس"فوق المنبر وراح يعظ لناس القلائل الذين حضروا صلاة الصبح، نادى الأب على"صموئيل" وأمره أن يحضر السلم المزدوج هو والرهبان، ثم امسك بيد جرجس وقال له : اسمع ياجرجس في مكانٍ ما مُضئ تعيش أرواحنا جميعًا.مكانٌ يعرفه الواحد فينا،كل على حدةٍ .فالبعض منا روحه هائمة مع الحبيبة الغائبة، لسببٍ ما لا يعلمه إلا الله.والبعض أيضًا روحه في أبناء لم يأتوه بعد. كثيرون تَحْضُر أرواحهم في وجود الماء والطبيعة.وأكثر أرواحهم تَحْضُر، وهم يعبرون بأعمى في إشارة المرور.وآخرون يظهر المكان الخفي ،لأرواحهم وهم يضعون شخصًا ما تائهًا على بداية الطريق.البعض يرطب جرح المريض بألسنتهم .منا مَن روحه تظهر في الانتقام.ومنا مَن تتلألأ روحه ،حين يلْمَح صورة لامرأةٍ جميلة!أو رسم جميل. قليلة هي الأرواح التي تمتلك الحكمة، المهم أن تعرف أين نجدها ! وسوف تعرف الان ما أقوله لك.دخل "صموئيل" يمسك رأس السلم ومعه ستة من الرهبان يحملونه، وضعوه في الممر الضيق الذي يفصل الدكك عن بعضها ويمر فيها الواعظ وهو يمسك بالمبخرة ليمر بين الصفوف .
ركب "جرجس"ذلك السلم أكثر من مائة مرة في مدة العشرين عام الماضية ولكنه لم يخطر على باله أن الأب"بشاي" يستطيع أن يركب السلم ذا الثلاثة والخمسين درجة. ولكنه لم يفتح فمه حين قال له"بشاي":
• اطلع من هذا الجانب وسوف اصعد أنا من الجانب الأخر. فوثب السلم من جهة اليمين وانفه مازال يعمل بكد لمعرفة رائحة لذلك الذي يتسلق الجانب الأخر. حين استقر على الدرجة الأخيرة وجد يد الأب تربت عليه وهو يقول له:
• لن تنظف القبة يا "جرجس"كالعادة ولكن يجب عليك اليوم آن تمر بيدك على ذلك الرسم الذي حكيت لك عنه في اليوم الأول لدخولك الكنيسة. لذلك المبدع الأب" حزقيال" هل تتذكر يا "جرجس"أومأ "جرجس"رأسه فامسك الأب يديه وقال له:
• عليك آن تمر على الرسم وأنا أقول لك ما تحت يديك تماماً.
كانت القبة المرسوم عليها المسيح وجواره الحواريون الأثنا عشر"و"مريم العذراء"و"يوسف النجار" يمسك بيده ذلك الحمل الوديع. وضع "جرجس"يده على تلك الرسوم للمرة الأولى في حياته دون آن يكون بينه وبين الرسم تلك الممسحة المخصصة لحمل الأتربة. فأحس بالأجساد المرسومة تحت يديه كأن أعضائها سكنتها الروح وأنارها الوحي فكادت تتفجر روحه. كانت الكلمات تخرج من فم"بشاي" فتدخل قلب "جرجس"الذي راح يحدق بيديه عندما سمع صوت"بشاي" يقول أبونا المسيح. كان الرسم لرجل صارم وهادئ وعينيه تحدقان في شيء ما. وشعره ولحيته المهيبة يسقط على وجهه وعلى صدره كأنهم مياه عين "ماريه القبطية"والتاج الذي يحمله على رأسه مرصع بالأحجار الكريمة، والقميص الأرجواني يسقط من حوله في دورات رحيبة على ركبتيه موشحاً بالتطريز والتخاريم بخيوط الذهب والفضة، وكانت اليد اليمنى الثابتة على الركبتين تمسك بكتاب مختوم، واليسرى مرتفعة في إشارة مباركة كانت أم متوعدة ؟ لم يعلم "جرجس"، وكان الوجه تنيره هالة صليبية مزهرة ذات جمال خلاب. مر "جرجس"كالمنوم مغنطيسياً حول الوجه أكثر من عشرة مرات وهو يحدد تفصيل ذلك الوجه الأملس . ثم مر على وجه "يوسف النجار" زوج "مريم" الذي بدا وسيماً ولطيفاً وجواره تماماً جلس أسد كبير وجهه ينظر إلى المسيح وجسده في الاتجاه الأخر، كانت براثن الأسد قوية ورغم ذلك بدا في صورته هذه كأنه يحتضر، رغم أنه فاغر فاه. ورغم تلك الصورة المروعة إلا أنه يبدو كأنه في انتظار أوامر ذلك الجالس الذي سيحارب الأحياء والأموات، ثم مر على الحواريين الأثنا عشر وكانوا يظهرون من خلال شفافية مياه بحر من المرمر ورغم أنهم يملئون تقريباً مجال الرؤية إلا أن صوت"بشاي" قد بدأ يتلاشى، رغم أن ملامح العذراء قد سحرها ذلك الائتلاف بين محاسن دنيوية وعلامات سماوية عظيمة.
أفاق "جرجس"على حركة يد"بشاي"التي تعمل في رأسه .
• أين ذهبت يا "جرجس"، هذا الذي تحت يديك تماماً. هو أشعياً وجواره "جرجس"و "بولس"، "ماري جرجس" على الوجوه الأربعة فوجدها متشابه إلى حد بعيد، حتى أجسادهم الملتوية متشابهه وأيديهم النحيفة الطويلة مرفوعة وأصابعهم جميعاً ممتدة في اتجاه بخار فم المسيح الذي يشي بأنه قد أخرج منه شيئاً يريدون الإمساك به، لم يحس "جرجس"بحركات السلم، رغم أنه بعد ست سنوات حين صعد السلم لكي يرى لمينا أبنه تلك الرسوم عن قرب كاد أن يسقط هو وأبنه الذي كان قد أخذه من بيت خاله "رياض" بعد أن ظل خمس سنوات بعيداً عنه أثر بعض الكلمات التي سمعها من فم الأب "بشاي" حين عمد أبنه " مينا " وعندما كاد أن يسقط أمسكه الملاك من يده وأعاده إلى وضعه، وبخبطة واحدة من جناحه حرك السلم. حينما استقرت قدم " جرجس على الأرض أحس بدوار يشبه دوار البحر. رغم أنه على مدار عمره لم يركب سفينة أبداً . امسك به "صموئيل"، وخرج أحد الرهبان مسرعاً بناء على كلمات خرجت من فم الأب"بشاي" وجاء بعصير الليمون الذي ما أستقر في فم "جرجس"حتى أعاد له بعض التوازن، فراح يحرك أنفه جيداً حتى جاءته رائحة الأب الذي كان يستريح من تلك المغامرة التي تفوق سنه بعشرين عاماً على الأقل، فمشى بخطوات منتظمة رغم أن ذلك الدوار لم يكن قد ترك الرأس بعد، وأمام الأب جلس على ركبتيه ثم أمسك يد الأب بخبطة واحدة من يديه وراح يقبلها ويرمى بماء عينيه الذي صنع مع ماء ريقه ماء لزجاً، فراح يمر بفمه وأنفه على يد الأب التي تحاول المرور من يد "جرجس"الممسكة بها بضمير، وعندما خدلت يد الأب واستكانت تماماً ليدي "جرجس"الذي بدا يلحسها ليحمل عنها الماء اللزج. كان الرهبان قد حملوا السلم بمجرد أن جلس الأب على أحدى الدكك ليستريح. و"صموئيل" راكن ظهره على الجدار، و"متّى"الذي كانت عيونه لا تستقر على شيء مثل قلبه تماماً قد وقف يحدق في حركات ذلك الأعمى مع أب الدير الذي رفع يده إليه وراح يمر بها على شعر"جرجس"وأغمض عينيه وفمه الذي راح يفتح في تردد بسيط دون أن يخرج منه صوت، دس الأب يده اليسرى في جيب لباسه الأسود وأخرج المنديل ورفع رأس "جرجس"بسهولة ويسر ثم راح ينشف عرقه وسحب يده اليمنى من يد"جرجس"التي انزلقت دون مقاومة ومسحها جيداً في ثوبه وأمسك بالصليب المدلى من صدره وأحكم إغلاق يده عليه، ومشى به فوق رأس"جرجس"، ولسانه يلهج بكلمات لم يتبينها "متى"، رغم أنه قد خطى بقدميه بضع خطوات في اتجاهها وهو يرى عيون "صموئيل"المحدقة فيه، وقف الأب وأمسك بيد "جرجس"الذي زال عنه ذلك الدوار تماماً رغم انه بدا في عيون"صموئيل"البعيد عنه مقدار خمسين خطوة ضعيفاً وقدماه لا تستطيعان التحرك. تقدم "صموئيل" بخطوات منتظمة ودس رأسه في حضن "جرجس"الذي ترك يد الأب وضغط بها على ظهر "صموئيل" ثم أمسكوا أيدي بعضهم واتجهوا جميعاً إلى الممر الذي يساوى تسعة وثلاثين خطوة فدخل "متى" الحمام وأتجه "صموئيل" و الأب وبينهم "جرجس"إلى حوش الدير خرجت الكلمات من فم"بشاي" محملة بالحب وهو يشرح لـ "صموئيل" والرهبان الثلاثة لكي يرفعوا الأوراق التي كانت تملأ الحوش. رفع "جرجس"رأسه شكراً لله على منحه عطف الأب"بشاي".
• سوف نزرع اليوم شجرة جديدة لك يا "جرجس"وادعوا الله أن يشمل جذورها بالخير حتى تنمو سريعاً ككل الأشجار التي زرعتها يداك. فماذا يكون نوعها ؟
هرش " جرجس"في رأسه وارتفعت حواجبه كثيراً وهو يفكر في نوع الشجرة.
• لتكن شجرة عنب يا أبت حتى نستطيع أن نأكل منها سريعاً .
• لتكن كما قلت أيها الراهب، ولتكن جوار شجرة الأنبا "حزقيال" الذي شاهدت بقلبك عمل يديه منذ قليل. على أن يصل إليها ماء ماريه .
ثم أتجه يوجه حديثه إلى"صموئيل" وقال :
• أنت لا تعرف كيف أصبح ذلك الماء يغطى تلك الأرض الكثيرة. ببركة ذلك الشماس يا "صموئيل" .
رفع الأب"بشاي" جلبابه حتى وسطه وأمسك بالفأس الذي جاء بها سريعاً "صموئيل" وضرب الأرض ضربات جيدة أثمرت عن حفرة صغيرة أكملها "صموئيل" بخبطات أشد قسوة على الأرض، ثم غرسوا فرع العنبة الذي أخذه الأب"بشاي" من غرس الأب يوسف والد ماريه.
• اليوم أصبح لك غرس في هذا الدير ويجب عليك أن تفكر في غرس الحياة، وذلك البيت الذي ينبت لك فيه أبناً صغيراً يشاركك الغطاء القصير أيها الشماس.
ضحك "صموئيل" وقال :
• هذا ما يجب أن يصنعه "جرجس"إن شاء الرب .
رفع "جرجس"رأسه في اتجاه الأب"بشاي" في محاولة للوصول إلى ما يعنيه الأب و"صموئيل" فلم يفز إلا بيد حانية على شعره وكلمة أنتظر وسوف ترى، كانت الشمس التي تحاول المرور من بين أعواد وأوراق الأشجار الكثيفة التي طالت كثيراً في العشر سنوات الأخيرة، تشكل ظلاً كبيراً للأب"بشاي"و"صموئيل" و"جرجس". تعمد "متى" أن يمشى فوقه وخطى خطوة واحدة أخرى ليستقر على الرؤؤس الكبيرة التي تنام على الأرض، وما كاد أن يخطو خطوة أخرى ليستقر فوق صدر ظل الأب"بشاي" إلا ولمح تحرك الظل الخاص بـ "جرجس"ونظر إليه فوجد "جرجس"ينظر في اتجاهه، فوقف مكانه ولم يتحرك، وجعله ذلك الموقف يشك على مدار اثنين وعشرين عاماً أن "جرجس"مبصر بعض الشيء .
• لماذا لم تشاركنا غرس "جرجس"يا"متّى" . قال"بشاي" .
• أبداً يا أبتي ولكنى كنت أفهرس المكتبة كما طلبت منى. مبروك غرسك أيها الشماس لتفرح عن قريب بغرس آخر يحمل أسمك.
• عن قريب أيها الراهب"متّى" ولكنى أحب أن أبنى له بيتاً أولاً.
كان "جرجس"الذي تشغله فكرة مد ماسورة صغيرة من شجرة الأب حزقيال إلى غرسه الجديد يستمع إلى الحوار الدائر بين"متّى" والأب"بشاي"و"صموئيل" بروح خاوية من الحماس لذلك الغرس الذي يقيمون له ذلك الحوار. أمسك"بشاي" بيد "جرجس"وأتجه إلى القلاية المخصصة للرهبان بعد مبنى الكنيسة، وقف "صموئيل" ينظر للغرس الجديد ويدعو له و"متى" الذي كانت الشمس قد اختارت رأسه لتصب عليها حرارتها من خلال أوراق الأشجار، يفكر في ذلك الغرس ولمن سيؤول وهل سوف يأمر بانتزاعه من الأرض حين يجلس على الكرسي بعد ما يقرب من عشرين عاماً، كما خطط لذلك على مدار عام ونصف لم يذهب خلالها للنوم قبل الواحدة صباحاً وهو يضع الفكرة ويطور تلك الأفكار ويختزن المعلومات والمفاجأة الغير سارة بالمرة للذين سوف يؤرقهم أن يجلس فوق ذلك الكرسي .
• إيه أيها الراهب أين ذهبت ؟ هل تفكر في كرسي الكنيسة الأرثوذكسية ؟
أرتعش قلب"متّى" وهو يسمع تلك العبارة من فم "صموئيل" ثم ارتعش جسده كله حتي أن صموائيل امسكه ووضعه في صدره وهو يقول:
• ماذا أصابك يا"متّى" إنك تبدو كالمحموم ؟ ماذا أصابك بحق الرب ؟
• لا شيء يا "صموئيل"لا شيء على الإطلاق، ولكن قل لي لماذا جاءتكا تلك الأفكار الغريبة عن كرسي الكنيسة ؟
• كنت أضحك معك فقط .
• لا لم تكن تضحك .
• أبداً ولكن الأب"بشاي قبل حضورك قال أن"متّى" هذا سوف يصبح في يوم أب الدير.
• هل قال ذلك؟ هل تقسم على ذلك؟ هل قال إنني سوف أصبح أباً للدير؟ أنك لابد تضحك.
• لا أعرف إن كان الأب"بشاي"هو الذي يضحك أم لا ؟ ولكنى أقسم لك أنه قال ذلك .
أنسحب"متّى" في هدوء عائداً إلى قلايته التي ينام فيها هو وثلاثة من الرهبان، كانت رأسه مشوشة بالأفكار التي أصبحت تهدد حياته كلها .
كيف عرف"بشاي" بأفكاره، من أخبره عنك يا"متّى" ؟ ! أيها المسكين . أستطيع في المسيح كل شيء .


كيف تملك الاستطاعة

أستطيع في المسيح كل شيء. هذه الجملة مفتاح لشخصية القس"متّى" كيف دخلت عالمه المستهتر، في البداية كانت حياته حياة عادية جداً. أسرة فقيرة جداً ولكنها ليست معدمة له ستة إخوة غيره، أقام علاقة مع ابنة عمه لم تكتمل، كانت علاقته بجده ذلك الرجل الحكيم، أو ما يقال عنه حكيماً في أهله وناسه علاقة طيبة في بعض الأحيان، ولقد أستمر في دراسته حتى الثانوية العامة أو البكالوريا. كما كانوا يطلقون عليها قبل ذلك، ورغم حالة الفقر إلا أن إخوته الخمسة متعلمين مثله أو أقل بدرجة، عمل في مكتب للمحاماة ثم تركه وعمل في مصنع للطوب. ثم تركه أيضاً وعمل بعض الأعمال ،حتي جاءت لحظة التحول في حياته، لا شك أنه زار كنيسة دير العربان كثيراً ولا شك أن جده الذي أخذ كثيراً من صفاته كان يأمره بين الحين والحين بالذهاب إلى الكنيسة. رغم أن"متّى" لم يكن وقتها قد أقام علاقة بالكنيسة وكان هناك شبه سد من أجل فتاة أسمها " أم كلثوم " كانت مسلمة ظل ثلاث سنوات على علاقة بها وأحبها كثيراً. وكاد أن يعتنق الإسلام من أجلها، ولكن للمسيح استطاعة جيدة. كما سوف نبرهن على ذلك، ماتت أخته الصغيرة. كانت حين ذلك في الصف الأول الإعدادي. ورأى"متّى" أول مرة ذلك القس الصغير في الجنازة، ولم يلتفت إليه لكنه حين حضر في المساء كانت نقطة التحول في حياة هذا الشاب المستهتر بالعلامات والاستطاعة. وجد جده الذي يسلم على الناس جميعاً المسيحي والمسلم المعمم وهو جالس نظراً لكبر سنه ومقامه بين أهله وجيرانه يقف لذلك الشاب الذي كهؤلاء القساوسة اللذين يقفون كثيراً أمام الهيكل ويروحون يؤنبون الناس على تركهم لبيت الرب . وهؤلاء الناس الغلابة يكونون حين ذلك مطاطي الروؤس كالدجاجات. ولكنه يختلف عن هؤلاء القساوسة لأنه أصغر منهم بكثير. بل أصغر منه هو، فإنه رغم الزى الذي يمنحه وقاراً لا يتجاوز الثالثة والعشرين على الإطلاق، ثم أستمع له وكانت عيونه تلف وجوه الحاضرين وتخص وجه جده من بين تلك الوجوه بنظرة غريبة . هذا الجد الذي لا ينصت إلى أحد أكثر من ثلاث دقائق ثم يرفع يديه فينتهي المتحدث من كلامه تاركاً لذلك الجد حق توبيخه على رأيه، كيف يجلس كل هذا الوقت ووجهه نائم على كف يده والأخرى تمسك بالعصا دون أن رفع تلك العصا أو تتحرك تحت يده، أو أن يده تتخاذل على الأقل . كان في الحقيقة مبهوراً لذلك السكوت العجيب من هؤلاء المشاركين لتلك اللعبة لهذا الشاب الذي لم ينته من كل شيء. كان يبدو إنهم لو تركوا له الحبل لأستمر ثلاث ليال يقول دون آن تضيع من رأسه الأفكار. وفى تلك اللحظة جاءته تلك الفكرة سوف أكون قساً وإن لم أستطع " سوف أكون أباً على الأقل". خذوا بالكم من ذلك أكون قساً .. وإن لم أستطع أكون أباً ..
وعندما نقف أمام تلك الجملة نعرف مدى علاقة"متّى" بالكنيسة فهو لا يعرف أن القس مرتبة أقل من الأب بكثير. هذا هو المستنتج الأول من تلك الجملة، أما الثاني فإنه إذا لم يستطع وهو محور ذلك الفصل. الاستطاعة ولهؤلاء المحللين جملة جيدة تقول"حين تملك الاستطاعة تفقد المستطاع"، لم يكن صدفه أن يقول"متّى" في تلك اللحظة التي يتحدث فيها ذلك القس عن الاستطاعة وحدها عند السيد المسيح وكيف تجلى لـ"بيشوى" ذلك الأب الراهب ومنحه تلك الاستطاعة حتى حمل المسيح ذاته بكل عنفوانه، وحضور غير المتحقق. ولكن بشبيه له. أن يقول"متّى" نفس الجملة التي شرحناها منذ لحظة فارقة وتسمى هذه اللحظة هي لحظة المفارقة ليس بطرحها النقدي. ولكن بطرحها الأولى أي لحظة مفارقة لعالمه الأول ذلك العالم الذي حكي عنه"متّى" للأب"بشاي" حين أجلسه في الحجرة الغربية وراح يخبره بأشياء قليلة، ولكن عين"بشاي"أخرجته من ذلك العالم مرة آخري بكل تفاصيله إلى النور.بعد أن وضع"متّى" ذاته عليه ألف سياج ومزلاج ،وهكذا تبنى"متّى" الجملة طيلة حياته وأصبح يرى من خلالها العلامات التي ساعدته كثيراً حتى جلس على كرسي الدير .




أستطيع في المسيح كل شيء، ولكنه رغم ذلك كانت فرحته كبيرة بذلك الانتصار الأول له داخل الدير. فلقد أعترف"بشاي" بأنه سوف يكون أباً لهذا الدير. وإن كان يسخر منه فليسخر ولابد أن يندم على ذلك في يوم من الأيام، ولكن على أن أحترس من تلك العلامة الجديدة. فما أكثر العلامات التي أضعتها يا"متّى". ولكن لا تحزن ولتعرف متى ترتدي ملابسك في العتمة بعيداً عن عيون "جرجس". "جرجس" مرة أخرى إنه العلامة الوحيدة التي أحس بها إن الرب غير راض عني. أيقظته تلك العلامة من أفكاره التي ظل يغيرها كل يوم على مدار عام وتسعة أشهر،إنها علامة الأسى كما يزعم لنفسه دائماً، أو الغمامة اللامرئية التي تسكن روحه في تمام الواحدة صباحاً حين يتم رص أفكاره. يقول يجب أن أبعد ذلك الأعمى من حياتي . وليكن خروجه مشهوداً.
دخل " صموئيل على الأب"بشاي" الذي كان يعطى لـ "جرجس"تعليمات لحفل اليوم .
بدا وجه "جرجس"مفعماً وكأنه مسكون بالروح القدس وعيون الأب"بشاي" تدقق في وجهه وتحاول المرور من فتحات الرموش لتصل إلى قلب ذلك الجالس أمامه بلا حراك، دخل الملاك الوحيد الذي يحرس ذلك الدير ونظر بطرف عينيه إلى الثلاثة الجالسين ثم قال بصوته:
• يا لا المساكين أنهم لا يجرؤون على الاقتراب من قلب"جرجس"، ثم خرج دون أن يرمى عليهم ماء عينه ليغسلهم كعادته.
في الممر وجد"متّى" الذي يعرفه جيداً فوقف أمامه ثم خبطه بجناحه وذكره أن الضعفاء لن يدخلوا مملكة الحب. لأنها مملكة قاسية وصارمة والقلوب التي تدخلها تكون دائماً متعطشة للطمأنينة حتى تستطيع مواجهة الحياة .
رفع"متّى" رأسه عالياً ليرى تلك العلامة الجديدة ولكن الملاك كان قد طار مسرعاً ليبشر "تريزة" أن غداً ستسمع خبراً جميلاً، سوف تسعد به ثلاثة وعشرين عاماً، منهم ثلاثة أعوام سوف تحاول تذكر تلك اللحظات السعيدة قبل أن تسقط في الحوض القبلي بعد موت "جرجس"بثلاث سنوات، وهى تجرى لتمسك إحدى العصافير الصغيرة التي ظلت ثلاث سنوات تجري ورائها دون أن تستطيع أن تمسك بواحدة فقط . وحين همت بإمساكها في هذا اليوم كانت عيونها المشغولة بتلك العصفورة لا ترى ذلك البئر الذي أمر الأب"متّى"أب الدير بإنشائه نظراً لقلة مياه عين ماريه وموت أكثر الأشجار التي غرسها "جرجس".
وقف"متّى" مذهولاً من ذلك الشيء الذي عاق تقدمه وأوقفه في مكانه.
أستطيع في المسيح كل شيء .
خرجت العبارة من فمه معبأة بخوف ومرارة وتذكر تلك العلامة التي سقطت منه بعد ذلك لمدة عشرين عاماً، حين أمره الأب"بشاي" أن يمسك بـ"جرجس"ليخرجه من أمامه حين رفض أن يضع في الصندوق الذي سينام فيه ابنه "مينا" حتى يبعثه الله مسماراً طويلاً، وحين هم"متّى" أن يمسك بـ"جرجس"ليخرجه وقفت يداه في الهواء تماماً. كما كانت تقف يد الأب"بشاي" حين أمسك بجزء من الذبيحة بعد حضوره بشهور وأخذها "جرجس"كما زعم لـ"صموئيل"، ولم يستطع فعل شيء سوى تذكر تلك الواقعة التي مرت عليها قرابة العشرين عاماً أو يزيد، ولم يكن يعلم أن الملاك هو الذي يمسك به .
حين خرج الأب"بشاي"و"صموئيل"و"جرجس"رأوا الراهب"متّى" يخبط الهواء بيديه كأنه يصارع إلهاً لم يره، ضحك"بشاي"وهو يسأل"متّى"عن سيفه الخشب حتى يستطيع أن يفوز بهذه الحرب الضروس، كتم "جرجس"ضحكته وهو يقول :
• لا حرب هناك . ولكن الهوام كثيرة اليوم يا أبت .
• لا شيء يا أبتي ولكن الهوام كما قال شماسنا الجميل الذي لابد أن الهوام تحتفل به اليوم مثلنا. بل إني أزعم أن الزرازير يجب أن تحتفل به أيضاً لأنه أستطاع بدهائه وفكره أن يخفى عناقيد العنب عنها أيضاً. وضحك " صموئيل حين قال ذلك.
• هيا يا"متّى" فاليوم علينا أن نأخذ أعمال "جرجس"كما أمر الأب وهى كثيرة كما تعلم.
أمسك "صموئيل" بيد"متّى" وهو يقول له :
• لا أعرف من أين نبدأ ولكن علينا أن ننهى كل أعماله قبل صلاة العصر كما قال الأب"بشاي" .
أمسك " بشاي بيد "جرجس" وهو يداعبه ويقول له :
• يجب أن تريني الطريق أيها القس. فإن عيوني تؤلمني كما أن قدمي كليلة اليوم، ذهبوا إلى قلاية الأب"بشاي"، جلس الأب"بشاي"على السرير، وأمر"جرجس"أن يجلس جواره ثم قال له :
• يجب عليك اليوم أن تفكر في تكوين أسرة،ولتعلم أنه يجب عليك أن تكون لك أسرة صغيرة . فلا داعي للتردد .
أبتسم "جرجس"الذي لم يكن يفكر في تكوين أسرة على مر الأعوام الماضية . رغم أنه قد قابل أكثر من امرأة عرف من نبرات صوتها أنها لن ترفض طلبه.
ولكن قلبه المليء بمحبة لم يكن في حاجة إلى امرأة تؤنس لياليه الطويلة وأحلامه الصغيرة. لم تكن بها أبداً امرأة .
• إيه يا "جرجس".. إيه رأيك في اللي أنا قلته ؟
• كما تريد يا أبت .
خرجت الكلمات من فمه دون إرادته ولكنه حين فكر في تلك الكلمات التي خرجت من فمه في المساء ضحك كثيراً من نفسه التي لم تفكر في امرأة أو تدعى أنها لم تفكر، ومع ذلك خرجت تلك الجملة سريعاً .
• على خيرة الله . غداً إن شاء المسيح نبدأ بناء بيت لك جوار الدير وليكن في أرض الابن الصالح "رياض" والتي تبرع بها للدير، بعد أن استقام وتزوج . يرحم يسوع أباه الذي مات من الخمرة. وذلك حتى تكون بالقرب منا حتى تستمع إلى صوتي حين يمسك الشيطان بقدمي .رغم أنني لا أظن أن صوتي يمكن أن يسمعه خارج القلاية. ولكنك أنت يا "جرجس"سوف تسمعه بقلبك وسوف نشيد لك بيتاً جميلاً .
حين وجد أن رأس "جرجس" تنام على صدره دون أن يرد عليه، قال له :
• أليس كذلك أيها الشماس . سوف تسمعني وتأتى بالصليب الخشبي الكبير المعلق على أسوار الدير وتخبط خبطة واحدة، يتحول ذلك الذي يمسك بقدمي إلى أتان يعينك في حمل أوحال كثيرة يتركها المعترفون في الحجرة الغربية. ضحك "جرجس"وهو يقول :
• كما تريد يا أبت .
فقال " بشاي :
• دعني الآن وأخرج إلى حجرتك، وأتل الأناجيل كلها. ذلك لازم يا "جرجس".
• أمر أبينا .
ثم خرج وهو يفكر فيما عرضه الأب عليه. لم يستمع إلى كلام الأب ولكنه عاد فأكد له أنه سيفعل ما يريده، ولن ينسى "جرجس"هذا اليوم أبداً .
ففي المساء حين أقيمت صلاة التعميد وأصبح شماسنا في الطريق ليصبح قساً؛ همست له "تريزة" أخت "رياض" والتي يعرفها منذ أكثر من عشر سنوات، وكان يحس أنها تميل إليه كثيراً وتحب أن تساعده بجملة واحدة . تلك الجملة التي لم ينسها أبداً حتى بعد موت أبنه "مينا" بتسعة وعشرين يوماً، وهو اليوم الأخير له في هذه الحياة؛ قبل أن ينزل إلى جوار ماريه ويرى وجه أبيه الذي مر بيديه عليه عشرات المرات في قبة الكنيسة ويقول له نفس الجملة التي قالتها له "تريزة" . " كم أنت جميل اليوم" .
وكان الأب"بشاي" قد أخبره أن جمال الجسد فان وزائل وأنه لا يستحق أي اعتبار ورغم أنه قد قضى عشرين عاماً في الدير ولم يسمع أبداً حكماً على جماله. إلا أن تلك الجملة كانت لها أعزب وقع في مسمعه وقلبه وتأثير لم يوصف على مر عمره، وكاد أن يغمى عليه . ورغم ذلك لم يشعر بأدنى خطيئة ولم يعترف بها في يوم من الأيام، كل ما أحس به أنها كانت لحظة خيالية مليئة بالانفعالات وتناسب تماماً روعة لحظته الآنية وكأنها علامة من تلك العلامات التي يمنحها يسوع له في لحظات سموه فوق الحياة حين يكون قد فارق ذاته التي يتحدث عنها القديسون. وأحس بلذة هؤلاء القديسين حين يستطيعون فهم حالة تلك الصبية الجميلة الموجودة في نشيد الأناشيد والتي تبدو في ثوبها المفتوح من فوق صدرها ويظهر من خلاله نصف ثديها .صبية ليست عذراء وتمارس الرزيلة ورغم ذلك يعاملها "سليمان" الرسول وكأنها ابنة الرب وكذلك القديسون ويغضون النظر عن ثدييها الجميلين ولا يقولون مثلاً ..
" جميل حقاً ذلك النهد الذي برز قليلاً وممتلئ قليلاً ولكنه لا يتماوج بدعارة. ولكنهم يقولون .. كم أنت جميلة. شعرك كقطيع ماعز نازل من جبال جلعاد، وشفتاك كوشاح من القرمز وخداك كنصف رمانة، وعنقك كبرج دوار عليه ألف مجن"، ثم يغضون الطرف عن ثدييها تماماً وكم مرة ناقش الأب"بشاي" حين كان يسمع منه نشيد الإنشاد في تلك الأشياء التي تعوق حواسه وتجعله يشت عن الإيمان، وكثيراً ما قال له"بشاي" :
• غدا إن شاء الرب يمنحك من يمكنك من فهم هذا، ويخرس ذلك الجربوع الذي يتحرك كثيراً ليوقع في قلبك الشك .
كانت لساعة قد تجاوزت الخامسة مساء يوم رسم الشماس حين دخل الأب"بشاي"على"جرجس"الذي بدأ في ارتداء الجلباب الأبيض ذي الصلبان الصغيرة المصنوعة من أسلاك الذهب مرة أخرى، ومع ذلك كان يفكر في حالة مفارقة الذات التي في أخبار القديسين .
• ما لك أيها الشماس، أرى بعض نقاط العرق على وجهك فيم كنت تفكر ؟
• لا شيء يا أبت .
• أنت خائف أن تقول إنك كنت تفكر في مشروع الزواج وكلام القديسين .
لم ينتفض كعادته حين يسمع من فم"بشاي"ما يجول بعقله. ولكنه أبتسم ابتسامة الشاكر والمحب .
أمسك بيده وخرج .
• كان من المفروض أن أعطيك هذه الأشياء بعد صلاة التعميد التي سوف ترسم فيها ولكن لا بأس، ثم فتح حجرة الاعتراف ودخلوا، جلس على الكرسي و"جرجس"أمامه ثم قال له:
• أسمع بقلبك لهذا الدير أسرار، وأول أسرار الدير هو سر الرهبنة، والرهبنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، وهى التوحد كحالتي أنا تماماً .. لي قلاية خاصة لا يشاركني فيها أحد، ثم الشركة وينام كل ثلاثة رهبان في قلاية واحدة، وينقسمون في العمل إلى فرق حسب الأعمال المختلفة، ثم الفردية المترابطة والتي تم إنشاؤها في الشرق على يد القديس" شنودة " وهى تجمع بين النمط الأول والثاني، ومبادئ الرهبنة الثلاثة هي الفقر والرهبنة والعفة. وليس الرهبنة مذهباً صوفياً يعتقد به الراهب أنه يرضى الله أو مذهباً نفسياً يهدف منه إلى اكتشاف قوى نفسانية كامنة في الطبيعة البشرية،إنه عمل الروح القدس. ثم سر الشركة والاتحاد بالرب وهذا هو قمة سر أسرار الرهبنة. فلا تحسب أن الشيطان يخرج من أجل بقرك لبطنك بيديك وخروج الدماء منها، ولكن من أجل صلاة القديسين التي تحرقه تماماً رغم أنهم غائبون عن الحياة، ولتعرف يا"جرجس"أنك إذا أرضيت الرب إلهك وأغضبت الناس. فأنت إذاً أرضيت الحق، وأنت "جرجس"وإن فعلت الشر في عين الرب من أجل الناس فقد أضعت الحق وأنت أيضاً "جرجس". ولن يتغير على الناس شيء كما لم يتغير على الرب شيء. أنت الوحيد الذي تفوز إن أرضيت الرب وأنت الذي تحرق إن أرضيت الناس فأختر لنفسك ما تريد وأعلم يا بني أن للخنزير صغيرات منهم العمياء ومنهم العرجاء، فلا تبصق في عين العرجاء وتمشى بصليبك على قدم العمياء. فقط أبصق في عين الخائبة ومر بالصليب على القدم العاطلة عن الحركة ذلك لازم أيها الشماس؛ ولا تدع موسى أن يفسر لك أية أيه قبل أن تسمع صوته في قلبك. لحظتها فقط . ادع موسى وسوف يأتي إليك، ولتعلم أن كل الناس الذين في المدينة سوف يذهبون إلى ملكوت السموات لأعمالهم الصالحة أما أنت فسترث العقوبة الأبدية لخطياك إذا لم تقل حينها، يا ربى يسوع المسيح ارحمني يا ربى يسوع المسيح أعني يا ربى يسوع المسيح أنا أسبحك فأغفر لي . فإذا لم يزهد الإنسان في كل أمور العالم حتى عمل يديه فلن يستطيع أن يكون راهباً، فلقد أمسك الشيطان بمنجل ليقطع للقديس "مقاريوس" خوصه الذي يحمله على ظهره ولكنه لم يستطع . هل تعلم لماذا لم يستطع الشيطان قطع خوص " مقاريوس " بمنجله.؟ مع أن ذلك القديس يصنع ما يصنعه الشيطان تماماً فهو يصوم عن الأكل تماماً كما يصنع الشيطان ويسهر أيضاً، ولكن ذلك القديس يغلب الشيطان دائماً شيء واحد . هل تعرف ما هو يا "جرجس"؟ أنه تواضعه ومن أجل ذلك التواضع لم يقدر ذلك الأجرب على هذا القديس، بل أن ذلك الجربوع حين أحس بعجزه تماماً أمام ذلك القديس أمسك بالسكينة ووقف له ليقطع له رجله ولكنه لم يقدر على قطع رجله، وبكى له وقال كل شيء تملكه أملكه أنا ولكنك بالتواضع فقط تتفوق على، وبه وحده تغلبني، فليكن التواضع هو كل ما تملك يا "جرجس"لتعرف أن البستان الوحيد يسقى من ينبوع واحد. ومع ذلك تنمو فيه أثمار مختلفاً مذاقها وألوانها، كذلك الرهبان فأنهم يشربون من عين واحدة وروح واحدة ساكنة فيهم، لكن ثمارها مختلفة فكل واحد فيهم ثمرة مختلفة. وذلك على قدر الفيض المعطى لكل واحد من الله، ولتنظر إلى "صموئيل" و"متّى" وأنت تعرف أن المكان واحد ومع ذلك أنت تعرف ما أقصده يا "جرجس". ولتقف بعيداً عن النساء ولتعرف موقع قدميك قبل أن تقع فريسة لهن . فلن أنسى مطلقاً ذلك اليوم الذي كنت أدعو فيه ووقفت امرأة لتنظر إلى. فقلت لها أكسري عنيك أيتها المرأة ، أتدرى ماذا قالت تلك التي أعطاها الشيطان حكمة داود .
• ماذا قالت أيها الأب ؟
• قالت أستح أنت منى أيها الأب فكيف علمت أنى أنظر إليك ؟!
فأشرت لها بعيني التي كنت أضعها حين ذلك في الأرض، ثم رفعت عينها هي على فرفعت عيوني فقالت :
• أنا أعمل الواجب وأنت تعمل غير الواجب .
• فقلت لها فسيرى يا امرأة اتدرى يا "جرجس"أن سليمان نفسه لا يعرف كيف أدخل الشيطان في حنك تلك المرأة كل هذه الحكمة . أقسم لك أن سليمان يجهل ذلك .
• كيف فسرتها أيها الأب ؟!
• قالت أنا أعمل الواجب لأني خلقت منك فأنظر إليك . أما أنت الذي خلقت من الأرض فلا تعمل الواجب وتنظر إلى . فلم أستطع أن أرد عليها. ومن يومها لا أتحدث مع امرأة أمام جمع من الناس، فاحذر ذلك يا"جرجس"ولتعلم أن هناك غنياً يحبنا ولكننا لا نبادله الحب، وفقيراً يكرهنا و نحبه نحن .!
• هل تكلمني كما كلمتك تلك السيدة أيها الأب ؟
• لم أقصد ذلك يا "جرجس"ولكن هذا الغني هو الرب، وهو يحبنا ونحن لا نريد أن نسمع له، وذلك الفقير هو الشيطان وهو عدونا ورغم ذلك نحب أموره الضارة. فأبعد عنه يا بني ، فأنه يسر بسقوط الذين يغلبهم، ولتعرف أن الشيطان يمتلك أوعية الاحتيال على المسيحيين وفى كل وعاء خدعه جديدة فبريشة الشهوات يكحل عين من يطيعه ويجلب النعاس والنوم لمن أراد السهر في الصلوات والتسابيح، وفى كل جزء من جسده تنام خدعة لهؤلاء ، فعلى مسامعه ريشة العصيان، وعلى أنفه ريشة اللذة للشباب، وعلى فمه ريشة النساك الذي يحن إلى الطعام، والتي على صدره فهي مخازن أفكاره القذرة، أما التي عند بطنه فمن شأنها أنها تتوق إلى فعل سائر أنواع وضروب الزنا والعشق واللذات القبيحة، والتي على يديه هي للقتل وضرب الجسد ، والمعلقة وراء ظهره فهي مملوءة بأنواع المحن،والمعلقة على قدميه فهي العثرات التي يريد بها المستقيمون والمنطلقون إلى طريق الحق. فاحم قدميك من الذلة يا "جرجس"وأبدأ عامك الجديد الذي سوف يكون عام خير عليك وعلى الدير بإذن ربنا يسوع.
ثم وضع"بشاي" يده على رأس "جرجس"وابتدأ دعاء بلغة لم يفهمها "جرجس"على الإطلاق رغم أنه سمعها كثيراً من فم الأب، ثم أمسكه بيديه وخرجوا من الباب الخلفي للكنيسة الذي يتجه إلى القلاية الخاصة بالرهبان ودخل إلى القلاية الأولى الخاصة بنيافة الأب"بشاي" أب الدير والتي لم يدخلها راهب من يوم دخلها الأب خلفاً لأب الدير السابق ودخلها "جرجس"خمس مرات قبل ذلك، ورغم أن الرهبان قد أدخلوا الكرسي، إلا أنهم لم يرفعوا عيونهم في محتوياتها .
أدخله الأب وأجلسه كما في المرات السابقة على طرف السرير المصنوع من جريد النخل وغير المبطن غير بملاءة تنام عليها عصافير زرقاء وحرام صوفي .
راح "جرجس"يعمل بأنفه حتى يستطيع أن يرى شيئاً. فتح الأب دولاباً أو هكذا هيئ لـ"جرجس"وأخرج زجاجة رجها مرات كثيرة حتى أن أنف "جرجس"قد شمت محتواها قبل أن تفتح ويضع الأب قطرات قليلة على راحة يده اليسرى، ثم يغلقها بإحكام ويضعها جانباً ويمسك بالصليب الخشبي المتوسط والذي كان معلقاً على حائط القلاية جوار الكوة الصغيرة التي تأتى بالشمس الغائبة عن عين "جرجس"منذ مولده، ثم نفخ في ذلك العطر الموضوع على حافة راحته اليسرى وأمر "جرجس"أن يقف وقال له :
• تقدم خطوتين وأنزل على ركبتيك.
نظر "جرجس"لـ"بشاي" ففهم"بشاي" ما يدور في رأسه وقال له أرفع الجلباب إلى ما فوق ركبتك . وأنزل ففعل ما أمر به"بشاي" ونكس رأسه كعادته إلى الأرض، فأمره أن يرفع رأسه قليلاً ريثما يطلق تلك الفراشات النائمة في زيت"النيرون" فامتلأ حنك "جرجس"بضحكة أو شبه ابتسامة لم يراها الأب"بشاي"، ولكن الملاك الحارس للدير والذي كان موجود في تلك اللحظة شاهد تلك الابتسامة العزبة وظل قرابة عشرين عاماً يتمنا أن يراها مرة أخرى وفشل في أن يلتقط مثلها منه واخيرا فكر بالاستعان بملاك أخر كان في طريقه إلى بلدة جوار الدير ليساعد بنتاً بكراً جاءها المخاض أو سوف يجيئها وهى تحمل صرة الأكل إلى زوجها في الجبل، فطلب منه أن يمر عليه حين يعود من تلك المهمة.
ولما عاد ذلك الملاك، حكي له ملاك الدير عن عذابه الأبدي داخل ذلك المكان من عدم وجود تلك الضحكة التي أنارت طريقه على مدار عشرين عاماً .وبكى لصديقه الملاك الذي كاد أن يبكى لبكائه لولا أنه فكر للحظة في موقفه حين يعود وهو الذي لم يبك حين ماتت تلك البنت الجميلة التي جاء من أجلها . وعانى تلك المسافة الطويلة ليساعدهاوتحمل كل ما حدث في هذا الطريق الوعر المليء بالشياطين الذين كانوا يقذفونه بأوراق كثيرة مليئة باعترافات لأناس ارتكبوا معاصي كثيرة ولما يأسوا من عدم التفاته إلى تلك الأوراق التي كانت تلطخ ثوبه الذي كان أبيض قبل تلك الرحلة التي قال عنها حين عاد إلى بيته وسأله ملاك ضرير. كان قد فقأ عينيه تماماً حين ذهب ذات يوم ينقذ طفلة صغيرة سوف تمر على بطنها عربة كارو، ولكن إبليس ضحك عليه وقال له دع أمر الطفلة لي وأذهب إلى الشارع الجانبي للحارة القادمة وأنقذ أماً كبيرة يحاول أبنها قتلها ليفوز بالشقة ويتزوج من ابنة الجيران السيئة السمعة، وأقسم له أنه لم يكن يعلم أن تلك البنت ابنة الجيران بذلك السوء وأن أم ذلك الولد غلبانة هكذا، فجرى الملاك الذي قال عن نفسه بعدها للملائكة اللذين أتوا لكي يواسوه في مصيبته أنه لم يكن يعلم أنه أهطل وعبيط بهذا القدر. ولما لم يجد تلك المرأة وابنها عاد طائراً فوجد العربة قد داست على بطن البنت تماماً وأخرجت الدماء من بين شفتيها القرمزيتين. لقد قال الملاك لذلك الضرير لقد كانت رحلة قذرة لم استطيع أن أنقذ البنت كما أن ثوبي لن يعود إلى حالته لو أتيت بكل المساحيق العديدة التي تزيل كل الأوساخ. وإذا استطاعت تلك المساحيق إزالة الأوساخ العالقة بالثوب مثلاً. كيف أنسى تلك الألسنة التي خرجت من أفواه الشياطين لإغاظته حين لم يلتفت إلى الأوحال المرمية عليه. ثم بكى لصديقه الضرير وقال له كم هي رحلة قذرة أيها الأعمى .
ولما يئس من إسكات دموعه التي كانت تنبت زهوراً صغيرة حين تنزل على الأرض أستأذن منه وقبل أن يغلق الباب خلفه قال له الملاك الضرير:
• هكذا إذن سوف يكون هناك ضرير آخر في مملكة العميان .
فنط الملاك على الأرض وحاول أن يمسك بشيء ليقذفه في رأس ذلك الضرير الذي لا يستحى من ألامه ولكنه عدل عن الفكرة وضحك وقال له :
• عد إلى وسوف أحكى لك عن الشيء المفرح الوحيد لتلك الرحلة.
فقال له الملاك الضرير :
• أنت قذر يا صديقي . تبكى كثيراً. ثم ترفض أن تجعلني أنام مستريحاً ليوم واحد . كم أنت قاس أيها الصديق الغير طيب على الإطلاق. ولتعلم أنني ظللت أسكن جوارك خمسة وتسعين عاماً . ولم اكتشفت أنني مغشوش فيك إلا الآن !فقط أيها الصديق المزعوم ، إنني أرى أن هؤلاء الشياطين كانوا يعملون الحق معك وأنهم جد رحيمين. لأنهم لو أنصفوك للطخوا لك وجهك ونتفوا شعر ذقنك .
اغتاظ الملاك كثيراً فأغمض عيونه، فرأى تلك الألسنة الطويلة لهؤلاء الملاعين ففتح عيونه وقال :
• لا تغضب منى أيها الأعمى وأجلس حتى أصنع لك كوباً من القهوة بالحليب حتى تهدى أعصابك ، ثم تركه ودخل وعاد سريعاً بكوب القهوة وجلس جواره وأمسك الكوب في يديه. فمشى الملاك الأعمى بيديه على حافة الكوب ليعرف مقدار ما في الكوب. فسقط إصبعه السبابة في الكوب الساخن. فلم يستطع تحمل الألم الناتج عن الحرارة على أصابعه فرمى بالكوب فسقط على جلباب الملاك الملطخ بالأوحال فلم يزد شيئاً فيه. ولكن الملاك أحس بالحرارة على أفخاذه الممتلئة وأراد أن يمسك ذلك الضرير من رقيته ويكيل له الضرب . وحين هم أن يفعل ذلك خرج صوت الضرير وقال له :
• لا تؤاخذني فإني ضر ير .
فجلس يندب حظه العاثر الذي أوقع ثيابه التي كان يتمخطر بها أمام أقرانه من الملائكة الأخرى. الأقل مرتبة أصحاب الأردية المختلفة ألوانها بين يد هؤلاء الشياطين وذلك الأعمى القذر. ثم راح يحكى له عن صديقه الجديد ملاك دير الأنبا "صموئيل" المعترف في أسيوط وكيف أنه أستطاع أن يساعده في منحه ضحكة سوف تجعله يعيش على الأقل عشرين عاماً أو يزيد هانئ البال، ثم قص عليه بعد ذلك حكاية هذا الملاك الجميل والذي عاش عشرين عاماً على شبه ضحكة منحها له شماس الدير يوم رسمه. وانه استطاع بالصدفة البحتة أن يمنحه تلك الضحكة مرة أخرى من امرأة كانت تعترف لأب أسمه"صموئيل" فنظر في عيونها حين ذاك فوجد نظرة مليئة بالحب، فطلبت كتاب هذه المرأة فوجدت أنها حبيبة ذلك الأب. الذي كان سوف يتقلد كرسي الدير لولا تلك الضحكة. أزحت الستارة قليلاً ولكن ذلك الأب كان أباً جميلا ً بجد. فلم ينظر من تلك الكوة التي صنعتها له. فلم أجد إلا أن أعود إلى فونتات الصوت القديمة لتلك السيدة. وحين ذلك طيرت فراشات صغيرة كنت رأيتها في كتاب تلك السيدة منذ عشرين عاماً بدير حين كانت تقابل ذلك الأب ـ على فكرة هما يسكنان جوارنا هنا في حدائق القبة ـ كانت تلك الفراشات التي طيرتها والتي كانت تطيرها تلك السيدة لذلك الراهب كما قلت لك. هي الخيط الأول لظهور تلك الابتسامة التي منحها ذلك الراهب وتلك السيدة حين وقف وأزاح الستارة بيده وهو لا يعلم أنه بضربة واحدة من جناحي كنت أنا قد أزحت الستارة. ولو كان في حالته العادية لركع لتلك المعجزة. ولكنه كان في تلك اللحظة التي يقول عنها " كونديرا " ذلك الكاتب الكافر" فوق الحياة قليلاً " فلم يلتفت إلى تلك العلامة ووضع رأس السيدة في حضنه ثم أمسك تلك الرأس بيديه وقربها إلى عينيه وحين ذلك أمسكت بتلك الابتسامة أو الضحكة أو سمها ما شئت بيدي، ولم أرخها حتى أمسك بها الملاك الذي كان مشغولاً بمحاربة الشيطان الذي كان يتخفى تحت تنوره تلك السيدة، ثم منحتها إياه وتركته يضحك، رغم أن الشيطان ذلك القذر كان يمسك بالقرطاس الذي خطفه من يد الملاك الذي يدون كل شيء.
وحين وضع "صموئيل" تلك السيدة التي نسيت أسمها في حضنه لم يستطع ذلك الملاك أن يدون شيئاً . فخطفه ذلك الجربوع وأراد أن يدفسه في عين الملاك الذي كان يضحك رغم ارتكاب معصية فلم يجد ذلك القذر أمامه إلا أنا. فرماني بذلك القرطاس. وهو الذي صنع تلك النقطة البيضاء التي تراها في ثوبي المتسخ.
أسف أيها الصديق فلقد نسيت أنك أعمى تماماً فلا تؤاخذني في ذلة لساني ولتغفر لي ولن أصدق أنك غفرت لي إلا إذا ساعدتني في إزالة تلك الأوساخ العالقة بالثوب. ولكن ما يؤرقني أيها الصديق الطيب أنني حين كنت في الطريق وجدت في جيب ذلك الجلباب المتسخ رسالتين بعث بهما "صموئيل" هذا إلى أب الدير وولد أسمه"مينا ". وقف الملاك وأستأذن في الخروج فقال له لا تنسى.عليك أن تشترى كل المساحيق التي يعلنون عنها في التليفزيون، فضحك الملاك الأعمى الذي لم يضحك منذ سنوات طويلة وفى الصباح حين دخل عليه صديقه الطيب وفى يده صينية الطعام وجلبابه المتسخ وجده قد فارق الحياة وعلى فمه ابتسامة تشبه تلك الابتسامة التي أمسك بها حين أمسك الأب "صموئيل" برأس السيدة وقربها من عيونه. فأقام له عزاء ظل لمدة ثلاثة أيام .
وحتى الآن يضرب بذلك العزاء المثل بين الملائكة ذوى الأثواب البيضاء والصفراء والخضراء.
رفع "جرجس"رأسه كما أمره الأب"بشاي" الذي كان مشغولاً بالنظر إلى ذلك الزيت في كف يده، ولم ير تلك الابتسامة التي أمسك بها الملاك وفر بجناحيه سريعاً. مشى"بشاي" بيده على جبين "جرجس"راسماً علامة الصليب، ثم مشى بالصليب الخشبي على رأسه وهو يتلو صلاة. كما تأكد لـ"جرجس"فيما بعد حين عاد إلى القلاية بعد ذلك اليوم بسنتين. وكان حين ذلك يحمل ابنه "مينا " لكي يعمد وألقى الأب صلاة التعميد ثم قال لـ "جرجس":
• أمسك هذا الصليب يا "جرجس".
وأشار إلى يده الخالية من الصليب. فلم يتبع حركات الهواء البسيطة التي أحدثتها يده حين كانت تموه عليه واستكان للحظة. ثم مد يديه وأمسك بالصليب الذي كان الأب قد وضعه على السرير وترك يديه فارغة تشير في الاتجاه الآخر. فنزل الأب"بشاي" على قدميه دون أن يرفع جلبابه إلى ما فوق الركبة كما أمر "جرجس"في المرة الفائتة ووضع "جرجس"في حضنه وهو يقول :
• كنت أعلم أنك قادر، كنت أعلم .. كنت أعلم ذلك جيداً يا "جرجس".
ثم وقف كان يريد أن يسأل "جرجس"كيف عرف الصليب ؟، وكان "جرجس"يريد أن يسأله لماذا فعل معه هذا؟ ورغم ذلك لم يبدأ واحد فيهما السؤال وظل حبيس قلبيهما هو وسؤالان آخران لكنهما لم تورقا الأب"بشاي" كالأسئلة الأربعة الأخرى التي سأل فيهم الملاك الحارس ولم يتلق إجابة .
• هذا زيت"نيرون" يا "جرجس"تلك الزجاجة موضوعة منذ ما يقرب من القرنين وهى مخصصة لإباء الكنيسة والدير فقط ولا أدرى لماذا منحتك ذلك النيرون، ولكنى جد سعيد من أجل تلك المخالفة،التي لو علمها نيافة البطريرك الأنبا " شنودة " لزحزح الكرسي الذي لا أحبه كثيراً من تحتي، ولأعطاه لـ"متّى" المسكين الذي يبحث عن مسامير لذلك الكرسي الذي يتمناه وسوف يفوز به قبل موتى بست سنوات .
• لماذا تعطى لحاملين الصندوق مسماراً آخر كي يدقوه بحقدهم .؟ !
• لا تخف أيها الابن فالدعائم كثيرة ويكفى لي انت و"صموئيل" داخل هذا الدير حتى يكون قوياً .
أبتسم "جرجس". رغم أن قلبه ظل يعمل بكد من أجل موت ذلك المسمار الذي لو عرفه القس"متّى" لزحف على بطنه خمسين كيلو متر من أجل إبلاغه للباب العالي والمجلس الملي.
• هيا بنا أيها الشماس العظيم .
خرجوا من باب قلاية الأب"بشاي" والتي لم يدخلها غير "جرجس"و "صموئيل" الأول والشماس القديم و"صموئيل" الثاني ً. أما متى فقد دخلها خلال وجوده بالدير ثلاث مرات على سنوات متفرقة .
ثاني مرة حين جاءت رسالة "صموئيل" وكان يخبر فيها ذلك الأب القديم للدير أنه تزوج "ماجدة" وأنجب"بشاي" وأصبح عند الحكومة "صموئيل" .
ولحظتها نظر إلى القلاية جيداً عكس المرة الأولى ثم همس لنفسه عند خروجه بصوت سمعه "إبراهيم" الشماس الجديد الذي كان ينتظره عند باب القلاية من الخارج .
• كم هي فقيرة تلك القلاية .
حين خطى الأب خطوتين أمسك "جرجس"بيده ليوقفه ، ثم نزل بركبته أمامه ونفض رداءه الذي كان عالقاً به تراب من أثر جلوسه على ركبته، ولم ينتبه لذلك وعندما رأى الأب"بشاي" أن التراب العالق بالجلباب قد فر تحت خبطات يد "جرجس"نظر باتجاه الشمس التي كانت توارت قليلاً مخلفة خلفها أشكالاً هلامية .. ولكن"بشاي" أستطاع أن يرى من خلال تلك الأشكال وجهاً يعرفه جيداً، حين أعاد النظر إلى "جرجس"كاد أن يطير من على الأرض . ونظر مرة أخرى إلى المكان المحدد لذلك الوجه وجده يشير له فلم يحس بيديه التي أمسكت برأس "جرجس"وأحكمت إغلاقها عليها ثم سمع صوت يقول :
• أما إليكم يا جميع عابري الطريق . تطلعوا وانظروا إلىَّ، إن كان هناك قلب مثل قلبي الذي صنعه لي الرب في يوم حمو فرحته. فليكف عينه عنى .
استكانت عصافير عيون"بشاي" وهى تزيح ذلك الماء من رموشه ليرى "جرجس"الذي خرج من ظهره نوراً ليتحد بذلك الوجه في السماء .
• ماذا هناك يا سيدي هل أصابك مكروه ؟
بسط"بشاي" يده الممسكة برأس "جرجس"ثم قال :
• كيف غطى السيد الرب بفرحه الذي يخرج من ظهرك يا "جرجس"؟ ومتى مد قوسه نحوك؟ ولماذا قصدك أنت ؟ وهل أنت أبو ذلك الذي أوصى به خيراً ذلك الذي تحمل خطيئة بني الإنسان ؟
وظلت تلك الأسئلة الأربعة هي ما عجز ملاك ذلك الدير عن الإجابة عليها، حين سأله الأب"بشاي".
لم يكن "جرجس"الذي لم ير شيئاً على الإطلاق . على الإطلاق لم ير شيئاً، ولكنه أحس بكل شيء . أحس ورغم ذلك لا يدرى ماذا يصنع لذلك الرب الذي منحه كل شيء. هل لا يعطى ذاته راحة؟ ومتى أعطى ذاته راحة من يوم أن دخل الدير ؟ هل يسكب ماء قلبه قبالة السيد؟ وكيف ذلك وهو الرجل الذي رأى مذلته في الظلام فهو الذي قاده وسيره في الظلام طيلة ثلاثة وثلاثين سنة ولا نور . أبداً لا نور، حقاً إنه يعود ويرد على يده اليوم كله ولكنه بلا نور.
صرت لعبة يا الله لـ"متّى". ورغم ذلك كثيرة أمنياتك وطيب هو قلبك . وبعدد العصافير التي تخرب عناقيد العنب مراحمك. رغم إنك تبدو لهؤلاء المذنبين والعصاه ملتحفاً بالسحاب، حتى لا تنفذ صلواتهم إليك . فلا تتوهني في شوارع أنهك السافرون في وسطها دم الأصدقاء والطيبين، دعوك باسمك يا سيدي من الجب المظلم، فلصوتي اسمع ولا تستر أذنك عن زفرتي، عن صياحي، ولا تملك أعدائي في. هم يصطادونني كعصفور بل سبب، فلا تخرج من فمي ذلك الحجر وتعطيه لهؤلاء لكي يصطادوا به"بشاي".
هذا العصفور الجميل، بلا سبب يا رب . يصطادوا ذلك الأب الجميل. ارددنا يا رب إليك. جدد أيامنا عندك ولا تغضب علينا جداً.
كانت الكلمات تخرج من فم "جرجس"محملة بماء العين و"بشاي" ينظر ما بين الوجه الواقف في السماء بعيداً والوجه الواقف أمامه ويحدد الملامح واحدة تلو واحدة ليصل إلى الوجه الحق بينهم ثم قال :
• من أجل هذا فرح قلبنا، ومن أجل هذا يا رب كحلت عيوننا .
فانطفأ الوجه الذي في السماء وعاد إلى"جرجس"فوجد أنه أضاع وقتاً كبيراً في تحديد ملامح لا يوجد بينهما أدنى اختلاف.
مشوا في اتجاه الكنيسة وهم يسمعون صوت أجنحة الملاك الحارس للدير كخرير مياه كثيرة. كان "صموئيل" يقف أمام الباب المؤدى للكنيسة يمسك بيده سلة مليئة بالخبز . عندما دنا منه"بشاي" و"جرجس"أعطى كل واحد منهم واحدةً، فأمسك "جرجس"بالخبز في يديه ، فقال له الأب :
• أطعم بطنك وأملأ جوفك من هذا الخبز الذي أعطاه لك "صموئيل" . فلقد صنع بحب، فأكله "جرجس"فصار في فمه كالعسل المصفى . ودخل إلى بهو الكنيسة الذي كان مضاء بأنوار إضافية،مملوًءاً بالناس وكأنه عيد القديس بولس الرسول . أمسك "جرجس"بقلبه وثبته فيه حتى لا يقع مثل أول يوم دخل فيه الدير، ولكنه حين سمع حفيف الجلاليب الكثيرة كاد أن يسقط على الأرض لولا يد"بشاي" وجناح الملاك اللذان كثيراً ما أقاما عثرته حتى بدا كواحد سليم دون خيبات في عيون المصلين والرهبان.
حين مرروه من بين الدكك اقتربت منه "تريزة" وقالت له :
• كم أنت جميل أيها الشماس . كم أنت جميل اليوم . أنت شاب جميل .
كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها حكماً يخص جماله. وهو المشغول دائماً بجمال الأشياء. كما أنه صعب عليه هو دون سائر الناس أن ينس ذلك الحكم حتى وإن كان كاذباً، ووقع قلبه الذي يمسك به وتأثر تأثيراً لا يوصف. وقال في نفسه، من علم تلك البنت التي كانت تبدو خشنة في تعاملها تلك الرقة. هل بعث لها الشيطان بتلك الجملة التي سوف تؤثر عليه على مدار عشرين عاماً وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً؟ ولماذا بعثها على لسان "تريزة"؟
تلك البنت الصالحة بعض الشيء والتي لا تتأخر أبداً عن الصلاة، والتي تعمل في الدكان بيديها. كم أنت قاس القلب أيها الشيطان الأجرب. تريد أن تفسد على يوم عرسي. لن أعطيك تلك الفرصة، ولن أرخى السوط الذي في يدي عن ظهرك أبداً. تماسك أيها الشماس لا تدفع لـ"متى" بمسامير جديدة. يكفى ما دفعته بقلبك الأخرق انتبه أيها الأعمى للشرك المصنوع لك بإحكام وانفد بجلدك فلن تبلغ السماء طولا ولن تخرق الأرض بعينيك المشغولتين برسم صورة للعذراء التي غابت عنك في الصباح الثاني لرؤيتها وطمس عليها وجه أبيك الذي في السموات، أضرب بيديك وأخبط برجلك وقل آه .على كل رجسك الشرير الذي يعمل بقلبك. دخل "صموئيل" فوجد "جرجس"واقفاً على بداية السجادة التي ضاع لونها من أثر الأقدام الكثيرة التي مشت عليها. وينظر إلى حيث لا اتجاه لبصره الغائب عنه منذ ثلاثة وثلاثين عاماً. مشى "صموئيل" مسرعاً وأمسك بظهر"جرجس"الذي كان في تلك اللحظة فوق الحياة تماماً وتعمل أفكاره في محيط الشيطان، الذي لم يكن موجوداً على الإطلاق في تلك الجملة التي خرجت من فم "تريزة" وإن كان الذي أدخلها إلى فم"متّى" هو الشيطان ذاته. عند ذلك خرجت تلك الجملة من فم "جرجس"لـ"صموئيل" الذي ظل يفكر فيها طوال عمره، دون أن يعلم باطن تلك الجملة ولا مغزاها في تلك اللحظة.
بلغ اليوم، فلا يفرح الشاري ولا يحزن البائع، انتهى الدور إليك أيها الساكن في الأرض. بلغ الوقت . بلغ الوقت، فقال له "صموئيل" :
• ماذا هناك أبيها الشماس وما تلك الجملة ؟
أنتبه "جرجس"لـ "صموئيل" الماسك بكتفه وأدار وجهه إليه فهمس "صموئيل" له:ـ
• ما تلك الجمل التي كنت تقولها أيها الصديق الطيب ؟
تحركت حواجب "جرجس"بطريقة عشوائية وهو يقول :ـ
• أي الجمل تلك ؟ أنا لم أقل شيء عل الإطلاق .
فرفع "صموئيل" يديه ورسم علامة الصليب على رأس " جرجس "، ثم أمسك بيديه وأتجه إلى الهيكل حيث يقف الأب"بشاي" الذي قد أنشغل بسؤال الرهبان عن الترتيبات النهائية لتلك الصلاة . وقف "جرجس"في وسط الإيوان المصنوع من خشب البلوط وحاول أن يخرج كل الكلمات من فمه ولكنه أرتعش قليلاً ثم شكر الحاضرين جميعاً وخص بالشكر الأب"بشاي" و "صموئيل"والرهبان. كان قد حضر عظة الصلاة الخاصة بتعميده كشماس لذلك الدير من أخبار الرهبان ولكنه وجد نفسه يتلو الإصحاح السادس والسابع من سفر حزقيال، ثم أنهى الصلاة والموعظة وكانت حين ذلك كلمات ذلك السفر تعمل على وجوه الحاضرين . وقف الأب"بشاي" يعلن للمصلين أن اليوم قد تم رسم الراهب "جرجس"كشماس أول للدير . وأنه سوف يعامل بتلك الصفة منذ الآن، وله حق ممارسة عمله الذي كلف به منذ أربع سنوات أو خمسة عقب وفاة شماسنا القديم وله الشكر على ذلك .وله الشكر من يوم دخل إلى الخدمة في الدير وهو أبن الثالثة عشرة. ومن يومها أصبح لأبينا الذي في السموات أبناً صالحاً هو ذلك الشماس الذي يعمل بالخير . كل الخير في عين الرب فادعوا له أن يستمر على الطريق حتى يمنحه الرب يسوع فاتورة حسابه بيده الطاهرتين، أنسحب الأب"بشاي" وخلفه الرهبان جميعاً و "جرجس"و "صموئيل" و"متّى". سلم رياض على الأب "بشاي" وقبل يديه بحنو وعطف فربت على رأسه وقال له :
• ما أخبار أبنك يا رياض ؟
كان الأب يعلم أن "رياض" ظل جالساً حتى مر من أمامه وهو لا يدرى لماذا هو جالس . فلكزته "تريزة"التي كانت واقفة حين ذلك فوقف أمام الأب"بشاي" وأمسك يده وفعل ما فعل .
• ما أخبارك يا تريزة " ؟ أتمنى أن تكوني بخير، فأنت ابنة صالحة .
فأومأت برأسها ثم مر"جرجس"من أمامها فتعمدت أن ترفع صوتها وهى تقول لـ" رياض":
• أنظر يا رياض كم هو شاب جميل في ذلك الرداء ما أجملك أيها الشماس !
حين ذلك أمسك"متّى" بيد "جرجس"القريبة منه قبل أن يهتز تماماً ويقع، فنظر "جرجس"إلى السيد ثم عمل أنفه برهة ثم قال:
شكراً لك أيها الراهب، لا أعرف ماذا حدث لي يبدو أن الأنوار الكثيرة المعلقة اليوم قد أضرت بنظري، ضحك"متّى" و "صموئيل" واثنان من الرهبان الذين استمعوا إلى كلمات " جرجس "التي كانت تخرج من فمه وكأنه يلقى بجزء من الإنجيل كانت هذه هي المرة الثانية التي يستمع فيها هؤلاء لتلك المداعبة الجيدة التي تظهر عند "جرجس"كل عامين لا أكثر.
عند الباب ترك"متّى" يد "جرجس" ووقف ليقول لـ"تريزة" جملة لم يعرفها "رياض" الذي كان مشغولاً بذلك الكلام الذي يخرج من فم "تريزة" والذي سوف يعرف عنه كل شيء حين يعود إلى البيت . لم يستطيع "جرجس"النوم ألا قبل الفجر، كانت الأفكار تنهش رأسه، في السادسة صحا "جرجس"على يوم جديد في حياته داخل الدير غسل عيونه جيداً ثم ارتدى جلبابه الأسود الجديد الذي أعطاه له الأب"بشاي" مع الرداء الأبيض، ثم خرج . ورغم أنه لم ينم أكثر من ساعتين إلا أنه أحس أن ذلك اليوم يبدو جيداً؛ حين لم يحس بذلك الصداع المزمن من أثر الواقعة القديمة، خرج إلى الحوش فوجد الرهبان القائمين على تنظيفه قد أنهوا عملهم وآخرين يرشون الحوش سلم عليهم وأطمأن على الفطور، ثم مضى ليوقظ الأب"بشاي"،طرق على باب قلايته ثم عرج على باب القلاية التي ينام فيها "صموئيل" والأخرى التي ينام فيها"متّى" مع آخر ولم ينتظر الرد وما أن تحرك حتى سمع صرير الباب الصغير يفتح ويخرج منه القس"متّى" وهو يقول :
• صباح جديد نحمد فيه الرب أيها الشماس .
• صباح الخير إن شاء الرب .
مشى "جرجس"في اتجاه الحجرة المعدة لتحضير الطعام، ولكن"متّى" أشار له فوقف قبل أن تخرج أي كلمة من فمه نظر"متّى" للشمس التي كانت تنير كل شيء رغم أنها لم تكتمل بعد، ثم نظر إلى الشماس وقال له :
• كيف عرفت أنني أشير لك أيها الشماس ؟ !
• لا شيء جديد في سؤالك، كل أسئلتك تدور عن ذلك الذي منحه لي الله دون المبصرين أيها الراهب،للمرة الألف أيها القس، أقول لك حركة ارتطام يديك بالهواء ذلك الحفيف الذي لا تسمعه أنت وأسمعه أنا، فأعرف حركة اليد والرأس والقدم .
• لا تغضب في أول يوم تم رسمك وأصبحت فيه الشماس الكبير لذلك الدير، ولا تنسى أننا كنا أصدقاء . ما رأيك في الأخت "تريزة" أيها الشماس ؟
فتح " جرجس فمه دون أن يرد على تساؤل"متّى".
• أيه . هل كان سؤالي مفاجأة لك، كل ما هناك أنى سمعت ذلك الغزل دون أن يكون لأذني شر في هذا الذي خرج بصوت عال من فم تلك البنت التي أحسدك عليها، وعلى ذلك الحب الذي يملأ قلبها تجاهك.
حاول "جرجس"المضي في اتجاه حجرة الطعام ولكن"متّى" الذي كان قد تحرك كثيراً في اتجاه "جرجس"وهو يتكلم، أمسك بذراعيه ثم ضمه بشدة وقال :
• ما زلت متخوفاً منى أيها الأخ العزيز لقد غفر الله لي وأنت لا تتجه بوجهك إلىّ لماذا أيها الشماس ؟
لقد أخطأت واعترفت أمام الأب"بشاي" بخطئي، وقبل ذلك اعترفت للمسيح فلم لا تغفر لي ؟
أصابت كلمات"متّى" قلب "جرجس"، فأمسك به وضمه إليه وقال :
• لا شيء أيها القس، أرجو أن يغفر لنا الرب شرورنا الكثيرة .
عند ذلك قال"متّى":
• أخبرني ما رأيك في "تريزة"
• لم أفكر في الزواج بعد .
• هل لي أن أمنحك علامة ؟ أنا المبصر الضرير كما قال الأب"بشاي" تلك السيدة تحبك فلا تفقدها.
ترك "جرجس"يد"متّى" الممسكة به وهو يقول:
• أشكرك أيها الراهب على ذلك الحب .
ثم دخل حجرة الطعام، كان"متّى" يعرف متى يجعل ذلك الشماس يحبه أو متى يجعله يحقد عليه ويخاف منه، ولذلك أستطاع على مدار اثنين وعشرين عاماً وتسعة أشهر، أن يقود العلاقة بينهما حيث يشاء. بقيم ثابتة ومعرفة راسخة بقلب "جرجس"الذي لا يحمل أدنى معصية، وقف "جرجس"أمام الرهبان الذين يصنعون الغداء دون أن يحرك أنفه كعادته ويقول لأحد منهم، قلب الفاصوليا جيداً أو أرفع الإناء من فوق النار أو ضع ملعقة ملح آخري .
كانت كلمات"متّى" ما زالت تلعب في رأسه، حين قال له أحد الرهبان :
• ماذا تصنع اليوم أيها الشماس ؟
• ما يحلوا لكم أيها الراهب.
فرد آخر:
• معنى ذلك أننا لن نصنع أكل هذا اليوم أيها الأب ؟ !
• لماذا يا سيدي ؟
كان "جرجس"منذ أن وطأت قدماه باب الدير لا يستعمل إلا تلك الكلمة لكل الموجودين داخل الدير، ورغم أن الراهب الذي كان يكلمه لم يبلغ بعد الواحد والعشرين عاماً، وهو في بداية فترة الاختبار . إلا أنه كعادته دائماً . قال له يا سيدي، ضحك الراهب وهو يقول :
• إن الطعام لغير الرهبان كما أن النساء للرجال والفن للفن، ثم سكت قليلاً ثم قال :
• ولماذا النساء للرجال ؟ ألا تصلح النساء للنساء ؟ !
فقال"جرجس":
• لا يصلح هذا أبداً يا سيدي.
فخرج "جرجس " بعد أن صمتوا وهو لا يدرى ماذا أصابه من تلك الجملة التي قالتها "تريزة"،طرق باب قلاية الأب"بشاي" مرة أخرى حتى فتح الباب الصغير الذي يحنى قامة من يدخله وخرج وهو يرتدى كامل ملابسه.
• أسعد الرب يوم سيدي.
• أسعد الرب قلبك في يومك الأول يا "جرجس"، يا أيها الشماس الأول.
• الأول والأخير هو أبانا الذي في السموات يعمل بكد وبحب من أجلنا نحن اللذين نصنع الشر في عينيه تماماً. دون أن نأخذ حائطاً ونضع تحته ما يجب ألا نضعه.
• يبدو أنك لم تنم جيداً ولم تؤدى صلاة النوافل هذا اليوم. هل كنت تفكر في الحياة الأخرى؟ أنتظر حتى آت بكتاب أخذته أمس من المكتبة .
وقف "جرجس"وراح يمشى يميناً ويساراً دون أن يهتدي قلبه وعقله على فكرة واحدة أو دعاء واحد يساعده .من بعيد لمحه صموئيل فجري اليه وهو يقول:
• ماذا أصابك يا "جرجس"؟ ماذا هناك أيها الصديق ؟
• "صموئيل" يجب أن أعترف أنني خنت الله في قلبي. لم أنم الأمس !! ولم أكن أصلى ! ولكن كنت ابحث عن شيء جميل في وجهي جعل تلك الأخت تقول لي كم أنت جميل.
ضحك "صموئيل" وهو يقول :
• هل أستيقظ الأب ؟
• نعم .
• إذاً أنتظر وسوف نذهب معه ونعترف أمامه وأنا معك لأنني لم أنم منذ ثلاث سنوات دون أن أفكر في تلك البنت التي أحببتها ولم أستطع آن أقيم معها حياة، فجئت إلى هنا من أجل أن ينسينها الله . ولكن الشيطان يذكرني دائماً بها .
منذ اليوم الأول لحضور "صموئيل" كان قد حكي لـ "جرجس"كل شيء عن تلك البنت وماذا فعلت معه، أتى الأب"بشاي" برأسه من باب القلاية، فمد "صموئيل"يده وأمسك بيد الأب ليساعده . ثم قبلها بعد أن سلم عليه ثم قال :
• يبدو أن ملاك ذلك الدير سوف يمسك بقرطاسين كبيرين ويفقأ يهما عين الشيطان .
ضحك "جرجس"و" صموئيل " لتلك المداعبة التي كثيراً ما أخرجتهما من حالات اليأس والآلام التي تنتابهم بين الحين والحين، والتي يعرفها الأب بمجرد النظر إليهم .
• هل نصلى إذاً، أم نؤجل الصلاة ؟
كان هذا التساؤل الذي طرحه الأب"بشاي" غريباً على أذان "صموئيل" ولكنه حدث أكثر من مرة مع "جرجس".
• كيف نؤجل الصلاة يا أبت .؟!
• أفضل أن أؤجل الصلاة نصف ساعة ويقف قلبان أمام المذبح ينشدان بالإله على أن أصلى وهناك تائهون بين خراف الله الضالة .
لم يستطع "صموئيل" الرد ولكن "جرجس"قال :
• هل تسمح لي أن أشد ذلك الحبل الذي يجب أن نغيره هذا الشهر لأن صوت الجرس بدأ في الانخفاض نظراً لأن الحبل تأكل .
مسح"بشاي" على رأس "جرجس"وهو يقول :
• أنت الآن تملك صدق قدير، أصنع ما شئت . ولكن على آن يكون ذلك الحبل من التيل النباتي وليس التيل المصنوع . ذلك لازم يا "جرجس"، حتى نحافظ على التقاليد.
أومأ "جرجس"برأسه ثم مشى بخطوات مسرعة وأمسك بالحبل وضرب الجرس بخبطات هادئة ورزينة. رغم أن عقله كان ما زال يعمل في شكل تلك البنت التي هيجت قلبه بيديها، وبفعل من عقلها. أتموا الصِلاة ثم دخلوا جميعاً إلى الحجرة المعدة للطعام.
كانت الأيام الأولى قد انتهت، ولم يعد هناك غير أسبوعين ويحتفلون بالعيد.أمسك الأب بالفوطة ثم وضعها في يد "جرجس"الذي لم يتذوق شيئاً يذكر،وكانت عيون"متّى" و "صموئيل" والأب تتابعه وهو يحس بها كوجاء يعمل تحت صدره ولكنه لم يشأ أن يضيع الفرصة وقال للأب :
• يبدو أنني أكلت بالأمس ما عاقني عن تذوق طعام الصبح .
• هيا بنا الآن أيها الشماس، ولكن لتعطى أولاً أوامرك للرهبان الذين عليهم أعمال، ثم تعال إلىّ في حجرتي وليس في حجرة الاعتراف.
ثم ترك يده وخرج، دنا منه"متّى" وسأله عن تغير مزاجه وإذا كانت كلمات الصباح التي قالها له قد أزعجته نفى "جرجس"ذلك وهو يقول :
• يبدو أنني قد أصابتني عين من تلك العيون المغلقة التي لم تراني بالأمس
ثم نادى على بعض الرهبان وأمرهم بما يجب عليهم ثم قال لـ"متّى":
• عليك أنت الماشية اليوم أيها القس .
كانت هذه أول مرة ينادى فيها "جرجس"بالقس أمام الرهبان،أنها المرة الأولى التي يخبره دون أن يقول له أن الأب أخبره أن يقول له ذلك. أنسحب"متّى" وهو يقول في نفسه يجب أن يعلم ذلك الشماس أنني قس غصباً عنه. وأن من يعطني أوامر داخل الدير هو أب الدير وليس شماساً أعمى، ولكنه حين دخل إلى حجرة المكتبة ضحك في نفسه وهو يقول :
• لماذا لم يعجبني ندا "جرجس"؟ ولماذا غضبت وهو الذي قال لي يا قس؟ ولم يقل ياسيدي أو ايها الراهب. يبدو أن العلاقة في منطقة العاطفة ويجب أن تستمر كذلك لمدة سنة على الأقل قبل أن أفعل ما يغضبه ويميل الميزان إلى الناحية الأخرى.
دخل "جرجس"على الأب"بشاي" في حجرة رئيس الدير، تلك الحجرة الكبيرة التي يجلس في وسطها مكتب كبير أمامه بعض كراسي الفوتيه وخلفه وقف " تمثال الأب وهو مصلوب وفى يده حربة مكتوب عليها " أو سيأتي المخلص غداً " وجوار الكرسي الذي يجلس عليه الأب يقف الكرسي الهزاز الذي يجلس عليه ذلك الأب مدة لا تقل عن خمس ساعات في اليوم الواحد، جلس "جرجس"أمام الأب الذي كان ينظر في أوراق أمامه ويتفحصها بإمعان، وبين الحين والحين يمشى بقلمه على الورق . دخل أحد الرهبان يحمل صينية موضوع عليها كوبين من الشاي المخلوط بأوراق النعناع الأخضر المقطوع من الأرض المزروعة جوار الدير، وضع الراهب الصينية على حافة المكتب دون أن يصدر منه أي صوت ثم خرج وأقفل الباب. أنهى الأب من الأوراق ثم نظر إلى "جرجس"الذي كان يحرك أصابعه المتشابكة بحركة لا إرادية دلالاً على عدم اتزانه .
• لماذا لا تشرب الشاي أيها الشماس ؟
كانت المرة الثانية التي يرى الأب"بشاي" حركات تلك الأصابع وهى تبحث عن كوب الشاي، بعد أن تعلم جيداً متى يضع يديه وأين؟
• يبدو أنك مشوش الرأس ولم تغمض جفونك ثم أمسك بالكوب ووضعه أمام يده التي كانت تتحرك في مساحة لا تزيد عن عشرة سنتيمترات.
أمسك "جرجس"بالكوب الذي كان قد برد تماماً ورفعه إلى فمه ثم تركه على المكتب.
• أيه يا سيدي . لماذا لم ترد على سؤال الأمس ؟
• أي سؤال يا أبتي ؟
• تكوين أسرة يا "جرجس"لم تعد صغيراً . لا أعرف لماذا لا تعرف ذلك السؤال ! والليل مضى عليك وأنت تفكر في تلك البنت التي سوف أخطبها لك.
لم تعد تلك العلامات التي تخرج من فم"بشاي"تسير الدهشة وتجعله ينتفض بقدر ما تزيد حبه لذلك الأب .
• ما رأيك أن نبنى لك بيتاً جوار الدير. في أرض المقدس "رياض" ؟
• ما تراه يا أبتي .
• ما أراه الآن أنه لا داعي لآن تعترف بشيء ، فلم ترتكب معصية. وأبن الإنسان يجب عليه أن يفكر في حال الإنسان. أما الآخرين فلهم ملكوت الله.
وقف "جرجس"وهو يفكر في تلك الجملة التي أحس بها تلسع مؤخرته وتجعله عارياً أمام الأب، عند الباب ألتفت فأحس أن الأب ينظر إليه فقال :
• هكذا يخرج الإنسان من الذي تصور أنه أبن الله !
أنتفض الأب"بشاي" لتلك الجملة، ثم وقف ومشى بخطوات سريعة كادت أن توقعه على الأرض، وأمسك "جرجس"بيده وقال له :
• أنت أبن صالح لأبينا الذي في السموات ولقد أحب أبن الإنسان الذي يمنحه ذرية صالحة أكثر من أبن له يدخل القلاية ثم يمشى بين الناس وهو كاره لهم. هل تفهم أيها الشماس ؟ !
بكى "جرجس"فامسك برأسه ودسها في حضنه، وقال :
• كم أنت غريب. لقد تمنيت أن يكون عندي أسره، ولكني كنت قد استخرت الله في أن أكون بلا أسره . هل تفهم ذلك أيها الابن ؟ !
ثم مشى بيده على وجهه وأزال الماء المتساقط من عيونه وقال له :
• عليك الآن أن تعمل بكد أنت و"صموئيل" وعشرة من الرهبان في إقامة بيت جوار بيت "رياض" في فترة أسبوعين فقط . لأنه في ثالث أيام العيد سوف يكون عرسك أيها الشماس.
لم يعرف "جرجس"بماذا يجيب على الأب"بشاي"الذي ترك يد "جرجس"تمر على معالم وجهه لتحددها. رغم أن الباب مفتوحاً، وعلى باب المكتبة وقف"متّى" يحدق فيهم. كانت المرة الأولى التي يملك فيها "جرجس"ملامح وتضاريس وجه الأب الذي تصبب بالعرق لتلك اللمسات الخفيفة من يد "جرجس".
أستطاع الرهبان العشرة أن يشيدوا بيتاً من ثلاث حجرات وصالة وحمام ومطبخ في مدة عشرة أيام، وكان يساعدهم القس"متّى"و"صموئيل" و"رياض" و"تريزة". كان "جرجس"رفض أن يرى "تريزة" أو يتحدث معها قبل إقامة الإكليل وقال لـ"صموئيل" :
• إن كانت تحس بي، فسوف أحس بها ولكن بعد إقامة الإكليل.


القسم الرابع
" فتحة في أعلى الحائط "


حين دخل" جرجس على الأب"بشاي" سأله :
• متى ستطلع الجبل ؟
فقال " جرجس لـ"بشاي":
• لا داعي أيها الأب . لا داعي لذلك فماذا سوف يأخذ منى الرب إن كنت قساً كبيراً أو شماساً صغيراً، فأنا أعمى يا سيدي، وأعرف أن الرب يمتحنني كما قال لي منذ أكثر من عامين القس"متّى"، كما أن "تريزة" حامل أيها الأب وأنت تعلم أنني لا أستطيع الجلوس في الشمس ستين يوماً. ويكفى لنا نحن أولاد الرب أن يكون لنا قس واحد مثل "صموئيل" يحدثنا عن ديننا بدلاً من عشرة لا يستطيعون القراءة.
دمعت عين"بشاي" وهو يقول :
• لقد أعطيت أذنك لـ"تريزة" أيها الشماس. ولتعلم أنك برفضك ذلك منحت مسماراً جديداً في صندوقي دون أن تدرى.
أنسحب "جرجس"بهدوء دون أن يلمس يد الأب أو يقبلها وعند خروجه من باب الدير كانت الدموع التي نزلت منه منذ ثلاث ليالي حين أمسك بـ"تريزة" ووقعوا على الأرض سوياً أقل كثيراً من تلك الدموع التي تشغل قلبه، كان منذ اليوم الأول لزواجه، يترك الدير في تمام الثانية عشر ويعود قبل شروق الشمس، حين دخل إلى بيته سمع صوت أخيه الكبير يتحدث ولكنه ظنه المقدس "رياض" أخو "تريزة"، حين أقترب الصوت منه وشم تلك الرائحة تأكد أنه أخوه الذي ما إن لمح خياله حتى وقف وارتمى في حضنه، أحس أن أباه قد أصابه مكروه ولكن أخاه طمأنه على حال الأسرة ولكن هناك بعض المشاكل ويجب أن يعود معه إلى البلدة وهكذا لم يستطع أن ينام، عند الفجر ذهب إلى قلاية الأب"بشاي" وأخبره بما قاله أخوه وأستأذنه في الذهاب كان قد مضى عليه تسعة عشر عاماً، لم يدخل فيها البلدة إلا مرة واحدة؛ حين تزوج أخوه، ومشى ليلتها في العاشرة من مساء ذلك اليوم، ورغم أنه كان لا يعلم أنه قد مر أكثر من عشرين عاماً إلا أنه كان قد سافر في قرارة نفسه أكثر من ثلاث مرات، حين ركب العربة تذكر آخر مرة سافر إلى تلك البلدة ولحظة تمنيه أن يجلس في مساء ذلك اليوم مع الحاج "رمضان" ويعرف أخبار البلدة ويرى"أبن ستوته" ولكن أحس أنه غريب عن البلدة فخرج منها في العاشرة مساء.
في الطريق حين كان يمسك بيد أخيه تذكر كلمات الأب"بشاي" الذي أمره بأن لا يعود من البلدة إلا بعد انتهاء المشاكل، ولا يخاف على أحوال الدير. لآن "صموئيل" سوف يتكفل بكل شيء، ثم راح يفكر في أحوال البلدة وشيخ الخفر والمقدس"عوض" ولكنه تجنب أن يسال أخاه. حين دخل الحجرة التي ينام فيها أبوه، كانت أمه تمسك بقطعة قماش مبللة بالماء وتضعها على رأس أبيه الذي استكان ولم يعد فمه يتبرم حين يسقط الماء على رقبته، حين نظرت الأم ورأت "جرجس"خرج صوتها المتحشرج من أثر البكاء يخبر ذلك النائم دون حراك. إن الراهب "جرجس"قد حضر ويجب عليه أن ينهض وينهى ذلك الدلع الذي يعمله من أجل أن يدخل ذلك الملاك الجميل عليه، أبتسم "جرجس"لأمه ودفس رأسها في حضنه، كانت لحيته الثقيلة تشعل مسام جلد وجهها ولكنها لم ترد أن ترفع رأسها من حضن أبنها . أنتبه الأب قليلاً وخرج صوته، كان الصوت آتياً من قبر بعيد. خطفت الأم رأسها من حضن أبنها وأمسكت بيد ذلك الجمل النائم وعيونه مليئة بالدموع، جلس "جرجس"على حافة السرير وأمسك بيد أبيه دون أن يمشى بيده على جسده وقبلها طويلاً، كانت الدموع الساخنة تسقط على يد الأب الذي أنتبه تماماً لحلمه البعيد بأن يرى أحد أبنائه قساً في الكنيسة. أحس بالسعادة لذلك الرداء الكهنوتي وتلك اللحية الثقيلة والنظارة السوداء التي تخفى اهتزازات جفونه عن عيون المتطفلين والتي أهداها له "صموئيل" يوم عرسه، ولم يرد "جرجس"أن يضعها على عيونه، لولا كلمة ألقاها الأب"بشاي" في أذنه لم يتبينها"صموئيل" ولكنها أرعشت جسد "جرجس"الذي لم ينتظر أن يقولها ذلك الأب"بشاي" مرة أخرى . فوضعها على عيونه قبل أن يرتعش مرة ثانية،ولم يكن يعلم تلك لجملة إلا الملاك الذي سمعها من قبل من فم "تريزة" وهى تقولها له بعد خروجه في يوم رسمه وسمعها من فم الأب مرة أخرى . كانت يد "جرجس"تمر على الوجه المتغضن والبارز العظام في محاولة منه لحفر تلك الملامح في قلبه والأب يغمض عينيه بين الحين والحين ليخرج الماء الذي يوق رؤيته، وأصابع اليد التي أصبحت طويلة. ورغم ذلك نحيفة كما تركها منذ تسعة عشر عاماً ولم يكن يعلم حين ذلك أنها أكثر من عشرين عاماً . كان "جرجس"يريد أن يعتذر لأبيه عن الفجوة التي ألمت بعلاقتهم. منذ أن ضحك ذلك الأب حين ارتدى قميص الأب"بشاي" وكان حين ذلك يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً قال "جرجس"لأبيه.
• ألا تنتظر أيها الأب حتى ترى أبنى وبعد ذلك أفعل ما يحلو لك.
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تسقط ما تبقى من ماء مملح في عيون الرجال وأن تجعل عيون إخوته وأمه المحيطيين به حمراء كما رائها حين صافحهم بيده وهو عائد في المساء إلى الدير، جلس الأب على السرير وكأنه مصاب ببرد طفيف، وأمر بإحضار الطعام من أجل القس "جرجس"تكلموا بكثرة حتى أن الأم أحست أن زوجها شفى تماماً ببركة أبنها الغائب عنها منذ ما يزيد عن عشرين عاماً والتي لم تره فيها إلا في الأعياد سبع مرات وحين حضر فرح أخته وهى التي لم تكن تستطع أن يظل بالخارج حتى الظلام وكثيرا ما تشاجرت مع أبيه لاصطحابه معه دائماً إلى جلسات المرح مع الحاج "رمضان" في جينينة البيت الكبير وكانت كثيراً ما تتقصى عليهم من بعيد . لا لشئ إلا لأن ترى وجه أبنها الذي جاء إلى الدنيا وعيونه ممتلئة ضحكاً ولم يستمر ذلك الضحك كثيراً، وفقد نظره بعد ولادته بثلاث سنوات أو أربعة ومن يومها صار ذلك الولد هو كل همها في الحياة. رغم قسوته التي كانت كثيرا ما تحكى عنها لأبيه في المساءات الباردة حين يدخل ذلك الأب إلى فراشه فتقول له :
• لقد خلق الله "جرجس"بقلب أعمى ولم يخلقه أعمى يا أبا "جرجس"!
فيربت الرجل على رأسها ويقول لها مخففاً ذلك المر العالق بحنكها :
• لا تنسى أيتها الأم أن أبننا هناك يعمل للرب من أجلنا حتى نستطيع أن نقف أمامه وأيدينا مملوءة حين يسألنا عن ماذا صنعنا في الحقل.
حين ذلك تنظر في عين زوجها جيداً ولا تجد إلا الدعاء له ولـ"جرجس"وكثيراً ما أيقظها الأب في مساءات أخرى وهى تبكى من أجل فراق الابن. فيعدها بالروح القدس أن يأخذها إليه في عيد السعف القادم فتغمض عيونها على ماء ولقاء برأس ذلك الولد، حين ترتطم بزوج اليمام النائم فوق صدرها فتعيد إليه الحياة. ويطير إلى أعلى القبة المنتصب فوقها صليب، ويقف هناك ولكنه حين يأتي العيد وتقف أمام ذلك الابن الذي ينشغل عنها بعمله في الدير في تلك الأيام المزدحمة. كثيراً ما عادت وزوج اليمام لم يتحرك ولم تسمع هديله للحظة من أجل ذلك القاس القلب.
حين دخل الحاج "رمضان" على "أبو جرجس" ووجده جالساً أمام الطبلية وحوله الأبناء والبنات صلى على نبيه كثيراً ثم جلس جوارهم يشاركهم الطعام، رفعت البنات الطبلية وجاءوا بالشاي الثقيل. كانت الكلمات تخرج من فم "جرجس"ترد على تساؤلات الحاج "رمضان" عن عمله في الدير وعن تحريف الإنجيل كما يسمع من خطيب الجامع يوم الجمعة من كل أسبوع. في توتر رغم أنه أستطاع أن يجعل الحاج "رمضان" ينفى تماماً تحريف قلب الإنجيل. ويقسم أن الدير يساوى الأزهر. صافحه "جرجس"بود حين استأذن ليصلى العصر.
• تسعة عشر سنة يا "جرجس"أو يزيد عن ذلك بسنتين مرت وأنت لم تعد كما كنت. ما الذي غيرك عنى ؟ وما الذي جعل قلبك قاسياً تماماً على أمك وأخوتك ؟! لما لم تعد تترك يدي تنام على رأسك ؟
كانت تلك التساؤلات تدور في رأس الأب الذي أحس أنه شفى ولم يعد مريضاً .
حين سأله الأب عن أسم الوليد الذي ينتظره "جرجس":
• " مينا " إذا كان ولداً.
ولم يكن يعلم حين ذلك أن الأب يريد أن يسمى الوليد باسمه، ولذلك أحس بنغزة فوق القلب فأزاح جسده على السرير وعادت تلك القطرات الخفيفة من العرق تغطى وجهه كله، أحس "جرجس"بمدى خيبة الأمل عند أبيه فنكس رأسه في الأرض وهو يفكر في ذلك الاسم الذي خرج منه دون أن يعلم ما جعله يطلقه وهو الذي ما فكر في أسم ذلك الوليد لحظة منذ أربعة وعشرين ساعة. فكيف خرج ذلك الاسم منه ؟ !
• ما الذي أضحكك حين ألبسني الأب"بشاي" قميصه ؟
كان السؤال مفاجأة للأب الذي زادت حبات العرق على رأسه ووجهه كثيراً . ولم تلحظها يد "جرجس"النائمة جواره . كما أنه لم يكن هناك أحد ليقول لـ"جرجس" " كف عن أذية ذلك الرجل في اللحظات القليلة المتبقية له ".
• متى ألبسك الأب قميصاً يا "جرجس"؟
لم يكن الأب يكذب حين طرح ذلك السؤال على "جرجس". لآن اللحظة التي حملها "جرجس"في قلبه مدة واحد وعشرين عاماً وليس كما يظن تسع عشرة سنة. لم تكن اللحظة التي يحملها له ذلك الأب. ربما لو سأله عن الدماء التي غطت ملابسه وجعلت أمه ترفع صوتها بعد أن ضربت صدرها بيديها حين رأت تلك الدماء على جلباب الأب وهو عائد دون أبنها الأعمى. كان سيتذكر. ولكن رغم أن اليوم معروف بالنسبة للأب والابن إلا أن كل واحد منهما يحمل ذكرى غير الأخرى، فهذا هو لأب يعود بعد أن أكتمل حلمه الوحيد في الحياة رغم أنه يحمل بعض الدماء على جلبابه. ربما فكر لحظتها أن تلك الدماء هي دماء المسيح ذاتها، ولكن تلك الفكرة لم تكن لتحتل جزءاً كبيراً في عقله المليء بفكرة مسيطرة عليه وهى أن أحد أبنائه أصبح منذ اليوم قساً، أو في الطريق أن يكون قساً. وعلى ذلك فهو على استعداد لملاقاة الرب الأن والوقوف أمامه دون أن يهتز أو ينشف لسانه، حين يسأله عن ماذا صنع في الحياة أو ماذا ترك ؟
حين ذلك كان سيرفع وجهه إلى المسيح ويقول له :
• تركت "جرجس"لك أيها الرب . أنت حملت خطيئة لإنسان وأنا حملت خطيئة أبنى، فلماذا تسألني وأنا الذي يجب على أن أسألك !
• في اليوم الأول لدخولي الدير .
• لا أتذكر يا أبنى .
لاحظوا هذا قال يا أبنى ولم يقل أيها القس أو الراهب أو ولدى . وربما عقل ذلك الأب الذي هو في لحظات خلوة من تلك الحياة يريد أن يزيل كل مخاوف ذلك الابن ويعيد يده على رأسه فلا يرفعها ذلك الابن .
• تذكر يا أبتي أرجوك حتى أستريح .
نجحت الخدعة ومال قلب الولد وقال له أرجوك حتى أستريح .
• يمكن لأن القميص كان طويل قوى عليك. وأنت كنت نحيف. كأنك فأر صغير.
أترك لكم ملاحظة ذلك المشهد دون تدخل منى. ربما لأني حين سمعت كلمة " نحيف كأنك فأر صغير " أنتبنى الريب في مقولة الأب . فلن يكون هناك طفل يبلغ الثالثة عشر ويكون بحجم الفأر الذي يزن بالكاد ربع رطل، وربما لأن الأب كان يتكلم بصوت ممزوج بالألم . ولكن "جرجس"الذي كان يريد الإجابة على ذلك السؤال الذي أرقه ليال كثيرة في الواحد والعشرين سنة الماضية والتي كان يعتقد أنها تسعة عشر عاماً فقط . لم يلتفت إلى أن أباه في لحظات الموت ولم يلتفت حين سكت الأب فجأة عن الكلام أنه مات . لأنه كان يعتقد أن أباه يلوم نفسه على تلك الفعلة التي فعلها وأنه يعترف بذلك أمام الرب وبعد قليل حين مد يده ليطبطب على يد أبيه، كانت اليد ما تزال دافئة بعض الشيء ولم يكن بها حياة . أمسك "جرجس"برأس أبيه بعد أن مرر يده على جسده كله ليمسك بها ورفعها قليلاً ثم تركها فسقطت على السرير، صرخ "جرجس"بصوت عال هو الذي مشى بيديه خلال التسعة عشر عاماً الماضية على أكثر من سبع عشرة حالة وفاة .
ثم نام بأذنه على صدر أبيه ليتأكد أن في ذلك القلب بعض حياة. ولكن أذنه خانته ولم يمنحه ذلك الصوت، دخل أخوته وأمه على صوته. وجدوه يضع رأسه على صدر أبيه وهو متشبث بذلك الأمل في أن يخرج منه ولو جرد دقة خفيفة.
أمسك بأمه ودفس رأسها في حضنه وهى تبكى بصوت عال، كانت الدموع في عيونه متحجرة وترفض النزول. حين دخل الحاج "رمضان" أمسك بيده وشد عليها وهو يقول له :
• البركة فيكم .سابكم رجاله. قوم قول للبنات مش عاوزين صويت علشان نقدر ندفنه النهاردة. لم يستطيع صوته أن ينفذ إلى أخوته وأمه الذين كانوا ملهيين عنه بأصواتهم العالية.
فدخل إلى حجرة أبيه ووضع الحرام الصوف عليه، ثم أغلق الباب بإحكام، وأمر أخاه الأكبر أن لا يفتح الباب الأخر. غسل أباه جيداً ووضعه في الصندوق ورفض أن يمشى وراءه .
وحين عادوا من الدفن نادى على أمه، ودس في يديها بعض الأموال وقال لها أنه سيعود إلى الدير، فخرجت مسرعة وعادت بالحاج " رمضان " الذي ظل يحدثه أكثر من نصف ساعة. ولكنه لا يعرف لماذا ركب رأسه. مشى معه الحاج "رمضان" حتى أركبه العربة التويوتا ونزل وركب القارب الصغير إلى الجانب الآخر. حين أستقر في العربة التويوتا التي نقلته إلى الدير أطلق العنان لعيونه حتى أن الراكبين الوحيدين لم يجدا أمامهما أي شيء غير النزول قبل أن تأتى بيوتهم وفضلوا المشي عن الجلوس مع ذلك الراهب الذي لابد أرتكب ذنباً عظيماً كما قال أحدهما للآخر.
دخل إلى حجرته في الدير وراح يصلى، ثم ابتدأ البكاء مرة أخرى. أحس أنه لابد أن يبكى تسعة عشر عاماً حتى يستطع أن يزيل كل الماء العالق فوق قلبه ، ويعيد أباه إليه .
حين سمع الأب"بشاي" صوت جرس الصباح. خرج من قلايته قبل أن يكمل ارتداء جلبابه وأكمل في الطريق. رأى "جرجس"يمسك بالحبل المتدلي من أعلى السقف فأحس أن أباه مات فلم يشأ أن يخرجه من تلك اللحظات التي يجب أن يعيشها دون تدخل أحد قبل أن يبدأ في طلب المعونة ويطلق لعيونه وصوته تلك العلامة،لم تصدق "تريزة" عيونها لما رأت الأب"بشاي"و"جرجس"جواره في صلاة الصبح فعادت تغمض عينها مرة أخرى وفتحتهم على أخرهم. كان "جرجس"أيضاً والأب"بشاي" هما الواقفين أمام الهيكل فأحست بعصفور قلبها يطير ويحط على فم "جرجس"ويقبله على عدم تأخره، بعد الصلاة. انسحب "جرجس"عائداً إلى حجرته دون أن يتكلم مع أحد .
حين اقتربت "تريزة" من الأب"بشاي" فسألته عن ما حدث ؟ فقال لها :
• يبدو أن أباه قد مات . دعيه الآن سوف نعرف كل شيء بعد قليل، فقط دعيه يستريح الآن فيبدوا أنه لم يغمض عينيه .
ثم نادى على "صموئيل" وأمره بصنع إفطار بعد أربع ساعات والدخول به على "جرجس"في حجرته.
عادت "تريزة" إلى البيت وهى تحاول التماسك حتى لا تسقط على الأرض في الطريق. فقط كان يلزمها أن تخرج من باب الدير وتلف حول السور لتدخل إلى بيتها. وذلك نظراً لأن الأرض مليئة بالماء الذي تركه"جرجس"لمدة يومين لكي يستطع أن يخرج تلك الديدان الشرهة ـ كما قال لها ـ لكي تأكل بعضها البعض قبل أن يزرعها بمحاصيل جديدة للدير.
دخلت إلى البيت ونامت على الكنبة وراحت تبكى بصوت عال وهى التي أحست أن "جرجس"يضيع بعد أن امتلكته، ظلت عشر سنوات تحاول التقرب منه ولم تعرف كيف تخش قلبه إلا بعد أن نصحها ذلك الراهب"متّى" بتلك الجملة التي أنارت حياتها، وجعلت قلبها يطير مثل العصافير الصغيرة وينام على الأشجار وفوق أسطح البيوت ويغرد في الصباح والمساء. لم تنس أبداً ذلك اليوم الذي رأته فيه للمرة الأولى. لحظتها أحست أنه يمتلك قلبها، وأنه يغرس عيونه ـ التي لم تر ـ في كل ذرة في جسدها ويعريها ويتخلل مسام جلدها وهى التي لم تدخل ذلك الدير إلا من أجله. رغم أن الدير بجوار البيت. ومن لحظة أن رأته يمسك بالفأس ويغرسها في الأرض بقوة. فأحست أن كد الليالي الذي لاقته ليس له طعم أو رائحة. وأنها ولدت من جديد حين رأت فيه علامات كثيرة.
دخل "صموئيل"على "جرجس"بصينية الأكل فوجده يسند ظهره على الجدار ويداه تناما بجواره تماماً كالمرات الكثيرة التي دخل عليه، وضع صينية الأكل على الترابيزة التي تستعمل كمنضدة ومذبح صغير، ثم جلس جواره، لم يلم "جرجس"ساقيه كالمرات الفائته .
• "جرجس"أيها الشماس .
خرج النداء من فم "صموئيل" ضعيفاً كنور الفجر ولكنه معبأ بود كبير يحمله له منذ أن دخل عليه في الدير، وكان يلبس سروالاً طويلاً به حبل مدلى من فوق وسطه، وصديرياً مصنوعاً من الكتان. كان خارجاً لتوه من لحظات انكسار كثيرة فقد تأكد بعينيه أن حبيبته التي كان على استعداد أن يخسر العالم من أجلها تعرف آخر. بل ويحملها على يديه وهى متعلقة برأسه ومبتسمة. فلم يستطع أن يهرب دون أن يعطى لها درساً، جرى إليها وضربها ثم أمسك برأس ذلك الولد الذي يحملها ولكمه في بطنه ووجهه فسقطت تلك البنت على الأرض وراح يكيل لذلك الولد الضرب ولكن الولد كان أكثر قوة منه فرد تلك الضربات إليه وطرحه أرضاً ولم يلتفت إلى تلك الكلمات التي تخرج من تلك البنت التي جرت على السلم، حين لم تستطع أن تسكت عشيقها عن ضربه، ولكنه حين رفع عيونه عن الأرض وجدها مرمية على أحد درجات السلم وراء ذلك الولد يرفعها مرة أخرى وهى مستسلمة له تماماً ويرتقيان السلم دون أن تنظر إليه. لحظتها فكر في الموت ولكنه في الصباح كان قد أعد شنطة صغيرة وترك لأسرته خطاباً به كلمات قليلة يخبرهم أنه سوف يسافر بعض الوقت.
حين ركب القطار المتجه إلى الجنوب لم يكن يعلم أنه سوف يدخل إلى الدير.
أفاق "جرجس"على الصوت الخارج من فم "صموئيل" فمد يديه ومسح عيونه من إثر الماء المالح العالق على وجهه، والذي يجعل جلده كطبلة موضوعة على نار لمدة طويلة. وقف "صموئيل" وأحضر صينية الأكل الموضوعة على المذبح ووضعها أمامه. عادت دموع "جرجس" للنزول فلم يجد "صموئيل" أمامه إلا أن يمد يديه على وجه "جرجس" ليزيل كل الماء ثم قال له:
• أستطيع أن أقول لك إن فمك الصغير لم يجرش الطعام أو الملح منذ أمس الأول. فهل ساعدتني أيها الشماس على إعادته إلى عمله. حتى نستطيع أن نقيم ذلك الجسد الهزيل. ولتعلم أننا جميعا سوف نذهب هناك عند الرب الإله . أم أنك لا تريد أن تمسك بيديه وتقبلها وتقول له لقد أوحشتني أيها الأب الإله.
ترى أيها الشماس من يحمل منا الآخر إلى التراب. أرتاب كثيرا من ذلك رغم أن الأب "بشاي" اخبرني أن عمري طويل جدا، ولكن هل أخبرك أيضا عن عمرك ؟
أمسك "جرجس" بالمنشفة الموضوعة على الصينية ثم وقف وأزاح الغطاء الموضوع على الترابيزة ثم غمس المنشفة في الماء، وضع الغطاء مرة أخرى وجلس ليمر بيده على وجهه بتلك المنشفة. ثم تركها تسقط من يديه على حافة الصينية ومد يديه وأخذ لقمة خبز وراح يحرك أسنانه ويعمل بالفك عليها علها تذوب.
• ماذا وراءك أيها الشماس ؟، ما الذي يجعل الدمع غزيرا؟ لم أكن اعلم أن انتظارك لطفل صغير سوف يأخذ مكان الذي وضعته في التراب يجعلك هشا كذلك. ليفرح قلبك قليلا أيها الأخ العزيز . وغدا تعلم أن الذي فقدته سيعود في العام القادم إليك. فاحرص على نفسك من أجله أيها الصديق الطيب، رفع "جرجس" الصينية من أمامه دون أن يخدش الطعام بغير تلك اللقمة التي حاول كثيرا أن يبللها بلعابه ولكن الماء لم يأت. حين ذلك دخلت عليه "تريزة" تحمل صرة موضوع فيها أكل أيضا. رحب بها "صموئيل" ثم أخذ منها الصرة وفتحها وقال ل"جرجس" :
• كنت تعلم أن الطعام سيأتي من البيت، يالك من شماس خبيث، سوف أشاركك الطعام الذي أتت به زوجتك. حاول "جرجس" أن يتكلم ولكنه خاف أن يغلبه البكاء فسكت وأشار بيده إلى الطعام رافضا. ولكن "صموئيل" و"تريزة" لم يمنحاه فرصة الهروب، فجلس. كانت "تريزة" تضع له الطعام في فمه وهو يحاول أن يرد يديها فتقسم بالرب والمسيح الحي أن يأكله . فلا يجد أمامه مفرا من تناوله. من بعيد جاء صوت الأب "بشاي" ينادي على "جرجس" و"صموئيل". انتفض "جرجس" واقفا، و"صموئيل" قام بهدوء ورفع الغطاء من فوق المنضدة وغمس يديه في الماء ومر بها على فمه وقال لـ"تريزة":
• تسلم يداك أيتها الأخت الصالحة.
• شكرا على مساعدتك أيها الأب.
أبتسم لها ثم خرج، وضع"بشاي" يده على ظهر"جرجس"ونزلوا إلى حوش الدير، ثم أشار لـ"صموئيل" إلى بعض الورق وقال له :
• يوم واحد أيها الراهب، يتغيب فيها شماسنا الكبير يحدث هذا في حوش الدير. يا لك من حازم أيها الشماس.
ضحك "جرجس"ونزل "صموئيل" ولم الأوراق المبعثرة في الفناء وهو يقول بصوت عال :
• تعلم جيداً أيها الأب أننا لا نستطيع شيئاً بدون هذا الشماس .
حين ذلك جاء صوت"متّى" من بعيد وهو ينزل الدرجات الثلاثة قائلاً :
• أستطيع في المسيح كل شيء .
لم يعلق الأب أو"صموئيل"على تلك الجملة التي خرجت من فم"متّى" الذي كان يريد أن يضحك فقط ولم يرد أن يجعلهم متوترين فلم يستطع الوقوف معهم وأستأذن من الأب أن يدخل إلى المكتبة لوصول طرد جديد اليوم، ويجب أن يفهرسه. فأومأ له الأب برأسه. في المساء ذهب "صموئيل" مع "جرجس"إلى منزله.
كانت "تريزة" قد أعدت العشاء. تكلموا كثيراً عن الأب الذي ترك وراءه خمساً من البنات وثلاثة من الرجال أصغرهم "جرجس"وترك قلباً لم يدخله "جرجس"تسعة عشر عاماً . عندما أختلت "تريزة" وسكبت ماء عينيها على رأسه وهو يحاول التملص، حتى تستريح أنفه التي تريد التنفس ولكنه كانت تحكم غلق يديها على رأسه دون أن تعرف أنه يتألم لموت أبيه ولعدم قدرته على التنفس . ظل "جرجس"طوال سبعة أشهر يعود في المساء ينام فوق زوج اليمام ويحاول المرور من فتحات السوتيان، ولكن عين أبيه التي لم يراها منذ تسعة وعشرين عاماً تقف له بالمرصاد. فما أن يشرع في عمل لا يقتضى من تلك العين إلا أن ترخى أهدابها .
فقط يرى عيون أبيه متهدلة الأهداب. فينقطع الحماس الذي ظل يعمل من أجله طوال النهار. كانت "تريزة" تعلم ما يعمل في صدره ومن أجل ذلك لم يشعل جسدها مرة واحدة خلال تلك الفترة. كانت تهادن ما بين رغبتها ورأسه النائم فوق صدرها .
كانت عيون الأب"بشاي" و"متّى" خلال تلك الفترة تلاحظ حركات "جرجس"القليلة وكلماته التي أصبحت نادرة، رغم أن عمله لم يتأثر بتلك الحالة التي اجتاحته وغيرت قلبه كثيراً ولكنه رفض أن يقوم بإعطاء أية عظة أو يتلقى أي اعتراف مع"متّى". كان يقول للأب"بشاي" :
قلبي ملئ بالديدان الشرهة ويخرج دموعه على خده وفى صباح أحد الأيام دخل عليه المقدس "رياض" بعد أن لف الدير كله. كان هو يجلس على السلم الطويل داخل صحن الكنيسة ويمشى بيديه الممسكتين بالمنشفة على الرسومات ليزيل عنها الأتربة والغبار. وبين الحين والحين يقف أمام صورة الرب التي لا يخطئ مكانها أبداً ويمشى بيده على وجهه وهو يقول له :
• كل شيء عائد إليك فارحم قلب أبى وقل له إنني جد أحبه .
ثم يمسح الماء المالح المتساقط من عينيه .
• أين أنت أيها الشماس . لقد بحثت عنك طويلاً ؟!
• هنا أيها المقدس . خيراً إن شاء الرب ؟.
• مبروك يا أبا .... ماذا ستسميه؟
أحس بشعور مختلف لم يدخل قلبه من قبل. ربما لأنه عاش في الدير لم يفكر في شيء يمت للشيطان ولكنه حين كان ينزل السلم فكر في أحاسيس تلك العانس الهائمة ببغالها التي سمع حكايتها من فم الأب"بشاي" في إحدى الليالي الحارة لحظة قال للأب:
• كيف تهيم بفعلتها التي تغضب الله كثيراً ؟!
فأحس بشبه ابتسامة ترتسم على فم"بشاي" وهو يقول:
• لم يمنحها الله الزوج الصالح .. ومنحها الشيطان شراً. فلم لا تهيم به حين يذهب قطها الشرس يبحث عن دفء آخر غير صدرها الخاوي من رائحة القطة .
فغضب حين ذلك "جرجس"من رد الأب"بشاي" الذي طبطب على ظهره وقال :
• إن مائة من أمثالك لهم القدرة ـ لا شك في ذلك ـ على تغير معالم قلوب مدينة كاملة تحترف نسائها البغاء ولكن عليك أن تعلم أيها الابن الصالح . أن الأقلية يحتاجون إلى الله لأنهم يملكون شيئاً أخر، والأكثرية يحتاجونه لأنهم لا يملكون شيئاً خالصاً. ولتعلم أيضاً الأكثرية يؤمنون بالله بسبب من الجبن، والقلة بسبب من امتلاء الروح . هل فهمت أيها الشماس الصغير ؟
لا يعرف لماذا تذكر الحوار وذاك الإحساس في تلك اللحظة، ولكنه قال وهو ينزل تلك الدرجات التي أحس بطولها لأول مرة في حياته. لابد أن ذلك الهيام كالشوق لرؤية ذلك الوليد هو نفس الشعور لدى الأنثى التي تهيم وتتشوق لرؤية ذكر يتبعها.
حين لمست قدماي الأرض ظللت لفترة أروح وأجي بين الدكك الخشبية والسياج الحديد الموشى بصلبان صغيرة .
دخل "صموئيل" وأمسك بيده ثم دفس رأسه في حضنه. كان دافئاً كعادته، أظنه لم يسمع صوتي حين قلت له أنا أب جميل وذلك الطفل هل هو جميل ؟ حين ارتاحت يدى على وجهه كانت عيونه مغلقة تماماً وأنفه صغيراً لا يشبه أنفى على الإطلاق ذلك البارز والذي كانت الأطفال تعايرني به، كانت ملامحه تحفر في القلب تماماً كما حفرت ملامح المسيح حين مشيت بتلك اليد البارزة على صورته، أنا أبوك أيها الطفل. قل لي . هل ترى وجهي الفرح للقياك، أم تراك مثلى أيها الطفل. لا تعذبني بمخبوءات جديدة. أنا أريد الآن أن أعرف هل عيناك عاطلتان كعيني؟ فقط . أفتحهم لي وسوف أعرف.
أمسكت "تريزة" بـ "جرجس"وأمسكت منه الغلام، حين رفع وجهه بانت الدموع فأحست "تريزة" بسهاما نارية تدخل قلبها فوضعت الغلام وأمسكت بيد "جرجس"، الذي كان يريد أن يعرف فقط. هل عيناه تعملان كطفل صحيح خال من الخيبات. أم عاطلتان من الجمال تماماً . حين أحس بلمس يديها التي راحت تمر على بطن الكف بحركات هو يعلمها تماماً. سحب يديه وهو يقول لها:
• يا لك من امرأة خالية من الحياء. ما لون عيني أبنى وهل يرى أيتها المرأة ؟
ضحكت "تريزة "التي لم تعرف كيف جاءتها فكرة ممارسة الحب واتحاد جسدها بجسد زوجها في تلك اللحظة .
فقالت له :
• لا تخف أيها الشماس الحزين دائماً .أبنك عيناه خضراوان تماماً وسوف يبص بهما عليك في كل لحظة ويخبرني عن أحوالك التي لأعرفها .
أمسك "جرجس"مرة أخرى بالغلام ومشى بيده على عينيه التي لا تزالان مغمضتان وقال له:
• رد علىَّ، أيها الطفل هل تراني قل لربنا . يا ربنا العظيم ضع في عين أبى قطرة بروزولين لمدة ثلاث دقائق حتى يراني .
هذه هي المرة الأولى التي يقول "جرجس"تلك الجملة التي سوف تضيع من رأسه ولن تعود إلا حين يقولها لـ" إبراهيم" الشماس الصغير، حين يمسك بيده بعد موت "مينا" أبنه الوحيد بأسبوع وهو في الطريق ألي مقبرة ابنه. حين يقول له :
• أيها الشماس ضع في عيني قطرة بروزولين حتى أرى ما كتب على حجر أبنى، طالما أبى لم يحط لي القطرة لمدة ثلاث دقائق حين قلت له ذلك منذ ثمانية عشر عاماً .
فيقول " إبراهيم ":
• كتب على الحجر، هنا ينام ولد جميل، كان أسمه"مينا جرجس"، كان طالب علم، وراهباً صالحاً يقرأ الإنجيل كل يوم، وقد عمل كادحاً وكان طيب القلب. هو الآن ميت تماماً. لم يخلف شيئاً على الإطلاق لأنه لم يعمل نهاراً خالص، لم يكن عجوزاً، تجاوز الثمانية عشر عاماً بيومين. كان ممكناً أن يستمر ولكن الأب أراده ليجلس جواره في السماء. وكان ذلك في صباح الأحد. عشية سبت النور .
أراح "جرجس"الطفل بجوار "تريزة" ثم سألها عن أسمه فقالت :
• "صموئيل" أو"بشاي" !
• بل "مينا" الآن على الأقل وإذا أراد أن يدخل الدير. فليكن أسمه ما يختاره.
وضعت "تريزة" رأسها على الأرض، ثم رسمت علامة الصليب على رأس الصغير وقالت :
• "مينا " أسم حلو . "مينا" . "أم مينا" . روح يا " مينا "، تعال يا " مينا " ورب " مينا " أسم حلو خالص يا "جرجس". من أختاره لك ؟!
• لم يختر أحد أي اسم ولكنني حلمت بذلك الاسم .
دخل الأب"بشاي" على "تريزة" في اليوم التاسع وأمسك بالطفل الصغير ورسمه بزيت "نيرون" ثم أخذه في حضنه وضمه إليه ثلاث مرات وفى المرة الرابعة أثنى رموشه على ماء في العين يريد السقوط، ثم وضعه بجوار "تريزة"التي قالت :
• أدع له يا أبت، ولي. لأن اللبن قليل .
فوضع يده على رأسها وردد كلمات بلغة لم تفهمها "تريزة" ولكنها في المساء قالت لـ"جرجس":
• لقد فاض اللبن ونام الولد دون أن أمنحه بعض الكراوية.
أمسك "جرجس"بالحبل المدلى من سقف الكنيسة وشده بهدوء وأرخاه معلناً صلاة الصبح، وقف الأب يلقى بالعظة، ثم هدأ صوته وأنقطع مرة واحدة، ثم نادى على"أم مينا"، وقف "جرجس"الذي كان يجلس على الكرسي الخشبي جوار المذبح. حين كان الأب يلقى العظة، كان قد مضى على "تريزة" أكثر من شهر لم تدخل فيه الكنيسة. تقدمت " تريزة" وهى تحمل "مينا" فوق يديها وتغطيه بقطعة قماش بيضاء مرسوم عليها الصليب دون تركيز إذ أنه غير مستقيم من أعلى ومائل من الجنب، رفع الأب قطعة القماش ثم قبل "مينا" بين عيونه، ثم قال للحاضرين:
• اليوم سوف يتم تعميد "مينا" أبن الشماس "جرجس".
الذي كان حين ذلك فاتحاً فمه. لا يعرف لماذا أتت "تريزة" بذلك الغلام. رغم أنها لم تقل له شيئاً، نادى"بشاي"على "جرجس"وأمره بإحضار الزجاجة من جيب الشنطة المعلقة في قلايته.
أزاح بعض الرهبان الحجر الذي يرتكز على الهيكل، وضع "جرجس"زجاجة الزيت في يد الأب دون أن يراها أحد. فأمر الرهبان بإقامة صلاة التعميد للطفل.
كان المصلون يرقبون الموقف باستغراب كبير. حيث أن الجو بارد ولا يستطيع طفل صغير أن يتحمل ذلك الماء البارد على جسده دون أن يصاب بنزلة برد. كما أنها المرة الأولى التي يقم فيها تعميد طفل دون أن يعلن ذلك في لوحة الإعلانات المعلقة على حائط الكنيسة من الخارج، رفع الأب"بشاي"ملابس الطفل، ثم غمسه في الماء مرات ثلاثة دون أن يصدر عن الطفل أي صوت. حتى ظن الحاضرين أنه جثة هامدة بين يديه أو دمية، ثم أخرجه من الماء ورسم على جبينه علامة الصليب بزيت "نيرون"، ولفه في الشاش الأبيض وأعطاه لـ"جرجس" الذي قبله في رأسه،أمسك "بشاي" بيد "جرجس" ثم قال بصوت سمعه كل الرهبان الواقفين جواره.
• أنت أبو ذلك الغلام الذي ظهر عليه بعض العلامات التي أوصى بها ذلك الذي تحمل خطيئة ابن الإنسان . فاعمل من أجله كثيرا أيها الشماس. وحافظ عليه. فلقد قال عنه المسيح أنه سيعيش قليلا ليفرح القلوب المحزونة. ثم يأتي إلي حين لا تعمل يدي في الماء وتصبح عاطلة عن تحويله إلى خمرا.
أرتعش بدن "جرجس" لذلك الكلام . كما أرتعش كل الواقفين جواره، حين أمسكت "تريزة" بـ"مينا" وراحت تقبله يمينا وشمالا، ولكنه كان يعلق بصره إلى أعلى في اتجاه صورة المسيح الجالس وجواره الحواريون. فكادت أن تموت خوفا على الطفل الذي لم يبك كالأطفال حين يرش عليه الماء، وهو الذي عمد في الماء ثلاث مرات. كيف لم يبك! وفي المساء حين أخبرها "جرجس" بكلمات الأب، رسمت علامة الصليب وقالت:
• ليحرسه ملاك الرب لنا من كل سوء، فسوف يكون عصا لنا حين تتعطل قدمينا أيها الشماس.
فبكى "جرجس" الذي أخفى عنها أنه سوف يموت صغيرا. حين تتعطل يد المسيح عن العمل، فسألته عن سبب بكائه ؟ وهو الذي أنجب ذلك الطفل الذي أوصى به المسيح، فحاول أن يسكتها ولكنها ألحت عليه، فراح يحكي لها عن تذكره لأبيه وكيف أنه لم يكن عصا لقدميه حين شلت. فطبطبت عليه وراحت تواسيه وهو يبكي لكلام الأب "بشاي". وكلما حاولت تهدئته كانت دموعه تزيد وتأتي من حيث لا يدري.
تغيرت أحوال "جرجس" منذ أن سمع تلك الكلمات من فم "بشاي". تلك الكلمات التي أذهبت النوم من عينه فلم يعد يؤدي أعماله بإخلاص وضمير. وإن ظلت أوامره قائمة رغم مرور الأيام وتجدد الرهبان، ولكن "صموئيل" الذي كان يرقب تلك الأحوال بخوف. كلمه كثيرا في تغير حالته ولكنه قال له جملة أخرسته تماما ولم يعد يحدثه بعد ذلك في تغير حالته. ظل "صموئيل" يفكر في تلك الجملة ثمانية وثلاثين عاما حتى بعد أن خرج من الدير. لما علم بوفاة "مينا" أبن "جرجس" . كان صوت "جرجس" مملوءا برنين خاص. لم يستطع "صموئيل" أن يحلله برغم مضي السنوات.
وقف الأب "بشاي" أمام المذبح بعد خمس سنوات من تعميد "مينا" ليعمد أبن المعلم "رياض" الأخير. ذلك الطفل الذي تم تسميته باسم "مينا" أيضا ولكنه حين وضعه في الماء خرج صوت الطفل الصغير يفوق صوت سبعة من أقرانه. فضحك "بشاي" وقال له:
• لن تكون كابن عمتك أبدا أيها الطفل.
حين ذلك دمعت عين "جرجس" . فأمسك به الأب ودخل إلى الحجرة الغربية وقال له بعد أن أجلسه على الكرسي:
• ما الذي قلبك أيها الابن الصالح والأخ الجميل ؟
حكي له "جرجس" فوضع الأب"بشاي"يده على رأسه وقال:
• لمَ لم تقل لي أن ذلك جعلك هكذا، أيها الشماس؟ هذا كتب في كتاب الرسل. ولكن لتعلم أن ذلك الغلام الذي تكلم عنه أبونا منذ ألف وتسعمائة وخمسة وستين عاما. منحه علامات كثيرة, أولها عدم البكاء ولقد عمدت أنا بيدي هذه أكثر من ثلاثة أطفال ولم يبكوا كـ"مينا"، فلم يكون ذلك هو"مينا" أنا لم أقصد أن أحزنك بل أفرحك. فإن كنت لا تريد لأبنك أن يكون هو هذا الابن فهذا شأنك، ولكن أعتمد على الله أيها الشماس وأترك وساوسك وعد إلى عملك .فقد مرت خمس سنوات وأنا أتابع عمل يديك ولا تؤاخذني ولا تعتب عليّ أيها الصديق. أنا فقط أقول لك ما لا تراه، أنت تضيع عمل يديك، لم أكن أعرف أنك هش هكذا. أبدا لم أكن أعرف يا " جرجس ".
أنت عمل يدي، فكيف تخطئ يدي أيها الشماس ! قم الآن وأمسح عيونك وابدأ من جديد. من أجل "تريزة" ومن أجل" مينا "وفوق ذلك من أجل ذلك المسيح.
أمسك "جرجس"بيد الأب وراح يقبلها ثم خرج من الحجرة مسرعاً، في الطريق شم رائحة "صموئيل"فوقف أمامه ثم أمسك به وأحتضنه ثم ذهب إلى البيت .
كانت "تريزة" تقف في الصالة، وعلى الأرض طشت الماء المليء بالملابس المتسخة، حين رأت "جرجس"أمامها أنتابها إحساس بالخوف، فلم يكن يعود إلى البيت في الصباح هكذا ـ وهى التي كانت معه منذ ساعة أو أقل، والأب"بشاي"يغمد أبن أخيها .فلمَ عاد؟!
حين سألها عن" مينا "قالت له:
• أنه مع خاله .
فاندفع خارجاً، فوقفت مذعورة ونطرت يدها من الصابون العالق بها ثم وضعت الطرحة السوداء على رأسها وجرت إلى بيت أخيها الذي لا يبعد عن بيتها إلا مسافة صغيرة. حين رأت "جرجس"ممسكاً بـ" مينا " أوقفت اندفاع قدميها، وسألته ماذا هناك ؟ فقال:
• لاشيء، أريد أن أريه رسم الأب حزقيال الذي في قبة الكنيسة. ثم فر من أمامها وهى تضرب كفاً بكف وتسأل في نفسها ما الذي أنار وجه "جرجس"هكذا ؟ ولماذا يجرى كعادته السابقة ؟
نادى "جرجس"على بعض الرهبان كي يساعدوه في دخول السلم الطويل في صحن الكنيسة، فساعدوه ولكن الأب"متّى" الذي كان في تلك الأيام قد أخذ مكانة كبيرة في غياب"جرجس"، سأل عن سبب دخول هذا السلم رغم أن موعد التنظيف لم يحن. فرد عليه الشماس وقال له:
• هذه أوامري أيها القس .
فلم ينبس بكلمة ومضى إلى المكتبة وهو يهز رأسه، أمسك "جرجس"بـ"مينا" وراح يمضى بيده على الرسم وهو يحدد لـ" مينا " الشخصيات. وعندما وقفت يده على وجه المسيح قال لـ" مينا " :
• هذا إلهنا وأبونا الذي يعمل من أجلنا .. أجعله أيها الطفل في قلبك تجده أمامك وخلفك.
كان " مينا " لا يفهم كل الكلمات الخارجة من فم "جرجس". ولكنه كان يردد ما يقوله الأب ويتطلع إلى تلك الرسومات التي كثيراً ما وقف تحتها ليحدد مكان الأسد، ولكن الشمس التي تأتي من الزجاج الملون بالأصفر والأحمر، والمرسوم عليها صلباناً سوداء. كثيراً ما غيرت مكان الأسد . فلم يستطع تحديد مكان واحد لذلك الأسد.
حتى في المساءات حين تشتعل الفوانيس، فقد كان وجه الأسد يتحرك مع خيالات برموشه الطويلة التي تقف تحت الرسم . نزل "جرجس"من على السلم الذي تحرك كثيراً تحته، وكاد "مينا" أن يسقط من بين يديه أكثر من عشر مرات، ورغم ذلك رفض أن ينزل إلا بعد أن مشى بيديه على تلك الرسومات، وتأكد له أن "مينا" الصغير قد حفظها ويريد النزول.
كانت "تريزة" تتابع تصرفات "جرجس"، فلقد أخذ منها الغلام وجرى إلى الدير. ومضى وقت كبير و"تريزة" تتابع تصرفات "جرجس"بقلق منذ مولد"مينا" أبنهما الوحيد. وفى تلك اللحظة التي أخذ فيها "مينا" من بين يد خاله وجرى. كان يعود في العاشرة مساءً من الدير، يجلس على السرير ويروح يردد بصوت منخفض بعض الإنجيل. وعندما يتأكد أن تنفس "تريزة" قد انتظم تماما، تروح قطرات الماء تنزلق من عيونه وهو يضع يده على جسد"مينا "كانت "تريزة" تراه وهو يفعل ذلك ولكنها تكتم لوعتها حرصاً منها على عذابه النبيل. في البداية تهيأ لها أن موت أبيه هو الذي صنع به هذا، ولكنها بعد فترة راحت تفكر أن"جرجس"نادم على زواجه منها وأنه كان يريد الطلوع إلى الجبل، وهى التي كسرت أحلامه، حين ذلك كانت تشاركه البكاء دون صوت.
حاولت كثيراً أن تعرف ماذا أصابه من القس "صموئيل" أو القس"متّى" الذي توترت علاقتها به منذ أن قال لها " أمنحى "جرجس"غلاماً من الهواء لمدة شهرين فقط . لأنه لا يجوز له الخروج إلى الجبل"، بعد تلك المدة.
ولكنها في المساء دعت الله العظيم بقلب صافى وحب يملأ روحها، آن يمنحها غلاماً من صلب "جرجس"حتى تمنحه السعادة . وكان ملاك الرب حاضراً في تلك اللحظة فأخذ الرسالة ورماها بين يد الرب الذي استجاب لها على الفور.
ولكن إجابات الأب "صموئيل" و"متّى" عن أحوال "جرجس"التي تغيرت دون أن يعلم لذلك سبباً قد جعل عقلها يفكر أن هناك امرأة أخرى في حياة "جرجس". وربما تعود تلك العلاقة إلى قبل دخوله الدير. وعندما ذهب إلى أبيه راءها فأعادت كل أحلامه الضائعة ومن أجل ذلك هو حزين.
واستطاعت تلك الفكرة أن تمتلك كل رأسها وراحت تعمل في روحها التي شاخت في تلك الأيام . وكانت الأمسيات التي ينام فيها "جرجس"في حجرته داخل الدير هي المتسع الكبير لخروج صوتها الشجي المحمل بالدموع إلى مساحة الحجرة الخالية من الكلمات الجميلة منذ خمس سنوات، وكثيراً ما تلصصت على "جرجس"لتعلم أنه في الدير وليس في مكان أخر.
فحين يقول لها في الصباح أنه سوف ينام اليوم في الدير ، تخرج في الثانية عشر مساءً من بيتها وتمر من الأرض الزراعية حتى تتجنب الدخول من باب الدير الذي يحدث صوتاً بمجرد مرور الهواء من بين ضلفتيه وتطمئن على أن "جرجس"داخل حجرته، وتعود لتعترف أمام تلك الصورة النائمة على جدار حجرة النوم للمسيح وهو مصلوب على الصليب المقدس. وتدعوه أن يخرج تلك الوساوس من رأسها، ولكنها حين تخرج الكلمة من فم "جرجس"أنه سوف ينام في الدير. تنسى تلك الصورة النائمة فوق الجدار ووقوفها أمامها والدموع تملأ عينيها وقسمها أمامها أنها لن تعود إلى تلك الفعلة مرة أخرى وتعود لتمر من تلك الأرض التي كثيراً ما كانت المياه تغمر طينها فتحط الرحال فوق قدميها وملابسها لتطمئن أن"جرجس"نائم داخل الدير وليس في مكان أخر ،أكثر من أربع سنوات على الأقل مرة أسبوعياً إذا لم تكن مرتين .
ورغم ذلك لا تستطيع أن تخرس تلك الوساوس، ولم تستطيع أيضاً أن تعود دون أن تقف أمام تلك الصورة لتعترف لها، وتظل تبكي وتقسم لها وللواقف في وسطها مصلوباً على الصليب أنها لن تعود إلى فعلتها مرة أخرى ، ولا تسكت عن تلك التوسلات والدموع إلا حين تسمع صوت"مينا" الصغير وهو يبكى وينادى عليها، فتجرى إليه تاركة توسلاتها في يد الملاك كي يرفعها للمسيح . وترفعه من السرير وتدفسه في حضنها قائلة له:
أن أباه يسلم عليه ، وأنه في الصباح سوف ينتظر إفطاره من يديه. فتضحك عيون الطفل المليء بالمياه .
ويبدو أن لتلك الصورة ملاك نزل من السماء ليؤنس وحدة تلك السيدة المليئة بالخوف والحب ويبدو أنه اصلح لها جرجس والله اعلم.
ورغم أنها عاشت ثلاثة عشر عاماً. بعد ذلك اليوم الذي أمسك فيه "جرجس"بـ"مينا" وجرى إلى الدير حياة مستقرة وجميلة، أعادت إليها أيام الزواج الأولى.
حين استقرت للمرة الأولى في صدر "جرجس"وعرفت كم هو طيب أكثر مما تصورت. إلا أن تلك الأيام تركت رأسها من أثر وقائع كثيرة في تلك الليالي المظلمة التي تخرج فيها لتتأكد من وجود "جرجس"في الدير، وتفاجأ بكلب أو قطة تجرى مسرعة أمام قدميها فلا تستطيع أن تخرج صوتاً يعيد إليها هدوئها، فكانت الشعيرات تنبت تعويضاً عن ذلك الصوت كما أن تلك الأيام قد تركت جرحاً في القلب لم يندمل رغم أن الثلاث عشرة سنة التي تلت تلك الأيام كانت أياماً جميلة أعادت إليها ضحكتها ودفء صدر "جرجس"الذي لا يعادله أي دفء آخر، رغم أنها لم تعرف على مدار عمرها أي صدر أخر، وكثيراً ما قالت لزوجة أخيها أن دفء صدر "جرجس"ليس كمثله دفء ولو كان هذا الصدر. صدر الأم. التي حرمت منه منذ سنوات عديدة.
ولقد ظلت تلك الأيام هي كل ما تحييا عليه حين خطف الموت أبنها وزوجها بعد تسعة عشر يوماً، ذلك الزوج صاحب الصدر الدفيء، ومن يومها ظلت تنتظر الموت في بيتها في العام الأول ولما يئست من حضوره. خرجت تبحث عنه عند العصافير الصغيرة. وكثيراً ما ضحكت على أفكارها الخائبة من أن "جرجس"كان يحب واحدة غيرها، وتبكى كثيراً حين تخرج جلباب "مينا" ولا تشم فيه رائحة أبنها الذي خطف منها صدر زوجها الذي مات بالحسرة على أبنه، وتركها بعد تسعة عشر يوما فقط من موت "مينا" وهو الذي كان عليه أن ينتظر بعض الوقت ليزيل عنها ذلك الحزن الذي علق بفمها وجعل ريقها مرا دائما. رغم أن زوجة "رياض" أخيها كثيرا ما بللت ذلك الريق بكوب من الليمون ولكنها تحس أن السكر المذاب داخل الكوب لن يقدر على تغير طعم المر العالق بفمها. وظلت ثلاث سنوات وهي المدة التي عاشتها بعيدا عن "مينا" و"جرجس" تكلم الطيور حتى وجدها أحد الرهبان في البئر الذي أمر الأب "متى" أن يقيمه بعد أن جفت عين "ماريه".
وعندما فتح "رياض" البيت بعد موتها وجد صورة المسيح على الأرض وجوارها قميص "مينا" وجلباب "جرجس"، وحين قرب جلباب "جرجس" من أنفه وجده معطرا بالمسك . فتركه يسقط على الأرض كما كان، ثم أمسك بملاءة بيضاء ينام في وسطها غزال بري وجرى حيث تنام "تريزة" جوار المذبح ووضعها عليها. ثم أدخلها في صندوق بني اللون موشى بالأرو دون أن يكون بغطاء الصندوق مسمار مدبب . كما أمر الأب "متى" أسقف الدير الذي صلى عليها بنفسه. رغم أنه منذا جلس على كرسي الدير منذ ثلاث سنوات رفض أن يصلي هو بذاته على أي إنسان.

القسم الخامس

" ما هي نهايتي حتى أصبر نفسي "


عاد "جرجس"إلى البيت حاملاً "مينا" فوق كتفه، ممسكاً بأطراف متعبة والطفل يكركر من الضحك حين شاهدتهما"تريزة" ضربت كفا بكف، وقالت بصوت تعمدت أن يسمعه "جرجس":
• سبحان مغير الأحوال !!
ضحك "جرجس"للمرة الأولى منذ خمس سنوات وقال لها :
• مينا جائع جداً، فهل أحضرت لنا الطعام ؟
جرت إلى لمطبخ وعادت مسرعة وهى تمسك بصينية عليها بعض الطعام، حين وقفت أمام "جرجس"الذي كان جالساً فوق الحصيرة المصنوعة من الخوص، قال لها "جرجس":
• في الحقيقة "مينا" غير جائع، ولكن أنا الذي أحس أنني لم آكل منذ خمس سنوات .
أصابت الكلمة قلب "تريزة"، وأصابت الوقت بالضبط كان قد مر خمس سنوات على أخر مرة قال لها أنه جائع، وخمس سنوات لم تر ضحكته، وخمس سنوات لم تمارس الحياة.
وضعت الصينية على الأرض وحلفت بالمسيح الحي أن لا يمد يده حتى تعود، دخلت مرة أخرى إلى المطبخ ووضعت يديها في برطمان السمن ولم تنتظر أن تمسك بالمغرفة لتضع في الطبق بعضاً منه. ثم وضعته على النار وأمسكت بست بيضات وكسرتهم في السمن التي تصنع على الأقل ثلاثين بيضة في الأيام العادية، لم تشعر أن يديها قد احترقت من النار وهي ممسكة بالطبق دون قطعة قماش ووضعت على الصينية الطبق وقد صنعته بشوق وحب ثم قالت لـ"جرجس":
• بالهناء والشفا .
كان يمسك بقطعة الخبز ويغرسها في السمن المنساب كالماء ويضعها في فمه دون أن ينتبه إلى أن بعض القطرات تتساقط على جلبابه الأسود، ثم تتسع بمرور الوقت حتى بدا الثوب كله بقعة واحدة تشعبت. كان "مينا " ينظر إلى أبيه الذي يأكل بشكل فوضوي غريب وهولا يعرف ماذا يصنع، و "تريزة" التي تملأ الفرحة قلبها ووجهها تضع بين الحين والأخر لقمة صغيرة في فم"مينا" الذي كان يتلكأ في مضغها حتى أنه لم يستطع فتح فمه حين مدت "تريزة" يديها إليه دون أن تنظر إليه، فلما رفض اللقمة حولت نظرها إليه فوجدت فمه المليء باللقيمات الصغيرة وهو ينظر إلى أبيه دون أن تعمل أسنانه على تلك اللقيمات، فضربته على قدميه وقالت له :
• كل دون أن تنظر لأبيك.
حين ذلك ضحك "جرجس"وكان فمه مليئاً بالطعام، فشرق، فأمسكت بالقلة وهى تقول:
• أخشى أن أكون حسدتك يا أبا
كانت كثيراً ما نادته بذلك الاسم ولكنه رفع وجهه إليها كأنه يريد أن ينظر إليها، أو يتمنى أن يأتي النور ليرى ذلك الوجه، ثم قال لها:
• الله على أبا ده . طالعه منك زى السكر . يا ريتك تناديني بها على طول.
ابتسمت "تريزة" وهى تقول له :
• من يوم ما عرفتك وأنا أناديك بها على طول.
فهز رأسه كأنه يريد أن يرمى كل هذه السنين الطويلة التي مضت وهو لا يحس بكل هذا الحب والفرح.
كان موعد صلاة المساء قد آن أوانه، حين دخل "مينا" على أبيه النائم جوار "تريزة" وشد يده وهو يقول له :
• الشمس غابت أنت مش هاتضرب جرس الكنيسة النهار ده ولا إيه يا أبا .
أنتفض "جرجس"ووقف كالمذعور، نزل على ركبتيه يبحث عن الحذاء لأول مرة في حياته منذ أن تعلم أن يضع الحذاء في قدميه. سمع "تريزة" وهى تقول له :
• أنت هاتروح الدير من غير ما تستحما !
انتبه إلى ذلك فخلع الجلباب ورمى به على السرير، ودخل إلى الحمام، ولم ينتظر الماء الساخن التي وضعته "تريزة"على النار، نادى عليها، فدخلت إليه بالغيار وجلباب نظيف، فارتداه على عجل وجرى إلى الدير من الطريق الزراعي الصغير الذي يفصل بيته عن الدير.
كان "مينا" يمسك بيد أبيه حين شم رائحة الأنبا"بشاي"الذي كان يضحك على هيئته وملابسه غير المهندمة كعادته، حتى أنه لم يرتد فوق رأسه أي شيء، امسك بيديه وقال له :
• لا تتعجل أيها الشماس. أدخل حجرتك وأرتد طاقية وسوف نؤخر الصلاة قليلاً ريثما تهندم جلبابك، ثم ضحك وأخذ من يده"مينا" الذي كان يمسك بيد"جرجس"بضمير، ودخل إلى الحجرة الخاصة برئيس الدير.
راح يحدث "مينا " في أشياء أكبر من سنه كثيراً، ولكن الغلام كان يستمع له بعقل واع ويفهم كل الأشياء التي عن الرب والروح القدس والعذراء. هؤلاء الثلاثة الذين مر بيده عليهم في الصباح.
حين أمسك بيد أبيه التي كانت تمر على كل واحد فيهم ويخبره عن أشياء لم يكن يعلمها . ولكنها أشياء أحبها كثيراً في الأعوام الأولى من عمره حتى أتم الخامسة عشرة من عمره وابتدأ يحبس نفسه في المكتبة التي يشرف عليها الأب"متّى"، الذي أختار له مجموعة كتب جعلت تلك الأشياء الجميلة التي حفظها من أفواه الأب "بشاي" و"صموئيل" و "جرجس"تبدو أشياء ساذجة وتافهة بجوار ذلك الجمال الروحي لذلك الخالص.
كان قد دخل المدرسة الثانوية الموجودة على بعد نصف ساعة من الدير وأصبح متفتحاً أكثر على العالم الأخر الذي يشارك فيه. وصار له أصدقاء كثيرون من زملاءه المسلمين، هؤلاء الذين غيروا كثيراً من ثوابت الكلمات التي حفظها عن ظهر قلب. وإن كانت حالته النفسية قد طرأ عليها تغير، فلقد ظل كما هو . دمث الخلق وكثيراً ما وقف لذلك العجوز لكي يجلسه في مكانه دون أن يعرف أنه مسيحي مثله، كان الوحيد الذي يعرف ما يدور بعقل ذلك الفتى الذي أحب المخلص كحبه لذاته. ولكن من خلال ذلك الادعاء بأنه لم يصلب، هو الأب "متى" ، الذي راح يمده بكتب عن الأديان وعلم النفس، و"صموئيل"غائب تماماً عن فعل"متّى". حتى "جرجس"ذاته كان يحس أن "مينا" في طور التكوين ولكنه لم يكن يعلم أن ذلك الإيمان الذي يعلمه في صدره لمدة خمس عشر عاماً أو يزيد. من أن المخلص قد صلب. قد بدا في الاهتزاز. لعلمه أن عالم الدير هو عالم الهروب فقط.لكل صدمات الحياة . وأنه في الطريق إلى رفض أن يعيش في هذه الحياة المزيفة تلك، رغم إيمانه الكبير بالله والمسيح.
كانت الحياة تمر داخل الدير بنفس الرتابة التي ظلت عليها منذ أن رآها للمرة الأولى الأب " بشاي " يعتكف في قلايته بالشهر، و"متّى" مازال يحلم بالكرسي ، و "صموئيل" في عالمه الطيب، و"جرجس"يعمل بيديه من اجل أن يظل ذلك الدير جميلاً في عيون هؤلاء الزائرين، الذين يتوافدون في الأعوام الأخيرة والذين دائماً ما يأتون وقد عمل الجوع فيهم. وعند ذلك تكون يد "جرجس"ترتفع في وجوه الرهبان ليقوموا بوضع تلك المائدة التي صارت عبء يومياً لكل الرهبان الذين زاد عددهم في الأعوام الأخيرة حتى وصل عدد الذين يقومون بالخدمة في المطبخ الذي أتسع في العام الفائت عشرين راهباً.
و"مينا" يعود من المدرسة في الثانية، فيغير ملابسه ويأكل ثم يراجع واجباته وينام ساعتين ثم يخرج إلى الدير ويجلس في مكتبته الدير، ويكون في انتظاره الأب"متّى" الذي يمده بالكتب الفلسفية والدينية، فيعكف عليها حتى صلاة المساء، يصلى ويستمع إلى عظة المساء. التي هي أشبه ما تكون بكلمات فارغة من العمق لتصل إلى هؤلاء الذين لا تدخل رؤؤسهم كلمات ذات معان كبيرة.
وفى تلك الأيام أقام"مينا" علاقة بزميلة له تدعى "لينا" وراح يفكر فيها كثيراً، ولم يعد يحرص على موعد المكتبة. وظلت تلك العلاقة في النمو إلى أن أصيبت"لينا" بحمى شوكيه وماتت، أو هذا ما قالوا له .
عند ذلك عاد"مينا" مرة أخرى للمكتبة ولكنه عاد دائماً مشغولاً بذلك السؤال الذي غير ملامح جسده ! لماذا الموت قبل سن التكوين ؟ ولماذا تموت الطيور الجميلة ؟!


لماذا تموت الطيور الجميلة

حينما ماتت "سعاد" في رواية " كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد " جاءني نفس السؤال، ولقد طرحته على هيئة سؤال مجازي.
حين سأل"سعيد" أباه ذلك السؤال"أنت بلغت الواحد والخمسين، وسعاد لم تبلغ الواحد والعشرين. مع من يلعب "عزرائيل" الطيب يا أبى ؟ "
ورغم أن السؤال منطقي جداً. لكن لم أقصد ذلك حينه، كل ما قصدته هو لماذا تموت الطيور الجميلة ؟ !
ربما لم أنتبه إلى ذلك السؤال في حينه، فـ"سعاد" كان لها أب عمره واحد وخمسون عاماً وأم تجاوزت الأربعين بشهور وأخ عمره ثمانية وعشرون وأخت أربعة وعشرون ربيعاً، ثم أن سعاد هذه هي أجملهم تماماً كـ"مينا" هنا هو أجمل شخصية داخل الرواية.
فلماذا يموت دون الأب"بشاي"مثلاً وهو الذي تجاوز الثمانين، أو على الأقل الأب "جرجس"ذلك الأعمى الذي أخذ من الحياة كثيراً، ثم كان هذا السؤال الأكثر دافعاً للدموع. لماذا في هذا التوقيت من العمر فـ"سعاد" ماتت دون الواحدة والعشرين، و"مينا" لم يبلغ التاسعة عشرة. فلماذا يلعب"عزرائيل"تلك اللعبة القذرة ؟ ولماذا يسكت الرب على تلك الألعاب الصبيانية من ذلك الملاك ؟
ورغم أنني طرحت هذين السؤالين. إلا أنني حتى الآن لا أعرف لهما إجابة. غير أن الله يحب الصالحين، ويخاف أن يتركهم لهؤلاء المخربين، المستعدين تماماً لمن تزل قدماه.
وهكذا أيضاً في علاقة "لينا" بذلك الفتى الجميل، ورغم أن العلاقة تبدو في جوهرها علاقة حب أفلاطوني. فحين يلتقيان تحمر أذن"مينا" وأطراف أصابعه تروح ترتعش، أما "لينا" فكانت خدودها تمسك بلون الورد الأحمر ولا تتركه أطلاقاً.
وحين ذلك يستطيع أي إنسان بعد أن ينظر إليهما أن يقول"هذان بعيدان عن مملكة أبن الإنسان"، ولكن العلاقة لم تتم، فلقد ماتت"لينا" اثر حمى شوكيه، وإن قيل أنها ماتت أثر حريق. وحتى موت"مينا"ظل ذلك الموت مفاجئاً له ولا يعرف الحقيقة. رغم أن "جرجس"نفسه كان موجوداً وقت الغسل ولكنه لم يقل شيئاً لأبنه الذي في الوقت ذاته لم يسأله. وهكذا تموت الطيور الجميلة دون أن نعلم. لماذا ؟ !
ولم يكن"مينا" حين ذلك يعلم أن ذلك السؤال نفسه سوف يطرحه"جرجس"و"تريزة" والأب"بشاي"و"متّى" و"صموئيل". حين يعلمون بموت"مينا".
القسم السادس

لمن تترك يدي حين تسيرني في الظلام ؟




حين دخلت أختها الصغيرة "منال" والتي تزوجت منذ أربعة أعوام وجدتها ممسكة بجريدة مدارس الأحد وتقرا فيها .
• في واحد قسيس عوزك يا "ماجدة"
كانت الفترة الماضية قد توترت فيها العلاقة بين "منال" و"ماجدة" وساعد على زيادة حالة التوتر هذه "موريس" زوج "منال" الذي أحب "ماجدة" وعندما فشل في أن يتزوجها. تزوج من "منال".
• أسمه أيه يا "منال" ؟
• معرفش ! بيقول أنه جاء من دير مش عارفه أسمه أيه كده المعترف في"أسيوط"، كانت صفحات الجريدة التي تحافظ على شرائها "ماجدة" منذ أكثر من سبع سنوات وتضعها بترتيب في درج الشفنيرة الأوسط، وتخرجها كل فترة لترفع عنها التراب، وكادت أن تنهي علاقتها بأختها وزوجها ذات يوم بعد زوجها بشهر. لما وجدت أحد الأعداد القديمة. حين دخلت المطبخ فوق الرف الموضوع عليه الأكواب. فانتفضت ثم صرخت منادية على "منال" فخرجت بقميص النوم منكوشة الشعر، ويظهر من خلال القميص الذي لا ترتدي تحته أي شيء أعضائها . وورائها "موريس" ببنطال وفانلة بحمالات، فلما وجدتهما هكذا ، قالت لهم:
• أدخلوا أيها الخرفان ارتدوا ملابسكم وتعالوا أكلمكم، فانهزم قلب "موريس" للمرة المليون. وهو الذي أحست به كثيراً يتلصص على أن يرى مجرد شعرها من تحت الإيشارب الذي لم يفارق رأسها منذ عرفها، وإن كان قد عرف بعد الزواج أن "ماجدة" تشتري من ذلك النوع دسته كل عام. ثم أمسكت بأطراف الجريدة التي شرشرتها "منال" بمقص رديء كما يتضح من أثره على المربعات والمسدسات الغير متوازية أو متقاربة الأشكال ثم جذبتها بضربة واحدة من يديها فانسحبت الجريدة من تحت الأكواب بيسر وسهولة دون أن ينكسر كوب واحد. رغم أنها لم تكن حريصة على كل الأكواب أو الملاعق ولكنها حين أمسكت بالجريدة بين يديها رسمت علامة الصليب. حين ذلك دخل "موريس" الذي نظر إلى الأكواب والملاعق النائمة على الرف الخشبي بتلك الرصة التي وضعها بالأمس. رغم أنه لم يغب عن الحجرة أكثر من دقائق محدودة. وهو الذي أستمر أكثر من ساعة كاملة حتى أرتضى شكلها الأمثل. كما صرح لـ"منال" حين خبطته على مؤخرته لتأخره في وضع الأكواب.
نظر إلى عين "ماجدة" التي كانت حين ذلك تشتعل بالكره وذلك لأول مرة في حياته منذ رائها في الذكرى الثالثة لتنيح أبيها بكنيسة العذراء بحدائق القبة، فأعجبته وأصبح من لحظتها أسير تلك العيون التي بدت منذ رآها مليئة بالحب والموت في لحظة واحدة . ارتعشت أطرافه وهو يحاول أن يستمر في النظر لتلك العيون التي تهرب منه دائماً، ولكنه أرخى رموش عينه على ماء يحاول الخروج، وحين أعاد المحاولة الثانية له في تلك اللحظة الخاطفة. كانت عيون "ماجدة" ما زالت تسدد سهامها النارية باتجاهه. فلم يجد مفراً أمامه إلا الانسحاب الجميل كما صرح لنفسه ذات يوم وهو يرمي بدخانه في الهواء ويحاول أن يصنع منه أشكالا مختلفة لتلك النظرة التي أرقته على مدار أربع سنوات هي عمر زواجه بـ"منال". قبل أن يدخل إلى الدير، ولم يستطع أن يمسك بها أكثر من لحظة ثم تلاشى. فأسماها يومها لحظة الانسحاب الجميل. وأعجبته التسمية كثيراً فصار يرددها على الأشياء المختلفة في حياته التي لا يستطيع الإمساك بها.
دخلت عليهما "منال" وهما يقفان أمام بعضهما ولا يفصلهما إلا مسافة قليلة تسمح بمرور الهواء المعبأ بالأحزان الجميلة أو الانسحاب الجميل، فوقفت تتطلع إلى وجه"موريس" النائم على صدره قليلاً وعيون "ماجدة" الخارج منها بريق غريب، وأحست بانكسار"موريس" أمام تلك العيون. وفى المساء عندما أختلت به سألته عن فعلته مع "ماجدة" ولماذا لم يوقفها، وسكوته خلال اللحظات الطويلة التي ارتفع فيها صوت "ماجدة" لأول مرة أمامه وهي تعلن أن لكل واحد في هذا البيت تخصصه الذي يجب ألا يتجاوزه، وخصوصيته التي يجب أن يحترمها الآخر وأنها سوف تقذف بهم خارج حياتها لو حدث شيء مماثل. وكما أنها حرمت على نفسها حجرتهم خلال الشهر الذي مضى منذ زواجهما. فأنه محرم على واحد منهما الدخول إلى حجرتها.
فحاول "موريس" أن يقول لـ"منال" عن هذه المعجزة التي أخرسته تماماً والتي لابد أن يركع لها المسيحي الحق. ولكن "منال" لم تر في سحب الجريدة من تحت الأكواب أي معجزة، وحين يئس منها خرج إلى المطبخ وعاد ببعض الأكواب ورصها على التسريحة بعد أن وضع ورقة واحدة من الجرنال وأمرها أن تسحب الجريدة دون أن تقع الأكواب. فوقفت تنظر إليه ثم أكدت له أنه لا ريب مجنون. فهز رأسه، فأمسكت بطرف الجريدة وجذبتها وهي مغمضة العينين، فوقعت الأكواب على الأرض، فأنتاب"موريس" نوبة من الضحك. لم تجد "منال" غير مشاركته في تلك النوبة وعند الفجر سمعت "ماجدة" " موريس" وهو يبكي لـ"منال" من أجل أن تمنحه بزها. وهي ترد عليه بتلك العبارة التي جعلت "ماجدة" تتعمد الجلوس طوال النهار في الكنيسة طوال أربع سنوات حتى لا يتأزم الموقف بينها وبين أختها وحرصاً منها على أن يظل ذلك الزواج قائماً. " روح للست هانم بتاعة المعجزات يمكن تديلك بزها هي. أنت شاطر إلا في كده " ، ومن يومها أصبح "موريس" يحاول النظر في عينيها حين يسمع صوت قدميها وهي تنسحب عائدة إلى البيت ولكنه لم يستطع.
كانت صفحات الجريدة تطير في الهواء وماجدة تعدو في الحجرة لتجد الإيشارب المرمي على عمود السرير ، ورغم أنها رمت عيونها باتجاهه أكثر من عشر مرات . إلا أنها لم تراه . تجنبت"منال" المشي على صفحات الجريدة التي استقرت فوق الأرض وهي تتجه إلى الإيشارب لتمسك به وتضعه على رأس "ماجدة" التي ما أن استقر الإيشارب فوق رأسها حتى جرت في اتجاه الباب دون أن تحكم ربطه على رأسها، أمسكت "منال" بالجريدة التي تمزق بعض صفحتها من أثر حذاء "ماجدة" الذي مر عليها أكثر من سبع مرات. ووضعتها بالترتيب، ثم طبقتها ووضعتها على حافة السرير، وخرجت إلى حجرة الصالون الذي أدخلت فيه ذلك القسيس، حين سمعت صوت "ماجدة" الملهوف يسأل ذلك القسيس عن "صموئيل"، لم تكن تعلم حين ذلك أن "صموئيل" هو حبيبها القديم. الذي كثيراً ما أتى لها بالفندام والحلويات وهي صغيرة ، وسألت عنه "ماجدة" كثيراً ولكنها لم تفز ولو برد صغير يشفي غليلها لضياع ذلك الرجل الذي كثيراً ما وضعها في صدره، ورفعها على كتفه في الحديقة اليابانية بحلوان، حين ذهبت مع "ماجدة" و" عادل " ليتنزها. قبل أن يجيب القس على تساؤل "ماجدة" كانت "منال" تقف أمامهم، فقالت "ماجدة":
• ألا يجب أن يشرب أبونا شيئاً من يد أختنا العزيزة.
فهمت "منال" تعليق "ماجدة" فانسحبت في هدوء رغم أنها تكاد تموت من الداخل لحرمانها من سماع إجابة الأب على ذلك المسمى بـ"صموئيل". الذي لا تعرفه، والذي جعل صوت"ماجدة" هكذا رقيقاً وحنوناً .
كادت "ماجدة" أن تموت وهي تسأل عن أحوال، ولماذا أتى ذلك الأب ؟، حين دخلت "منال" المطبخ كانت الأفكار تتصارع في رأسها من لهفة "ماجدة" على لقاء ذلك القس الذي بدا في عيونها حين فتحت الباب أنه رجل دعارة ولولا زيه لطردته من أمام الباب، أفاقت "منال" على فوران القهوة، فأمسكت بالكنكة ووضعتها على الترابيزة، ثم وضعت ملعقة بن مرة أخرى وقربتها من النار وهى حريصة على عدم فورانها حتى لا تتعطل كثيراً عن ذلك اللقاء الغريب. قطع الأب"متّى" كلامه حين دخلت "منال" بالصينية الموضوع عليها فنجان القهوة الوحيد، ووقفت "ماجدة" وأخذت الصينية من يد "منال" التي أظهرت شبه ضحكة على وجهها ولم تكن "ماجدة" تعلم أن "منال" تضحك على شكل ذلك الأب الذي كتب على قورته بوضوح "هذا الأب قذر فلا تتبعه واتبع الشيطان أفضل ! " .
• لا تؤاخذني يا أبانا فلابد أن حرص الأخت على قهوتك جعلها تنسى كوب الماء المثلج؛ خرجت "منال" سريعاً وفتحت الثلاجة وأمسكت بزجاجة كبيرة وخرجت دون أن تأتي بكوب. وقبل أن تدخل الصالون سمعت صوت ارتطام باب الثلاجة بالحائط فعادت مسرعة وهي تضحك لوقع تلك الجملة التي رددتها كثيراً في اللحظات التي خرجت لتأتي بالماء وأحكمت غلق باب الثلاجة ثم مدت يديها وهي تنظر إلى باب الثلاجة مرة أخرى وتناولت كوباً زجاجياً كبيراً دون أن توقع بقية الأكواب كعادتها دائماً، قبل أن تدخل الحجرة انتابها ذلك الإحساس بأنه يجب عليها أن تعترف لأبيها عن تلك الجملة التي رددتها كثيراً في حق ذلك الأب، وضعت الكوب المملوء في يد الأب، ثم وضعت الزجاجة على الترابيزة التي تتوسط الأربع كراسي المذهبة والكنبة الكبيرة وكرسي الفوتيه الذي دفع فيهم"موريس" ثلاثمائة وخمسين جنيهاً بالتمام والكمال .
• هذه أختي الصغيرة "منال" ولقد تزوجت منذ أربع سنوات وحتى الآن لم تأت لنا بطفل صغير. أدع لها يا أبت لعل الله يرزقها بولد أو بنت تحمل متاعبها حتى تعود إلى حظيرة الرب التي خرجت منها منذ أكثر من عشرة أعوام. بالرغم من أن أباها يأتي كل أسبوعين إلا انها ترفض أن تذهب إلى الكنيسة حتى يوم تنيح أبي ترفض الذهاب رغم أن أبانا مات منذ عشرة ألأعوام ولقد منحها المسيح زوجاً جيداً يحافظ على الصلاة في الكنيسة دائماً، دعا لها"متّى" بالصلاح والعودة إلى الله وأن يبارك في زوجها حتى يستطيع يسوع أن يمنحه القدرة أن يقذف في الرحم بنطفة تخرج لتلك البطن ابنا منها، ضحكت "منال" وهي تقول :
• لن يستطيع يسوع أن يسمع لأن أذنيه قد صدئتا تماماً، ولن يتخللها صوتك المالئ بالمياه الأسنة .
وقف"متّى" ورفع الصليب الخشبي الصغير النائم فوق صدره على رأس "منال" ، أخرست تلك الكلمات المهشمة التي خرجت من فم"ماجدة"، التي أرادت الاعتذار. ولكن "منال" وقفت وهي تقول لـ"متّى":
• لا تنزعج يا أبانا فلم أقصد هجران حظيرة الرب كما تقولون أنتم القساوسة والقديسين وأولاد ذلك الرب دوننا نحن أولاد يوسف النجار، ولكني أقصد أن زوجي الجيد كما تزعم أختنا العظيمة ليس له في النساء على الإطلاق أو على الأصح زوجي هذا لا يصلح رجلاً وعليه أن يرتدي ردائك . ثم انفجرت دموعها وجرت إلى حجرتها، وقفت "ماجدة" لحظات تفكر في أختها الصغيرة التي لن تكون أماً على الإطلاق وماذا تصنع لها حتى تمنحها ذلك الطفل الذي لابد هو الذي يؤرقها ويبعدها عن الرب.
جلس"متّى"على الكرسي الفوتيه ثم أخرج من جيب جلبابه الأسود منديلاً أبيض ووقف ووضع عليه بعض قطرات من زجاجة الماء، ثم وضع الزجاجة على الترابيزة التي تقف شامخة بتلك الزهرية النائم داخلها ورد منسق لم تعبث يد طفل بها ثم مرر بالمنديل على وجهه ثم خلع الطاقية الثقيلة ووضعها جانبه ومشى بالمنديل على رأسه الخالية من الشعر في الأمام، ثم نظر إلى "ماجدة" المنشغلة عنه بأفكارها، وماذا تصنع لأختها الصغيرة وقال لها :
• أدخلي عليها، أدعو الرب إلهنا أن يمنحك قدرته ويديه الحانية لتشيلي أحزان أبنتنا الصغيرة "منال".
انسحبت "ماجدة" في هدوء ودخلت إلى حجرة أختها بعد أن طرقت الباب ثلاثة مرات دون أن يأتيها صوت "منال" . كانت المرة الثانية على مدار أربعة أعوام التي تدخل فيها هذه الحجرة والتي سوف تتركها "منال" لـ"ماجدة" بعد يومين من تلك الواقعة. حين تعود بـ"صموئيل" ويتزوجا وترحل "منال" إلى خالتها في الإسكندرية، ويعود "موريس" ليسأل عنها. حين يكون "صموئيل" قد عاد إلى الدير النائم جوار النيل بأسيوط والذي ظل به واحد وعشرون عاماً . حين يعلم بطريق الصدفة من أحد الزائرين لدير الأنبا "صموئيل"المعترف. أن "مينا" أبن "جرجس"قد مات، فيذهب إلى هناك في اليوم نفسه الذي مات فيه "جرجس"، ويقيم عليه صلاة الجنازة ثم يعود لتخبره "ماجدة" أن "موريس" ظهر وسأل عن "منال" وعلم أنها سافرت إلى الإسكندرية، فقرر أن يدخل إلى الدير واختار دير الأنبا المعترف. نفس الدير الذي عشت فيه واحد وعشرين عاماً.
كانت الحجرة منتظمة تنظيماً دقيقاً مثل أول مرة دخلت فيها قبل ساعات من زواج "منال" وأشرفت على أخوات "موريس" وهم ينظمون كل شيء داخل تلك الحجرة الواسعة.
خرجت من فمها آهة طويلة انتبهت إليها "منال" التي كانت تجلس على الأرض وتضع رأسها وصدرها على السرير ذي المكتبة المليء بكتب الكنيسة الأرثوذكسية وفوق المكتبة صورة للمسيح وهو في ردائه الإفريقي وملامحه الإفريقية وعلى حواف المكتبة صور صغيرة لنيافة الأنبا شنودة الثالث وبعض الأقباط العظام، تلك الصور التي منعها السادات في آخر أيامه حين سمع أن الأقباط يضعونها على زجاج العربات. رفعت "منال" رأسها على صوت الآهة العالية التي خرجت من فم "ماجدة" وتطلعت إليها وقالت دون أن تنظر ، حيث تنظر "ماجدة":
• هذا كل ما يقوم به "موريس" . تنظيم الحجرة وتلميعها أما أنا كما ترين عاطلة عن العمل كزوجة تتمنى أن ينام زوجها على صدرها ويكسر عظامها أو يهشمها ويضع أسنانه الحادة فوق رقبتها كما كنت أسمع من أصحابي البنات اللواتي تزوجن قبلي . لماذا تنظرين لي هكذا ؟! لست قديسة مثلك كما أنني شهوانية جداً وأتمنى أن أجد رجلاً يهرس عظمي تحته فلا أعرف أين لحمي حين أتماسك، أمسكت "ماجدة" برأس "منال" ووضعتها في حضنها وتركت دموعها المحبوسة منذ عشرين عاماً تنطلق لتغرق رأس أختها التي أصيبت بحالة من التشنج وأمسكت بها فأمسكت "ماجدة" يد أختها ـ التي بانت عروقها من أثر التشنج ـ بهدوء وأنامتها على السرير وخرجت مسرعة، أحضرت كوب ماء مثلج مملوء بالسكر وراحت تقلبه بدون تركيز حتى أنها حين أيقظتها بعد أن دعكت جسدها بالبرفان وأفاقت قليلاً لم تجد به غير نصفه، وخرجت وأغلقت الباب ورائها ثم جلست أمام الأب"متّى" الذي كان قد أخبرها عن ضرورة سفرها لترى "صموئيل" حبيبها . الذي هرب منذ ما يقرب من عشرين عاماً وكانت قد وعدته أن تسافر معه اليوم ولكنها طلبت منه أن يكون السفر في الصباح لأن أختها قد أصابتها حالة تشنج ويجب أن تذهب بها إلى المستشفى عندما يعود " موريس " زوجها من العمل في تمام الرابعة . أستأذن"متّى" على أن يلتقيا سوياً في محطة القطار في السابعة إلا الربع تماماً عند شباك تذاكر الدرجة الأولى . وعدته أنها سوف تكون هناك في السادسة والنصف وليس السابعة إلا الربع، وضع الأب بعض قطرات الماء على المنديل وأمسك بالطاقية ووضعها على رأسه وأحكمها تماماً وخرج بخطوات بطيئة وهو يدعو للأخت "منال" بالشفاء، ثم راح يوصي "ماجدة" عليها وعلى موعدها في الصباح، أحكمت غلق الباب بعد أن خرج من باب الدور الأول، ثم دخلت إلى حجرة أختها . كانت "منال" قد جلست على السرير وبعض الماء يتساقط من عينيها، جلست بجوارها ثم فردت يديها في اتجاه يد "منال" الممسكة بفخذيها فرفعت "منال" يديها بعيداً وتركت ساقيها تسقطا جوارها مثل يد أختها.
• ما ذنبي أنا يا "منال" حتى تعامليني هكذا ؟!
خرجت الكلمات من فم "ماجدة" كالهدير ، انسحبت "منال" للوراء وأراحت ظهرها على المكتبة المصنوعة في السرير وأمسكت قدميها بيديها ووضعت رأسها بينهما دون أن تجيب على سؤال أختها الوحيدة لها في الحياة بعد موت أمها وأخيها وأبيها .
• ردي عليا يا "منال" . أنا ذنبي إيه ؟!
• مفيش حاجة . سيبيني شوية لوحدي.
• أسيبك إزاي هو أنا أقدر أسيبك . لو كنت أقدر كنت سيبتك من أربع سنوات، أنت نسيتي إنتي عملتي فيّ إيه ؟
• أنا اللي عملت برضه يا "ماجدة" . طيب روحي منك لله !!
• مني لله . أنا . ماشي ياست لو كنت عملت فيكي حاجة وحشة .
• أرجوكي سيبيني لوحدي وأنا هفوق على طول وكأن ما فيش حاجة .
• ما أقدرش أسيبك يا بنتي
• بنتك . فعلاً بنتك ؟!
• مالك يا "منال" إيه اللي جرى لينا ؟!
• أبداً ما فيش . كل الحكاية إنهم يعملوها ويخيلوا زي ما بيقولوا !
• يعملوا إيه يا "منال"؟
• يعني تدبسيني فيه وأنتي عارفه أنه مش راجل وبعدين تحلفي ما تزعلي ؟!
• أدبسك في مين يا "منال" ؟
• الزفت جوزي . ثم ضحكت وهي تقول جوزي المخصي .
• إخرسي يا "منال" إنت عقلك باظ خالص ومبقاش حد يلمك ولا إيه؟إنتي فكرتي أن أبوكي مات ودلعتك شوية يبقى مش هعرف أربيكي ولا إيه !
• متطلعيش فيها قوي لحسن تموتي . مين فينا اللي عقله فلت . أنا يا ست هانم والا البيه اللي قعد 8 سنين يمشى وراكي وفى الأخر اتجوزنى، أنا والا اللي قطعت الكلتات. أنا والا اللي خنقت الوز الصغير مين فينا اللي عيارها فلت .
• ثم وضعت رأسها بين فخذيها وراحت تبكى . تحركت يد "ماجدة" بهدوء على شعر "منال" ثم أمسكت برأسها وراحت تبكى وهى تقول .
• ليه مقولتيش يا "منال" ؟ إنت مفكرة إنى كنت عارفة وساكتة والا هجوزك لواحد ثم سكتت وقالت انت بنتي يا "منال" وانفجرت في بكاء طويل .أمسكت "منال" بالمنديل الموضوع على الكمودينو وراحت تمسح لأختها وجهها ثم قالت لها :
• خلاص علشان خاطري خلاص أنا آسفة غصب عني أنا خلاص هتجنن، كان نفسي أتجوز بجد. إنت مش حسه لأنك اترهبنتي وخلاص لكن أنا لسه صغيرة ونفسي جوزي يرضيني.
• رفعت "ماجدة" رأسها وأمسكت من يد "منال" المنديل ومسحت وجهها جيداً.
• أيه رأيك يا "ماجدة" تنسي كل حاجة، قوليلى القسيس ده كان عاوز إيه منك ؟ ومين اللي في أسيوط واسمه" صموئيل" وتعرفيه وملهوفة عليه قوي قوليلى" صموئيل" ده "عادل" بتاع زمان !
• هو إنت لسه فاكره
• ياه .. "عادل" هو لسه عايش وليه غير اسمه وراح أسيوط ليه أنا فاكره ساعة متخانق مع اخوكي " سمير " الله يقدس روحه ومشفتوش تاني وياما سألتك عليه كانت الأفكار تمضي في رأس "ماجدة" و "منال" تطرح تلك الأسئلة عليها هل تعترف لها أن مسام جسدها قد انفتحت في تلك اللحظة التي عرفت فيها أن مسام أختها قد فاض بها جسدها ، هل تقول لها أن القس الذي جاء قد حكي لها أن "صموئيل" غير مستريح في البعد عنها وأنه لم ينجح في الدير لأنه مازال يفكر فيها وأنها لابد أن تذهب إليه وتعترف له أن الذي كان يحملها حين التوت قدماها أخوها وليس عشيقها كما ظن "عادل" وأنه في اللحظة التي تعترف فيها "منال" بالفقد سوف تحصل هي على حبيبها المفقود منذ عشرين عاماً وأنها سوف تحصل عليه ويقيمان بيتاً عائلياً تحرسه الملائكة وباستطاعتهم أن ينجبوا أولاداً كثيرون لان العمر لم يمضي طويلاً لأنها بالكاد في بداية الأربعينات وهو في الخامسة والأربعين هل تحكى لها عن كل هذا ولماذا لم تحك من قبل وكيف صبرت على مسام جلدها كل هذا الوقت. أفاقت منال على صوت المفتاح الذي وضع في باب الشقة فوقفت وعدلت الإيشارب الذي كان قد انسحب من فوق رأسها فأحكمت ربطه ومسحت وجهها وهمت أن تخرج من الحجرة ولكن "موريس" فاجأها وقال وهو يضحك ..
• ماذا هناك؟ هل حدث مكروه للشيطان الذي يسكن حجرة زوجتي الجميلة حتى تدخليها يا "ماجدة" ؟ ضحكت "ماجدة" للمرة الخامسة في الأعوام العشرة التي عرفها فيها "موريس". المرة الأولي حين التقي بها يوم تنيح أبيها وبعد القداس خرج يتبعها إلي حوش الكنيسة ولما وجدها تبكى وهى جالسه على المقعد الرخامي الذي يستظل بشجرة الجوزرين قال لها . .
• هل تعلمين أن مريم العذراء قد ماتت وهى جميلة قوي. وبها مسحه من جمالك فابتسمت رغم حزنها ولا تعرف لماذا ابتسمت رغم أن الطريقة التي قال بها "موريس" كانت هي السبب في تلك الابتسامة فقد تلي "موريس" الجملة كأنه يقرأ في الكتاب المقدس. المرة الثانية حين قابلها صدفة عند إحدى قريباته وكانت تجلس مع الأخت الراهبة "دميانة" لقنع تلك القريبة أو ابنة خالتها على وجه الخصوص بالذهاب إلى الكنيسة والصلاة هناك وعندما جلس أمامها وضعت الراهبة "دميانه" يديها فوق وجهها لتخفيه فقال " موريس":
• أنا الذي يجب علي أن أضع يدي على وجهي أيتها الراهبة الزينة. فضحكت حين ذلك. المرة الثالثة قبل أن تحكم مزلاج قلبه ويخطب أختها الصغيرة حين قابلها وهى تشتري ملابس داخلية من محل ملابس فقال لها ..
• القديسون يجب أن يطلبوا من أبيهم الذي في السموات أن يرسل إليهم ملاكاً ليحرسهم من المتلصصين أمثالي على احتياجاتهم الصغيرة أو على الأقل يرسل هذا الملاك إلى السوق ليشتري بدلاً منهن فأحمر وجهها خجلاً ولم تجد مفراً أمامها إلا أن تضحك. المرة الرابعة حين دخل"بمنال" إلى ذلك البيت وأحكم إغلاق القفل الخارجي لباب البيت ثم صعد إلى الدور الثاني وعندما هم أن يدخل وجدها تغلق باب الدور الأول فوقف ليسأل عن اللص الذي تخفي في الشقة لينقض عليه يوم عرسه فردت عليه قائلة . .
• ليس هناك أي لص عنده ذوق ويعلم أخلاق صنعته جيداً يمكن أن يدخل هذا البيت وتلك الأنوار معلقة عليه. فسألها عن أن كانت قد أقامت مأدبة جيدة لطيورها وطيور أختها التي ولابد أن السكين سيمر على رءوسهم أن لم يكن غداً الاثنين فالخميس على أكثر تقدير وضحكت لتلك المداعبة ومن يومها حتى تلك اللحظة التي رأى ابتسامتها لم يرى غير تلك العيون الجامدة كعين القط ينهض ليفترس فأراً صغيراً لا حول له ولا قوة. مئات المرات انسحبت "ماجدة " ودخلت حجرتها وأغلقت الباب دون أن تنظر إلى "موريس" الذي خرج من حجرته ليرى إن كان سيفوز بضحكة أخرى ولم يكن يعلم حين ذلك أنها المرة الأخيرة التي يرى فيها ضحكها والمرة قبل الأخيرة التي يرى وجهها على الإطلاق رغم أنها عاشت بعد ذلك اليوم ما يزيد عن الثلاثين عام قبل أن تترك الحياة مخلفة ورائها ثلاثة أبناء وبنتين أحدهما سمي"بشاي"والأخر " مينا " أما الثالث فكان "موريس" حسب طلب "صموئيل" الذي رفض أن يتنازل عن أسمه ويعود إلى أسمه القديم وأستغرق منه ذلك الاسم مئات من طوابع الدمغة والطلبات قبل أن يحتفل هو و"ماجدة" بعد ولادة أبنه الأول"بشاي"بأسبوع ببطاقة جديدة وشهادة ميلاد وصحيفة حالة جنائية وبعض الأوراق مكتوب فيهما أسمه الذي ظل يحتفظ به بعد ذلك قرابة سبعة وعشرين عاماً. ولن ينسى"صموئيل" أبدا تلك اللحظة التي وقف فيها أمام عامل التلغراف ليرسل للأب"بشاي"بعد أن رفض أن يدخل عليه حين ذهب ليعزي "جرجس"في"مينا" أبنه. ولكنه وجد "جرجس"نفسه مات في ذلك اليوم فأقام الجنازة عليه وعاد إلى القاهرة دون أن يدخل عليه.
وقف "صموئيل" أمام عامل التلغراف أكثر من ساعة قطع خلالها أكثر من عشرين من تلك الأوراق المخصصة للبرقيات وذلك العامل ينظر إليه بتوجس، ثم أخيراً انتهى من كتابة برقية كانت من تسع كلمات قرأها "موريس" الذي سمي نفسه "صموئيل"، للأب بشاي النائم فوق ظهره على السرير بدون مرتبة ذلك السرير المصنوع من جريد النخيل ولم تفز تلك البرقية ذات التسع كلمات غير بدمعتين فقط تدحرجا على خد الأب قبل أن يفتح عينيه ويقول لـ"صموئيل" أعد قراءة البرقية مرة أخرى، فقراءها له، ثم طواها "صموئيل" ووضعها في جيب جلبابه، فنظر إليه الأب، فأخرجها ودسها تحت رأس الأب. حين ذلك دخل الأب"متّى" أسقف الدير الجديد ومعه " إبراهيم " الشماس الجديد، فقال للراهب "صموئيل" ـ الذي ما إن دخل الدير حتى طلب من الأب"متّى" أن يكون في خدمة أب الدير السابق، فوافق"متّى" على ذلك ـ لا تثقل على الأب " بشاي أيها القس، ثم خرج. حين ذلك طلب الأب"بشاي"أن يستمع للبرقية للمرة الثالثة فأعادها مرة أخرى وفتحها وراح يقرأها بصوت مسموع، "تزوجت "ماجدة " وأنجبت"بشاي"عمره أيام الآن وأصبح أسمي عند الحكومة "صموئيل". "
التفت "موريس" وراءه قبل أن يدخل الحجرة فوجد "منال" وراء ظهره،فابتسم وهو يحاول أن يتجنب الاصطدام بها ودخل إلى الحجرة.
• أحضر ليك الغداء ؟
• تعالي بس قوليلي في إيه ووشك مخطوف كده ليه ؟!
• أبدا ما فيش حاجة بس تعبت شوية وناديت على"ماجدة" تعملي كباية مياه بسكر. علشان أقدر أقوم .
• طب ألبسي ياللا نروح للدكتور .
• مافيش حاجة يا "موريس" شوية تعب وراحو لحالهم، ما تتاخدش قوي كده لحسن أفتكر إنك بتخاف عليه قوي وبتحبني أنا يعني.
• تغير لون " موريس " وهو يحاول النظر في وجه "منال" التي نظرت إليه، فأنزل رأسه دون إرادة ولأول مرة يحس أن نظرة "منال" تشبه نظرة " ماجدة ، جلس على حافة السرير ثم أراح ظهره وخلع الحذاء وتمدد، فقالت له "منال" :
• أنت شبعان ولا كلت بره ؟
لم يرد عليها وأغمض عينيه وحاول النوم ولكنه لم يستطع، فخرجت "منال"من الحجرة ودقت الباب على أختها التي فتحت لها الباب فدخلت وأغلقت وراءها وجلست على السرير ولم تكن تعلم أن الجريدة تحتها، فانتفضت حين سمعت صوت أختها يؤنبها على جلوسها على الجريدة، فضحكت وقالت لها :
• أنا قعدت عليها . بس الدور والباقي على اللي مشي عليها بالحذاء .
رفعت " ماجدة رأسها وهي تقول :
• مين الشيطان ده ؟!
• إيه . أنت يا "ماجدة" أما قولتلك القسيس بتاع أسيوط. قعدتي تدوري على الإيشارب وهو قدامك يا حرام، ولما حطيتيه على شعرك، جريتي ودوستي برجليكي عليها .
أحمر وجه "ماجدة" ولم تنطق بكلمة .
• إيه بقى حكاية سي "عادل" ده . يعني كده أنا مش هسيبك إلا لما تقوليلي .
• بطلي كلام فارغ يا "منال" وقومي حضري الأكل لجوزك .
• جوزي جي مهدود. ما تقوليش كان بيحارب ونام .يعني ما فيش حجة تطلعي بيها عشان تخلصي من الموضوع .
• لا موضوع ولا حاجة، بس أنا مش هقدر أقولك حاجة إلا لما أرجع .
• ترجعي منين ؟!
• من أسيوط .
• أسيوط . مره واحدة . إش. إش . ماشيه معاك يا عم "صموئيل" هاتشوف "ماجدة" هانم . ولا أقول القديسة "ماجدة" علشان متزعليش.
• ربنا ما يجبش زعل وإذا كنت غلطت في حقك . حقك عليّ يا "منال" سامحيني على كل حاجة يا "منال" .
• ما فيش حاجة دانت أللي مربيانى يا "ماجدة" وربنا يوفقك، وأنا مستنيه لما تيجي من أسيوط . بس على شرط تحكي لي على كل حاجة .
• ربنا يسهل . أنا خايفة قوي أحسن القسيس"متى" بيقول تعبان ويجب أن يعود معي حتى يستريح ونبدأ حياة جديدة .
• ربنا يوفقك يا أختي، إنت مسافرة أمتى ؟
• بكره إن شاء يسوع .
• وهتيجي إمتى ؟
• بكره برضه أو بعده الصبح، وأدعيلي يكون معايا "صموئيل" .
• وترجعوا العمر اللي راح .
• تفتكري ممكن يا "منال" ؟
• إن شاء الله كل شيء هيبقى كويس، وأديني أهوه . بكره أفكرك لما تخلفي من "صموئيل" ده خمس عيال، ثلاث صبيان واتنين بنات . بس أمانة عليكي إن كنت موجودة أومش موجودة البنت الأولى تسميها على أسم أمك والثانية تسميها "منال". وحياة "صموئيل".
لم تكن تعلم أن "ماجدة" سوف تسمي طفلتها الأولى "منال". حين وضعت "منال" رأسها في حضن أختها لم تكن تدري أنها قد قرأت الغيب تماماً وأن أختها سوف تعود بـ"صموئيل" وسوف ترزق منه بخمسة من الأطفال.
حين دخلت"منال" حجرتها كان دخان سجائر "موريس" يكشف أدعاءه النوم، فخلعت الجلباب وتمددت جواره دون أن تلمس جسده البارد حتى لا تشتعل أكثر. في الصباح حين وجد ورقة موضوعة على الترابيزة الموجودة في الصالة والمحاطة بستة من كراسي الخيرزان، لم يكن يعلم أن "ماجدة" سافرت وأن "منال" تعلم. فدخل الحجرة مرة آخري ومشى بيده على شعر "منال" التي فتحت عيونها بصعوبة، وأجابت على سؤاله بخصوص "ماجدة" وأغمضت عينها مرة أخرى . ففكر أنها تريد أن تنام دون أن تخبره عن سبب سفر "ماجدة" . فضربها على رأسها وقال لها :
• بقولك "ماجدة" سافرت إلى أسيوط ! رفعت جسدها عن السرير وهي تصيح فيه:
• عارفه إنها سافرت زفت . عاوز إيه مني في اليوم ده ؟
• سافرت ليه ؟
• علشان تشوف "صموئيل" .
• مين " صموئيل ده ؟!
• ده "عادل" .
• "عادل" ولا "صموئيل" ؟!
• هو كان أسمه "عادل" وبعدين لما دخل الدير بقى أسمه "صموئيل" .
• إيه يعنى ؟
• أبدا ده خطيب "ماجدة" الأول أو على وجه الدقة حبيبها الأول والأخير يا أستاذ . فاهم . يعني الأول والأخير . يعني عمرها محبتك. لازم تعرف إنها عمرها .
رفع "موريس" يده وأنزلها على خد"منال" التي ارتمت على السرير من أثر الضربة، ثم رفعت رأسها وقالت :
• أحنا لازم نسيب بعض يا "موريس" . أنا عارفه كل حاجة. أوعى تكون فاكرني هبله. طول عمري وأنا عارفه، وبتضحك على نفسك . أنا يمكن كنت ساعات بصبر نفسي وأقول بكره يتحول بكره يفوق. لكن الظاهر أنك هتفضل كده، لكن اللي أنت مش عارفه أني حبيتك قوي، والمسيح الحي حبيتك أكتر من نفسي وكان نفسي اسعدك ومتفكرش في الحاجات التانية . أنا ممكن أعيش معاك مية سنة من غير حاجة.
جلس "موريس" على كرسي التسريحة لأول مرة في حياته من يوم أن ضحك عليه صاحب محل الموبيليا ولم يعطه كرسياً، ثم وضع يديه على أذنيه حتى لا يسمع الكلمات الخارجة من فم منال التي وقفت وأراحت يديها وهي تقول :
• أسمع طول عمرك قافل ودنك وقلبك عني. أنا كان عندي استعداد أعيش معاك العمر كله تحت رجليك. وميهمنيش الهلس خالص، ولكن من الأسبوع الأول عرفت هيامك بأختي وأنا اللي حبيتك أول ما شوفتك وقلت يمكن تكون مغرم بأعمال "ماجدة" فقط ولكن من الأسبوع الأول عرفت إن الحكاية مش أعمال خير ورهبنة، رفع "موريس " رأسه وأتجه إلى خارج الشقة و "منال" تقول له:
• أنت هترجع مش هتلاقيني أحنا لازم ندور على حياة جديدة .
لم تستطع "ماجدة" أن تنام فظلت ساهرة طوال الليل تنظر للساعة المعلقة على الحائط، التي يخرج منها بلبل صغير كل ساعة. كانت تفكر في "عادل"، وكيف يلقاها، وهل يصدقها، وكيف هرب هكذا، ولماذا لم يسألها عن أخيها وكيف مات لسانها في تلك اللحظة ؟؟!

أفتح فمك معي

أعتقد أن كثير منكم قد شاهد فيلم الرهينة، وبالتأكيد ما زالت تلك اللقطة في رؤوسكم حين أمسك بطل الفيلم بالطفل الصغير وأمه أمامه، في تلك اللحظة كان يجب على الأم أن تصرخ على الأقل ! ما الذي منعها من الصراخ، ما الذي جعلها تقف كلوح الشمع دون حركة وهي ترى أبنها يخطف؟ كيف مات لسانها، ربما خافت على ابنها الذي يمسك به ذلك المجهول بالنسبة لها ؟فكيف سكتت"ماجدة" حين رأت "عادل" حبيبها يتعارك مع أخوها سمير؟، لماذا لم توضح لـ"عادل" ذلك؟ ربما لأن أخاها لم يعرف بالعلاقة التي بينهم ومن أجل ذلك تحاملت على نفسها، وصعدت السلم؟ولكن تلك القصة تصنع في الأفلام العربية القديمة. فكيف استطاعت رغم أني من أشد الحانقين على تلك المشاهد الذي يبحث فيها بطل الفيلم عن الشجرة التي يصطدم بها حتى يعود إليه بصرة المفقود من البداية. لا أعرف ربما ذلك المشهد القذر، هو ما أوحى لي بتلك الحالة.
حين خرج البلبل الصغير معلنا الرابعة صباحاً، قامت من جلستها وخرجت على أطراف أصابعها، ودخلت إلى الحمام وغسلت وجهها ثم نظرت في المرآة، كانت هناك خصلة شعر طولها أكثر من ست سنتيمترات بيضاء. ولم تفكر أنها رأتها قبل الآن؛ أمسكت بها تريد قطعها من جذورها ولكنها أحست بألا لم شديد، فتركتها تسقط على باقي الشعر ليشكل مع الشعر الأسود منظرا بدا في عيونها جميلا وضعت الماء البارد على رأسها ثم راحت تمشطه. تمنت أن توقظ "منال" لتأخذ منها علبة البودرة حتى تخفي تلك العلامات التي جاءت على مر السنين. سمعت صوت البلبل الصغير يخرج من الساعة معلنا أن الساعة الآن الخامسة، فلبست الشراب ثم أخرجت ورقة بيضاء من الشفنيرة وراحت تكتب لأختها ملاحظات تستطيع "منال" بواسطتها إطعام الطيور الموجودة في الدور الأول. وتتمنى لها يوما سعيدا وتخبرها أنه إذا لم تعد اليوم، فلا داعي للقلق عليها لأنها لابد ستعود مع "صموئيل"، ثم طوتها وأمسكت الحذاء وخرجت ووضعت الخطاب على الترابيزة المحروسة بتلك الكراسي الخيرزان . ثم عادت وأغلقت حجرتها بالمفتاح وخرجت من باب الشقة وارتدت الحذاء.
حين دخلت من باب محطة السكة الحديد. كانت الساعة المعلقة تعلن السادسة والنصف والأضواء ترمي بظل الحركات المسرعة للمسافرين فبدت الخيالات طويلة جدا في عيونهم، حاولت أن ترى ظلها ولكن الخيالات المسرعة الكثيرة لم تتح لها التعرف على ظلها الواقف، دخلت من باب (3) ونزلت السلمات الكثيرة ومرت من النفق البارد ذي الأنوار الباهتة أثر تراكم ذرات التراب فوق الغطاء الزجاجي الخارجي، نظرت خلفها وهي ترفع قدميها على أول سلمه في الصعود فلم تجد أي خيال. فاستراحت لسماع صوت الخيالات النازلة في سلم الصعود، أخرجت البك من الشنطة السوداء وأعطت لبائع الجرائد ثمن جريدة الأخبار التي أشترتها لأول مرة في حياتها. رغم أنها تشتري جريدة أخبار اليوم كل سبت الصادرة في نفس المؤسسة ولكنها رغم ذلك لا تشتري جريدة الأخبار هذه. جلست على الكرسي وراحت تتصفح العناوين الرئيسية التي لم تستقر في ذهنها بمجرد المرور عليها، شردت كثيرا في الأب "متى" الذي رأته للمرة الأولى في حياتها منذ خمسة عشر سنة. يومها أرادت أن تعرف منه أسماء الرهبان الذين دخلوا الدير خلال الخمس سنوات الماضية فلم يرد عليها فقالت له عن ذلك الاعتراف الوهمي فأسكتها بسبابة يده وراح يتحدث عن الرب الذي في السموات والذي يعمل من أجلنا نحن الأطفال اللاهيين بوقته الثمين فلم تجد أمامها غير الحقيقة فاعترفت بحضورها من أجل "عادل" حبيبها الذي دخل الدير منذ خمس سنوات لما وجد أخاها "سمير" يحملها ولم تستطيع أن تصرح له أن ذلك الولد أخوها. وأنها ذهبت إلى أهله ولكنهم رفضوا أن يعطوها أي معلومة. ثم حكت له عن حكايتها مع "عادل" من البداية إلى النهاية وكيف أنها سمعت عن طريق الصدفة أنه دخل إلى الدير. فلم تنتظر أن تأخذ رأي أبيها وركبت القطار واتجهت إلى هنا وتمنت أن تقابله ولكن الأب "متى" رفض ذلك وأخبرها بتقاليد الدير. فكيف أتى لها الأمس ؟! وكيف يسمح الآن وكيف تغيرت تقاليد وقوانين الدير ؟! يبدو أن "عادل" مريض جدا. رغم أن قلبي يحدثني أنه بصحة جيدة. إذا لماذا غير الأب "متى" رأيه ؟، ولماذا يأتي إلي. ألم يقل أن قوانين الدير تمنع الزيارة من ذلك النوع لأنها تؤثر على الرهبان ؟! ولماذا أحتفظ بالعنوان طيلة خمسة عشر عاما ؟ يجب أن أسأله حين أرى وجهه ولن أذهب معه.
وقفت "ماجدة" مذعورة حين وضع "متى" يده على كتفها، ألتفت الواقفون على صوتها. تغير وجه "متى" الذي لم يكن يعلم أن مجرد تلك اللمسة سوف تخرج ذلك الصوت الذي جعل مائة عين لخمسين إنسان يحدقون فيه. جلس "متى" جوارها وهو يرفع عينيه في الوجوه التي لم تستطع الوقوف أمام نظرته التي يملأها الإعزاز والإجبار.
• منذ متى وأنت جالسة هنا ؟
• من السادسة والنصف تقريبا.
• ألم أقل أن القطار موعده السابعة والثلث، أمامنا خمس دقائق حتى يفتحوا الباب.
• أتمنى أن يفتحوا ذلك الباب حتى أستريح من تلك العيون وأغيب في عيون أخرى غير هذه العيون المليئة ببعض الأسرار.
• أنت الذي تقول ذلك يا أبي، كيف ؟!، وأنت الحامل لمئات من الأسرار.
• أن تذهبي لأبيكي وتعطي له سرك هذا جميل. إن يذهب إليك أبن أمك لينتزع منك سرك هذا شيء بشع يا أخت. أم أقول يا سيدة"ماجدة". .
• أخت أفضل، ألم تمسك بسري أكثر من أربعة عشر عاما بعيدا عن عيون"عادل" أو" صموئيل" . قل يا سيدي كيف حاله ؟
• سوف أشرح لك كل سيء في القطار. والآن هيا بنا نقوم فقد مضت الدقائق ولولا براعتك لظلت قدماي ترتعشان من النظرات اللعينة لتلك العيون.
• هل تسمح لي أن أقطع تذكرة ؟
• لا داعي، فلقد حجزت من الأمس حين تأكد لي أنك سوف تأتين معي من أجل "صموئيل". كانت الأفكار تقتلني وأنا أمشي أمام الأب نبحث عن أرقام الكرسي. دخلت وجلست جوار الشباك وجواري جلس الأب "متى"، كان يبدو على وجهه أنه يريد أن يقول شيء خطيرا ورغم ذلك لم يفتح فمه. كنت أنتظر أن يبدأ ولكنه أثر السكوت. فسألته أنا عن سبب حضوره، فقال:
• أن الأب "بشاي" هو الذي ارسله. رغم مخالفة التقاليد والتعاليم . فسألته:
• من هو "بشاي" ؟ ، فقال:
• انه أب الدير الذي به "صموئيل" وأنه يحرص على أشياء كثيرة تكسرت يجب أن نصلحها ومن أجل ذلك اعترفت له بما أعرفه عنك وعنه واغفري لي ذلك أيتها الأخت ولم أكن لآتي إليك إلا بعد أن قال نيافة الأب "بشاي" إن وشائج المحبة باقية عند المحبين. حين ذلك نزلت دموعي دون أن ادري. فحاول "متى" أن يقول شيء ولكني كنت أريد لتلك الدموع أن تغسل عشرين عاما أو ما يزيد عن ذلك . وشائج المحبة باقية . من أخبر الأب "بشاي" بتلك الجملة .. وشائج المحبة. أغمضت عيني وأنا أقول من اخبر ذلك الأب بتلك الجملة ومن حكى له عنا يا "عادل" ؟!. أتذكر حين التقينا أول مرة كنت في السنة الثالثة من معهد المعلمين كنت أعيش مع البنات في الداخلي. أمسكت بالحقيبة الثقيلة ونزلت السلم وجلست على الدكة الموضوعة جوار السور في انتظار " سمير " . جلست أكثر من ساعة ثم أمسكت بالحقيبة مرة أخرى وابتدأت المشي بطريقة البطريق كما قلت لي بعد ذلك على بداية الشارع وجدتك تمسك بالكتاب المقدس وبعض الكتب لم أكن اعلق صليباً كما البنات الأخريات كنت أعيش كإنسانة عادية مؤمنة بعض الوقت بعيداً عن ذلك الصليب المعلق في أطواق البنات . وكثيراً ما حدثت مناوشات بيني وبين قس الكنيسة على ذلك الصليب وعندما أراه يسألني عنه كنت أقول له تلك الجملة التي تجعله ينسى الصوت الهادئ الرزين الذي يبدأ به معي لكي يقنعني بارتداء الصليب ويبدأ في تعنيفي من حفظي لتلك ألاعيب الشيطانية ثم يتركني ويمشي من أمامي . فأمضي وانأ منتصرة على كل حركات التخلف التي يمارسها هؤلاء الذين يصلحون لإقامة مجتمعات الحلقة أو المنبوذين . يومها أمسكت أنت يا " عادل " بالحقيبة من يدي دون أن تخرج من فمك أية كلمة . ضحكت حين رفعت الحقيبة من يدي بعد خطوتين على كتفك وأعطيتني الكتب التي كنت تمسك بها وخطوت خطوات مسرعة كادت أن تخرج صوتي للنداء عليك أو على الناس لكي يمسكوا بك لولا نظراتي الخاطفة على الكتاب الأسود الكبير. فوقع نظري على الصليب حين ذلك بلعت ريقي وذلك الصوت الذي كاد أن ينفجر ويحطم علاقة ظلت عشرين عاماً أو يزيد حتى الآن. هل تذكر يومها يا "عادل"، ذات الشكر قلت الشكر للرب ثم ألتفت لكي تتحرك، ولكن الجملة التي قلتها بعد أن قلت الرب أعادتك إليّ مرة أخرى. هل تذكر ماذا قلت لك ؟ الرب يسوع المسيح يحرسك. في تلك اللحظة وقف عصفورين في أعلى الشجرة يتسامرون. أظن أن هذين العصفورين هما اللذين نفخا جناحيهما داخل قلبينا ليجلسان أعلى الشجرة ؟ لحظتها نظرنا إلى أعلى الشجرة معاً.فإذا بالفراشات البيضاء الصغيرة تنزل من فم العصفورين المتعانقين على رأسينا. فمضينا معاً وعرف البيت واستمرت علاقتنا أكثر من سنة وثلاثة شهور.ورغم قصر المدة إلا أنها استطاعت أن تحييني عشرين عاماً أو يزيد ممتلئة بل أقول لك دون أدنى شك أنها تستطيع أن تحيني إلى نهاية العمر. رغم ما مضى بي من أحزان كثيرة في تلك المدة. هل تعرف أن أبي مات منذ عشر سنوات حزنا ً على أخي سمير وأمي كلهم ماتوا في عامين، وتركوني وحيدة مع أختي الصغيرة "منال". أنت رأيت "سمير" أليس كذلك ذلك الولد الذي كان يحملني حين زلت قدماي وظننته أنت عشيقي. قل لي يا"عادل" ما الذي أتى بك في تلك الساعة عند بيتي. هل تذكر "منال" يا "عادل". كبرت الآن هي الوحيدة التي عرفت علاقتي بك، وهي الوحيدة التي عرفتها من عائلتي. أتساءل الآن لماذا لم أحك لك عن سمير وأبي وأمي. لا أعرف ربما أراد الله ذلك حتى نفترق. هل تتخيل "منال" الآن كبيرة ومتزوجة منذ أربع سنوات، يوماً ما سوف أحكي لك عن زوجها "موريس"، ذلك اسمه، انتبهت على صوت"متّى" يسألني إن كنت أريد أن أفطر، فتحت عيني وشكرته ولكنه ألح عليّ أن أشرب شايا ً بالحليب مع باكو بسكويت صغير فأومأت له برأسي فانسحب الجرسون الذي طلب منه ذلك، وعندما تحرك، خرجت من فمي تأكيد للجرسون أن البسكويت يجب أن يكون بالشمر لماذا طلبت ذلك البسكويت ؟لا أعرف، ولكن يبدو أن أسمه حقيقي. فلقد هز الجرسون رأسه وتحرك ، أغمضت عيني وأنا أقول أجوبة كثيرة يجب أن ترد بها على أسئلتي يا "عادل" . عشرين عاماً أو يزيد . طويلة جداً هذه الأيام يا "عادل" .أنا الآن أبحث عن منمات وجهك وتضاريسه يا "عادل" ، حزينة كل العيون التي لم ترك . أتذكر يوم ذهبنا معاً إلى الحديقة اليابانية . كانت معنا "منال" التي ظلت أكثر من خمس أعوام تسأل عنك وعن الشيكولاتة والفندام وعن الصور التي أخذتها لنا. وكانت هي جالسة فوق أقدام آلهة اليابان. يومها سألتك "منال" عن أسماء هؤلاء الجالسين فلم تجدي مفراً من سؤالها المتكرر . وكنت لا تعرف غير بوذا فقط من أسماء آلهة اليابان . فقلت لها، هؤلاء اللصوص الأربعون والذي في المنتصف هو علي بابا.كما يقول الناس عنهم دون أن يدروا أنهم آلهة وليسوا لصوصاً. أين تلك الصور يا "عادل"، هل ما زلت تحتفظ بها ؟، لماذا لم تسألني عن الذي حملني بين يديه بدلا من الهروب، هو أخي يا "عادل" أما أنت.فحبيبي.كان يجب عليك أن تتحرى الدقة من قلبك وليس عيونك. انتظرت عودتك كثيراً ولما يئست ذهبت إلى بيتكم. لم اشفي من حزني. بل أن أهلك أشعلوا أسهماً جديدة في لحمي. ضائعة معك ومع أهلك يا "عادل". ضائعة مع كل الناس فتحت عيني على صوت الجرسون وهو يقدم الشاي بالحليب لي، كان باكو البسكويت يبدو مألوفاً لي. لم أره وأنا معك. أتذكر هذا جيداً . جميل طعمه مع من أكلته ؟ لماذا طلبته ؟، ولماذا طعمه غريب عليّ ؟ بعد هروبك تعمدت أن أرتدي صليب كبير مع تايير أسود حتى لا يقترب أحد منيّ. دخلت عالم القس الذي كان يطلب منيّ أن أنسى تلك الجملة التي كنت حين أقولها يحمر وجهه . أنا الذي ظلت أكثر من عشر سنوات منها أربعة سنوات كنت فيهم أجري إلى البيت فرحه وأكاد أطير حين أرى وجه ذلك القس. دخلت عالمه بكل يسر وسهولة في أسبوع. كيف حدث هذا؟ لا أعرف !



لعبة الصليب بين "ماجدة" والقس

كيف تمت تلك اللعبة .. في البداية كانت "ماجدة" تذهب إلى الكنيسة مساء كل أحد لتتقرب إلى المسيح ولتكون مؤمنة في عيون عائلتها المكونة من أب وأم وأخ كبير وأخت صغيرة، كان القس"ذو الصليب" قساً عادياً جدا يحب دينه ويحرص على عمل الخير ولكنه حين رأى "ماجدة" للمرة لأولى ارتعش جسده رعشة لم يعرف لها كيف أحرقت ذلك التابو المفروض على قلوب القديسين والرهبان، حينئذ أنتاب قلبه قلق ما. لنا أن نطلق عليه مسمى الماس الكهربائي الأنثوي. وسوف نعود إلى ذلك المسمى فيما بعد. المهم أن ذلك القس"ذا الصليب" لم يجد مكاناً يهرب إليه من عيون "ماجدة" التي راحت تتربص به حين يختلي بنفسه. ظل ذلك لمدة شهر أو شهرين قبل أن يفكر في غزو روح "ماجدة"، ولعبت الصدفة دورها في تغير مسار تلك الغزوة التي استبطنها ذلك القس. حين وجدها تمشي في رواق الكنيسة قبل الصلاة. أستجمع كل روحه التي تنسحب إلى قدميه حين يلمح وجهها من بعيد، ثم دنا منها وقال لها :
• لمٍ لا ترتدين الصليب ؟!
في الحقيقة أن ذلك السؤال خرج منه دون رغبة، ولكنه حين خرج نظرت إليه "ماجدة" بعيون صقر ينقض على فريسة، أكمل حديثه بعد أن ظن أنه أثار شعورها . رغم أنه علم فيما بعد أنه أختار بداية خاطئة وأنه أخفق وكان يجب عليه أن يضع حذاء في فمه بداً من أن يعيد ذلك السؤال، الذي ظل يندم على أنه طرحه أمام تلك الفتاة من الأساس.
• لماذا لا ترتدين صليباً أيتها الأخت الصغيرة ؟
كانت تعلم أن هناك أساليب عديدة من الرهبان والقساوسة لغزو عقول الشباب لكي يرتدوا صليبا حسب تعليمات عليا جاءت لهم. ولكنها لم تصطدم بأي منهم .رغم أنها كانت تحرص في العام الأخير على الصلاة في الكنيسة. ولكنها لم تكن تعلم كيف يتم ذلك الغزو من القساوسة بتلك لسذاجة والسطحية، فراحت تحدق في الفراغ وتنقل نظرها بتلك التوهمات التي راحت تتخيلها لذلك الصليب الذي يطلب منها القس أن ترتديه .
ربما كان علينا في تلك اللحظة التي أخطأ فيها ذلك القس في طرح سؤاله أن نكتشف لمًٍ سمي بـ" ذي الصليب ".
بعد أن عادت "ماجدة" من سفرها مع أشكل الصليب الذي طلب منها أن ترتديه، حدقت في وجهه ثم قالت:
• الدين لله والوطن للجميع .
ولنا أن نتصور مع تلك المقولة الاشتراكية التي ستكون محوراً لتلك العلاقة الخاصة بين "ماجدة" والقس، فقد فتح فمه ونظر إليها نظرة. سوف نطلق عليها "نظرة المطعون"، ونظرة المطعون هذه جاءت في فيلم "أدهم الشرقاوي" ، وهي النظرة التي نظرها "عبد الله غيث" حين ضربه صديقه الذي قام بدوره "توفيق الذقن"، ورغم الاختلاف الظاهر للعين المجردة بين الموقفين . فحين تلقى " أدهم " الطلقة أو الرصاصة من صديقه، كانت نظرته حين ذلك نظرة غير المصدق أن تأتي الصفعة من هذا الصديق. الذي سهر عليه وأخرجه من مواقف كثيرة، منها السجن على الأقل. أما تلك النظرة التي بدت في عين ذلك القس في تلك اللحظة فهي نظرة المفجوء بذلك الرد من تلميذة صغيرة لم يتعد عمرها الخامسة عشرة على أكثر تقدير. فما الذي جعلنا نطلق عليها نظرة المطعون رغم أن الموقفين غاية في الاختلاف.
في الحقيقة أن "ماجدة" نفسها ذهلت من الرد الذي خرج من فمها دون أن تفكر فيه ولم تتخيله حين كانت تتخيل الصليب الذي يجب عليها أن ترتديه لعيون ذلك القس المعذب بها . ولكنها حين رأت رد الفعل على وجه القس، تمنت أن تمسكه من يده كالأطفال الصغار بقبضة شديدة لا يمكن الإفلات منها وتقوده إلى ممر ضيق وتقبله في فمه، ولكنها لم تفعل شيئاً من ذلك. فظلت تنظر إليه. أما هو فقد فكر للحظات أن يمسك بيديها، ويسحبها إلى غرفة فسيحة مليئة بالأنوار ويظل يرفع حزاماً منقوع في الزيت لمدة سنتين على الأقل ، وينزل به على جسدها النحيف، ثم يعريها ويمارس معها الجنس أو التقبيل على الأماكن التي لمسها ذلك الحزام .وهنا لابد إلى الإشارة إلى أنه لوتم ذلك. رغم أن الموقفين مختلفان. فـ"ماجدة" عطفت على حال " ذي الصليب" حين وجدته مفتوح الفم وقدماه ترتعشان. أما القس"ذو الصليب" فكره رد "ماجدة".. تذكروا هذا جيداً .. كره الرد ولم يكره الذات . لست أعرف لماذا لعبت الأقدار تلك اللعبة لتبعد محبين حقيقيين عن بعضهما. ربما لأن الأقدار شاءت أن تحب "ماجدة " "عادل". الذي سو ف يدخل الدير ويظل فيه مدة أثنين وعشرون عاما أو يزيد ثم تتزوجه كما هو مطروح في الرواية. أو لأن القس "ذو الصليب" هو الشخص الذي يسمى في القدم ابن الخطأ الرومانسي، هؤلاء الذين يحبون دون أمل ما. فالحقيقة المجردة أن هذا القس قد أحب تلك التلميذة وصارت هي كل حياته. ولكن ماذا عساه أن يفعل وهو كما قلنا ابن الخطأ الرومانسي. أما "ماجدة" فقد أرادت بذلك الرد أن تلعب ولكنها لم تكن تدري أن ذلك اللعب سوف يؤدي إلى العدائية التي سوف تلازمها طوال علاقتها بذلك القس. رغم أن هناك بعض الفترات التي أستطاع فيها ذلك القس أن يمتلك زمام "ماجدة" وذلك حين هرب حبيبها وتركها ووجدها القس لعبة سهلة،راح يشكلها كيفما أراد، أو حسب تلك الأوامر بتعليق ذلك الصليب على صدور النساء والبنات. في البداية كانت الأوامر تخرج على استحياء من أفواه القساوسة والرهبان وذلك حين رأى أب الكنيسة الأرثوذكسية أن السياسيين أو العسكريين الذين يحكمون البلد يقيمون علاقات جيدة مع جماعة الإخوان المسلمين المناهضين للمسيحيين. فأراد أب الكنيسة أن يلوي عنق هؤلاء ويريهم أنهم سوف يخسرون كثيرا لو لم يقيموا علاقة على نفس المستوى بهم، ومن اجل ذلك رمى الأب في احد اجتماعاته بذلك الطعم في عيون أباء الأديرة والكنائس . فما كان منهم إلا أن راحوا يبشرون في أديرتهم بعصر الصليب. وما كادت تمضي فترة زمنية صغيرة حتى وجد ذلك الأب نتاج حلمه وبعث له هؤلاء العسكريون ببرقية" أن عليه الاستعداد لمقابلة رئيسهم في الأسبوع القادم في استراحة الإسكندرية ".



كان قد مضى عشر سنوات على تلك الفعلة التي فعلها ذلك الأب، وانتشرت انتشارا كبيرا في مصر ولكنها ما لبثت أن خمدت في العامين الفائتين حين أمر الرئيس بنفي ذلك الأب إلى دير بعيد وعدم مغادرته لذلك الدير. وعندما طرح القس " ذو الصليب " على "ماجدة" ذلك السؤال. كان يعلم أنه يضع عنقه تحت المقصلة، لو سمع احد العسكريين أنه يفعل ذلك ولكنه فعله وتمنى في لحظات كثيرة أن يكون مثل القساوسة الآخرين الذين يبشرون بالإنجيل فقط ، دون الوقوف على موضوع الصليب هذا، لا خوفا منه على رأسه ولكن لأن "ماجدة" صارت تعامله بعدوانية في السنين الطويلة التي تلت طرح سؤاله ، فلقد استشعر ذلك كثيرا في اللقاءات الكثيرة التي تجمعه بـ"ماجدة"، كانت تسمع إلى عظته وكلامه ثم تضع يديها على عيونها. ولحظتها يتهيأ له أنه نجح فيدخل يده جيب سرواله ليخرج الصليب البلاستيك الجميل الذي أشتراه من حر ماله في اليوم الثاني لطرحه ذلك السؤال على "ماجدة"، وعندما يهم أن يدخله في رأسها. تنظر في عيونه جيدا وتروح ترمي له جملتها التي تجعله ككلب أجرب يحاول أن يمنح كل الكلاب ذلك الوباء حتى لا يبتعدون عنه ويتركونه وحيدا هكذا جوار الماء حين يمد فمه فيه ليشرب. حتى جاءت تلك اللحظة التي تمناها في الأعوام السابقة، وهي لحظة أن أمسكت من يده الصليب. الذي تغير لونه من كثرة إمساكه وصار لا لون له ووضعه في
رأسها ليسقط على صدرها لينام بين زوج الحمام التعس.


أشياء ساعدت ذلك القس " ذا الصليب " دون أن يدري لكي ترتدي " ماجدة الصليب الذي لم يعد له لون.

كان أب الكنيسة الأرثوذكسية قد استعد تماما لذلك اللقاء. وارتدى جلبابه الأبيض الموشى بخيوط ذهبية ووضع على رأسه ذلك الطرطور الذي يعلو قمته ماسة فريدة لا يوجد مثلها في العالم، وقفت العربة في السابعة صباحا أمام باب حجرة الأب وخرج معه بعض أباء الكنيسة. ولكن ذلك الضابط الذي كان قد خرج من باب العربة الأمامي أوقفهم بإشارة من يده وقال للأب:
• نيافتك فقط الذي سيذهب للموعد .
قال الأب :
• هؤلاء آباء الأديرة ومعهم مساعدي، فرد عليه قائلا :
• هذه هي الأوامر التي عندي.
• فحاول أن يبين موقفا بطوليا آخر، وقال للضابط : أذهب إلي رئيسك وقل له " إما هؤلاء معي وإما لإ لقاء."
فتغيرت لهجة الضابط وقال لنيافة الأنبا أن لديه أوامر أن يحمله هو فقط لا احد معه.
عند ذلك قال أحد الإباء.:
• أذهب أنت أبانا وليكن معك المسيح والروح القدس. فأصر على موقفه من ناحية مساعده فقط لا الآباء الآخرين، فنزل الضابط على رغبته حرصا منه على لقاء الرئيس به. أمسك الأب بالصليب المصنوع من الأبنوس والمرصع بالياقوت والمرجان والأحجار الكريمة، وجلس في المقعد العريض لتلك العربة الجيدة المصنوعة في الاتحاد السوفيتي. كانت الاستراحة الموجودة في جزيرة بعيدة عن الشط بمقدار ثلاثمائة متر.
كان الموعد في الثانية عشر والوقت لم يحن بعد. جلس في حجرة كبير الياوران وراحوا يتحدثون بود مصطنع . وعندما حان الموعد في الثانية عشرة وقف كبير مساعدي الرئيس على الباب يعلن نيافة الأب أن عليه الاستعداد لمقابلة السيد الرئيس. كان الأب منذ علم بموعد اللقاء وهو يخطط ويدون الملاحظات التي سوف يتطرق إليها في الحديث وأمر مساعده أن يذكره بأي شيء ينساه.
وقف الأب يحمل الصليب في يده وجواره مساعده ولكن كبير المساعدين منع المساعد من الدخول، حاول الأب أن يتكلم ولكن الباب الذي يفصله عن الرئيس الجالس على المقعد الوثير أضاع عليه الفرصة الثانية لإظهار بطولته، فدخل إلى الحجرة. كان الرئيس يجلس على مكتب طويل وخلفه صورة كبيرة له بملابسه العسكرية ولا يبين صدره من كثرة النياشين والأوسمة، سلم عليه الرئيس وجلس بجوار المكتب.
كان الأب لا يعرف كيف يبدأ الحديث بعد كل السلامات وأخبار الكنيسة. تنهد الأب بصوت عال، فقال له الرئيس يبدو أنك مهموم بشيء ! فقال الأب وهو يرفع يده الممسكة بالصليب أشياء أيها الرئيس، فأبتسم الرئيس وقال له لم لا تترك الصليب على الترابيزة . أنتفض الأب حين سمع ملحوظة الرئيس التي قالها وعلى فمه شبه ابتسامة.
قال الأب، هذا الصليب لا يترك يدي سيدي الرئيس. ضحك الرئيس وقال يكفي الذي ينام على صدرك وهذه الصلبان الصغيرة المصنوعة من أسلاك الذهب فوق الرداء القيم الذي ترتديه. أم أنكم يجب أن ترفعوا علينا صلبانا لتخبرونا أنكم أصحاب الحق في هذا البلد.
اشتعل الموقف تماما بين الأب والرئيس. كما حدث تماما بين "ماجدة" والقس "ذي الصليب"، حين ألقى عليها سؤاله المتخلف بعد عشر سنوات من هذا التاريخ..
كان الأب ينظر إلى الرئيس والرئيس ينظر له دون إن يتكلم احد منهم. وبالطبع تمنى الرئيس أن يرمي ذلك الأب في الجحيم، أو على الأقل يفصل جسده عن رأسه. والأب لم تبق لديه أمنية سوى أن يذهب إلى كنيسته ليرفع صليبه على ذلك الرئيس ولا يرى وجهه مرة أخرى.




كانت الأشياء التي ساعدت القس " ذي الصليب " على ارتداء " ماجدة للصليب، تتلخص في ثلاث نقاط.
النقطة الأولى:
هروب "عادل" منذ ست سنوات.
النقطة الثانية :
زيارة " ماجدة" للدير الذي دخله "عادل".
النقطة الثالثة:
انهيار الحالة النفسية لـ "ماجدة" بعد وفاة أبيها وأخيها ووحدتها القاسية.
فعندما أمسكت "ماجدة" بالصليب الذي تغبر لونه من كثرة إمساك يد القس له في أيام كثيرة وهو يحدثه كأنه إنسان يسمعه ويحكي له عن تلك الرقبة الجميلة التي سوف تزين به وعن مدى حبه وهيامه بها ويقول له:
• انتظر أيها الصليب وسوف تكون في رقبة أجمل أنثى رايتها، ولابد في يوم سوف تنام بين فرخ اليمام النافر فوق صدرها، ولكن تذكر لحظتها أيها الصليب صاحبك المسكين وقل لليمام، متى تحط فوق يدي ؟
حين أمسكت "ماجدة" بالصليب من يد القس سمعت صوت القس وهو يقول للصليب بصوت هامس:
• لا تنس يا صديقي.
خذوا بالكم جميعا من تلك الجملة، أنها مفتاح تلك الشخصية التي أطلقنا عليها أسم القس ذي الصليب، فذلك القس يحب الصليب بشكل مرضي. حتى انه ظل يحلم لمدة طويلة بحلم واحد لم يتغير. وقبل أن أحكي لكم عن الحلم يجب أن نتذكر سويا "بارا باس" ذلك الرجل الذي ظل يتابع المسيح خلال الأيام الثلاثة بعد أن أطلقوا سراحه وقال له الحارس وهو يدفعه في صدره ويصرخ فيه..
• لماذا تقف هكذا فاتحا فمك ؟ أخرج من هنا أنت حر .
أتدرون ماذا تعني أنت حر لواحد حكم عليه بالصلب حتى الموت. أنا أتخيل ماذا حدث لذلك الرجل المدعو "بارا باس"وهو الذي يعرف أنه لا احد هناك في انتظاره. لا احد، لا زوجة تشق هدومها عليه، ولم يكن له في يوم من الأيام أخت تؤلم خدودها من اجله ولذلك أعتقد أن" بارا باس" ظل يتبع المسيح لأنه وجد له أم. نعم لا تشبهه كثيرا وتبدو صارمة وحزينة ولكنها أم على أي حال. كما أن للمسيح هذا روحا خفيفة تجذب كل الذي ينظر إليه، ولكن تلك الروح لم يكن لها وجود في أن يتبع "بارا باس" ذلك المشهد، ولكن وجه تلك العذراء التي تمسح فمها وأنفها بظهر يدها رغم أن أبنها مصلوب هو الذي أبقاه، وراحت الأفكار تلعب في رأسه وكلما خطا خطوة ظهرت لعيونه تلك السيقان الممتلئة والجيدة الصنع لتلك الصارمة حين تنسى لحظة أن" يوسف النجار" يقف جوارها وتتذكر فقط أن المصلوب أمامها هو أبنها، لحظتها سترفع الجلباب وتمسح المخاط الذي لم تعد اليد تعمل فيه. ولكن الشيء الغريب أن" بارا باس" عاش بعد ذلك المشهد وتلك الأحلام التي لم تتحقق خمسة وعشرين عاما لم يفكر في تلك العذراء مرة واحدة وظل وجه المصلوب هو ما يؤرق مضجعه.
هل تدركون نظرة ذلك الـ" بارا باس" حين وقف أمام الملك وعفى عنه بدلا من المسيح. تلك النظرة هي نفس النظرة التي نظرها ذلك القس" ذو الصليب" إلى "ماجدة" حين أمسكت من يديه ذلك الصليب الذي ظل يحلم أعواما طويلة أنه سيلبسها إياه .
حين ذلك فتح القس فمه مثل "بارا باس" ونظر إليها النظرة التي نظرها "بارا باس" للملك وللحارس وهو يدفعه في صدره ويقول له:
• " أنت حر ". كثر تقدير . فما الذي جعلنا نطلق عليها نظرة الم


الذي لم يقله نيافة الأب لمساعدة

حين قال السيد الرئيس ـ الذي كانت صورته وهو يرتدي بزلته العسكرية تغطي مساحة الحائط الذي لا يقل عن سبعة أمتار في سبعة أمتار ـ لنيافة الأب :
• دع الصليب على المكتب .
وأرتعش الأب كالمحموم لم يكن في باله على الإطلاق أن الرئيس لم يقل تلك الجملة اعتباطا كما هيئ له، فلقد أراد الرئيس أن يقول له ببساطة أنه يعلم تلك الدعوة التي انتشرت تلك الأيام وأن رجاله لا ينامون على أذانهم ومفتحين عيونهم لكل كبيرة وصغيرة، ولذلك أخطأ الأب في تلك الهمجية التي رد بها على الرئيس وهو يشير بالصليب في وجهه ويقول:
• هذا الصليب هو حياتي، وكل أمالي وفوق ذلك ديني الذي بعثني الله عليه
سكت الرئيس قليلاً ثم قال له بعد أن أمسك بكوب العصير في يده:
• ومن أجل هذا قلتم لكل المسيحيين ارتدوا صليبا.
ثم وضع الكوب على فمه . بهت الأب وكادت روحه تفر منه ولم يجد رداً ، ثم وضع الكوب على فمه. عندما وقف الرئيس حاول الأب أن يقف ولكن قدميه خانتاه قليلاً فوضع الصليب على الترابيزة القريبة منه ثم وضع يده وأقام جسده الثقيل بصعوبة. لم يقل الرئيس إلا جملة أخيرة ثم ودعه دون أن يمد يده له، وعندما هم الأب أن ينزل بيده على الترابيزة ليمسك بالصليب قال له الرئيس :
• أتركه أيها الأب .. فلن يلزمك.


في معرض كلامي عن القس" ذي الصليب " قلت لكم إن لهذا القس حلماً وحيداً ظل يلازمه فترة. ذلك الحلم هو حلمه مع تلك البنت التي أسماها "ماجدة" ولقد ساعدته الظروف أو النقاط الثلاثة التي تكلمنا عنها. ذلك القس في التقرب إلى "ماجدة" وترسيخ ذلك الحلم، وقبل أن نعرف الحلم علينا أن نرجع سويا إلى شخصية " خالد هارون " خطيب " سعاد " في رواية " كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد ". تلك الشخصية التي أطلق عليها " ياسر شعبان " مصطلح أبناء الخطأ الرومانسي، هم لأبناء الشرعيون لقيس وروميو وكل الآباء الذين تعبدوا في محراب الحب العذري. ولكن الشيء اللافت للانتباه. أن "خالد" هذا ولد عملي جدا وأبعد ما يكون عن هؤلاء العذريين، فعندما التقى بـ" سعاد " قال في نفسه :
• هذه بنت تصلح أن تكون زوجة جيدة لي .
وعلى ذلك تقرب إليها أيام قليلة قبل أن يذهب إلى بيتها ويتم التعارف الرسمي وحين وجد تلك البنت التي كانت على وشك أن تنام في حضنه. فلقد حدد موعد الزواج قبل أيام من مرضها ـ تنام على سرير بمستشفى إمبابة أحس بنغزه فوق القلب تماماً لم تخطئ موقعهاـ تماما مثل النغزة التي أحسها "صموئيل" حين سمع صوت "ماجدة" الغائبة عنه أثنين وعشرين عاماً ـ ربما كانت تلك النغزة هي علامة من تلك العلامات التي أتت للقس"متّى" وربما تكون هي اللحظة الفارقة في حياة هذا الـ " خالد " .
المهم أن الظروف جاءت مهيأة لهذا الولد حتى يظل يعذب نفسه بقية حياته. فلقد كان " خالد " يسكن في الساحل أي لا يفصله عن المستشفى إلا كوبري علوي. فكان يتركها في الثانية عشرة مساء ويعود إليها في السادسة صباحا. وأظن أن هذه الظروف هي التي جعلت ذلك الولد أبنا شرعياً من أبناء الخطأ الرومانسي، الذي تكلمنا عنهم، فمن لحظات اليأس يتولد حب خالد. فلقد استمر ذلك الحال لمدة ثلاثة وعشرين يوماً، كانت فيهم"سعاد" تنقص وتتغير ملامحها كثيرا، وتنمو أكثر في قلب " خالد ".
وعندما ماتت " سعاد " دخل معها ثلاثة، الأب، الأخ، خالد. وبالرجوع إلى الرواية التي لا تختلف كثيرا عن الواقع ستجدون أن الأب أمر الأخ أن يمسك بوسطها وأمر " خالد " أن يمسك بأطراف أقدامها، ثم طلب منه أن يلقي عليها السلام من مكانه ويخرج. ولكن الذي لم أقله . أنه في نفس يوم وفاة " سعاد " وفي نفس الساعة ونفس الدقيقة من العام التالي مات الأب، وأنجبت " هويدا " زوجة سعيد بنتا حلوة الأولى.تسميتها " سعاد " . وهكذا تكون الكتلة الثلاثية قد اختلت تماما والذي فقد من العائلة كان الأب الذي كان بعيدا خالص حين أتحدت تلك الكتلة في المرة الأولى .
ولكني اكتشفت شيئا أذهلني وجعلني أبدو كالمجنون حين مات أبي. كما فعلت عندما ماتت سعاد وكنت قبلها بسنة قد كتبت قصة تنبأت فيها بموت "سعاد" .. ذلك الشيء الذي أذهلني أنني كنت قد هيأت لموت ذلك الأب في الرواية. كيف حدث هذا وأنا الذي كتبت الرواية كما قلت في ثلاثة أيام، وكان الأب خلال هذه الأيام حزينا لفقد أبنته، ولكن ليس بمقدار حزني أو حزن الأم. فكيف منحني الله تلك العلامة قبل موت الأب بعام إلا أربعة أيام ؟!! لا أعرف . هذا التشوف كان حين عاد الأب من دفن"سعاد"، وتكونت أمام " خالد " كتلة ثلاثية مرة أخرى كانت مكونه وهي:الأب، الأم، والأخ، ولحظتها قال"خالد" جملته التي طرحت في سياق الرواية وهي :
• ما هي الحلقة الجديدة التي في الطريق إلى الإفلات من تلك الكتلة ؟
ولقد كانت تلك الحلقة هي الأب. الذي أنزله إلى القبر اثنان، هما"خالد" و"سعيد"وهكذا ساعدت الظروف ذلك الولد" خالد " ليعيش خمسة أعوام حتى الآن أبنا وفيا لأبناء الخطأ الرومانسي.
أما كيف تغير" خالد" من الإنسان العملي إلى ذلك الشخص الذي أراه اليوم بعد مضي كل هذه السنوات على موت " سعاد ". إنه يتمنى الموت يا أخواني. أقسم لكم أنه فقط . ينتظر الموت. كيف أتت إليه تلك اللحظة الفارقة ؟، فهذا السؤال أتركه لكم، ولكن على مستوى ذلك القس"ذي الصليب" مع "ماجدة". فأنا أطرحه الآن لأناقشه معكم، بالتأكيد تعرفون متى جاءته اللحظة الفارقة، ولكن متى تحكمت فيه وجعلت ذلك الحلم المرعب يستولي عليه لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر ؟ هذا هو السؤال. وللإجابة عن ذلك السؤال يجب علينا أن نعود إلى تلك اللحظة التي قالت فيها "ماجدة" جملتها الشهيرة أول مرة وبعدها تمنت أن تمسك بيديه وتمضي به حيث لا أحد هناك وتقبله قبلة طويلة، ربما بعدها يمارسون الحب أو لا. هذا لا يعنينا، وبالضبط كانت أمنية ذلك القس الذي تمنى أن يمسك بها ويظل يضربها بذلك الحزام الذي تم نقعه في الزيت لمدة لا تقل عن عامين، وبعد ذلك يقبل الأماكن التي لامسها ذلك الحزام ورغم أن الحلم يكاد يكون له مدلول واحد في النهاية، وهو ممارسة الحب إلا أن الحالة النفسية التي يعيشها القس في تلك اللحظة جعلت حلمه مليئا بالسادية تماما .
ولكن الشيء اللافت للانتباه هو أن تلك اللحظة قد أثرت على عقل ذلك القس بعد ذلك، ولمعرفة هذا. يجب عليكم مرة أخرى أن تعودوا لتقرءوا الفصل الخاص عن الفوبيا. أما الذي نحن بصدده الآن، أن تلك اللحظة هي التي أختزنها العقل الباطن لذلك القس حتى تم إفرازها في ذلك الحلم الذي لازمه ثلاثة أشهر ولم يستطع أن يعترف به حتى أمام صورة أو على الأصح تمثال المسيح ذاته .
ذلك الحلم مليء بالممارسة الجنسية، حتى أن أحد الزملاء فكر أن ذلك القس الذي أطلقنا عليه القس"ذا الصليب"، قد أخذ عهدا على نفسه أن يستحم كل صباح ـ رغم أن الجو باردا جدا ـ ورغم ذلك رفض أن يسأله عن ذلك العهد خلال الثلاثة أشهر، ولكنه حين وجده في صباح أحد لأيام يدخل إلى الصلاة مباشرة دون أن يسكب الماء البارد على رأسه. قال له:
• هل أنت حر الآن ؟!
وكان ذلك الصديق يعتقد أنه تحرر من العهد الذي أخذه على نفسه ورغم ذلك أنظروا إلى تلك الجملة التي خرجت من فم صديق القس ، ونفس الجملة التي خرجت من فم الملك وفم الحارس لباراباس ...
• أنت حر ؟ !!
إيه يا أخت "ماجدة" كوب الشاي يكاد يقع من يديك !
أمسكت بالكوب، ورسمت على شفتي شبه ابتسامة لذلك الوجه الذي سميته" وجه مانحي الحياة" وذلك قبل أن أعرف تلك الأشياء القذرة التي فعلها ليفوز بكرسي الدير. أغمضت عيني مرة أخرى لأبحث عن عيونك التي رغم ضياع ملامحها كنت أرسمها بدقة في لحظات كثيرة. هل تعلم أن صورتك التي أحتفظ بها داخل إطار جميل، أخرجتها من الكتاب الذي احتفظت به جميلا وأنيقا كما علمتني. فأبت ملامحك فيها وبقيت عيونك. ما الذي يحدث عندما أخرج تلك الصورة ؟ هل تعرف يا "عادل" أن النظرة التي تلقيها عيونك عليّ تكفي لامتلائي ثلاثة أسابيع بالتمام والكمال ! هل تعلم أني أخرج تلك الصورة كل أسبوع مرة .. ورغم ذلك لو تعلم ماذا صنعت وأنا التي أغافلك في الأسبوع مرتين. وأفتح ذلك الكتاب وألقي نظرة على عيونك. ورغم ذلك تصور، أنا أسرق صوت زوج أختي العالي، وأحتفظ به لأكثر من ساعتين. وأقتل الإوزات الصغيرة التي خرجت من بطة أختي. أنا أفعل ذلك. لا داعي لهذه الأشياء الآن .فإني أكاد أموت عندما أتذكر ما فعلته، أتذكر يوم اعترفت لي بأخطائك الصغيرة ؟ أنا الآن أريد أن أعترف بكل الأشياء القذرة. ولكني لا استطيع. فليس لي عيون كعيونك، ولا لسان كلسانك. أحفظ كل جملة قلتها لي قبل أن تصرح في النهاية إنك رغم كل أخطائك تحبني . هل تذكر لحظتها . تمنيت أن أحضنك أمام الناس، أدفس عيونك بين ثديي وأسقيك لبنهما حتى ترتوي. جلست جواري ثم أخرجت ورقة ومنحتها لي. ما زلت احتفظ بها، أخرجها كل أحد رغم إني أحفظها كأنجيل لوقا. خبرني يا"عادل" كيف كتبتها ؟ هل أقولها لك مرة أخرى حتى تحل شفرتها التي أرقتني اثنين وعشرين عاما، هل أنت مؤمن أم كافر ؟! سوف اتلوها عليك الآن يا حبيبي، ربما أرتعش صوتي قليلا فلا تؤنبني لذلك . هكذا بدأت الرسالة " أنا الذي لم يعمد، ولم يتناول خبزا مباركا أبدا، كما أني لم أعترف أمام كاهن من كان. رغم إنني لا أخلو من الشر البته ، قبلت ابنة الجيران ست مرات، حلمت بهند رستم في موقف عري كامل، بصقت على وجه ولد بعث خطاب لأختي، أجلست العجوز مكاني لمجرد الفوز بالدعاء . وأشياء كثيرة هكذا . دمعت عيناي لحظتها وأنا أسمعك . هل تسمح لي أن أبكي الآن، ولكني قبل ذلك أؤكد لك ،الناس تحب، أخوتك تحب، لا تحمل ضغينة لكائن من كان، ترى الشيطان بأم عينيك، تتجنبه. ولما يحول بينك وبين نفسك، تدعو أمك الحنون. هل تذكر حين كنا نمر جوار عراك لبعض الناس، حين ذلك أتذكر جيدا دعوت أمك الحنون وكدت تبكي لها، حتى قضت على العراك بعصا تشبه عصا الحوذي حين يدفع الطريق تحت أرجل حصان قديم. وفي المساء حين دخلنا الكنيسة سويا رأينا دموع أمنا حين أشعلنا لها الشمع وخفت أن أقول لك، وخفت أن تقول لي. ترى يا "صموئيل" لماذا بكت لأجلنا أمنا ؟ ولماذا لم تقل لي أنك رأيت دموعها ؟ ولماذا لم أقل أنا لك ؟ ،أعلم أنك تحمل وجع الناس، منذ رأيتك وأنا أعرف ذلك. تفرح حين تجلس العجوز على الكرسي. أنت لم تخلق محض عادي يا "عادل"، لك قلب يحس بارتعاشة البكر والمرأة الثيب. ألا تتذكر حين أعطيت للسائق سيجارة لمجرد أنه فتح الباب الأمامي لرجل ضرير، وحين داس الرجل ذو الشوارب العريضة على قدميك، دهسها تماما أيها الحبيب. ورغم ذلك قلت له" هناك متسع أخر يا صديق "، دمع كثير من عينك رأيت، دمع أكثر لم أراه،مباح لكل الناس ما في جيبك، كل ذلك من أجل أن يمنحوك ما تحت صدورهم، كما قلت حين وضعت في يد الشماس المقطوع الساقين كل ما في جيب سترتك الرمادية. ومشينا أكثر من سبعة كيلومترات على قدمينا، ولكن مالا تعرفه أيها الحبيب أنني حين ألتفت للوراء لألقي نظرة على الشماس لأرى وقع كل ما في جيبك. حين نام في حجرة، هل تعلم يا "عادل" ؟ كانت عيونه ملأ بشفقة أم شريرة على أطفالها الذين لا تعرف لهم أب. هل تتذكر ما قالته لك حين اصطدمت عين بتلك النظرة التي كانت في عين ذلك الشماس. أنا لا أتذكر يا حبيبي. طريقا طويلا يا "عادل" مشيت. فهل أيقظت الأنفاس الفاترة؟!، لماذا تركتني إذا أضيع وأعلق ذلك الصليب على رقبتي ؟، وكيف سمحت لذلك القس الذي ظللت عشرة سنوات أراه في أحلامي كلبا أجرب يحاول امتصاص دمي ـ أن يدخل إلى حياتي، تصور يا "عادل" لم تعد هناك أي علاقة مع صديقاتي المسلمات. لا أعرف كيف كرهتهن كل هذا الكره!، أنا التي تملأني نظرة حبيبي التي أقيم لها قداس الجمعة حين أفتح ذلك الكتاب لأرى وجهك يحاصرني ويخشني أصبحت أكره، بل أصبحت أتعمد الاتكاء على وجع البنات المسلمات اللائي كنت أعرفهن، فهل أيقظت الأنفاس الفاترة وأمت أنفاسي ؟ يا حزني عليك يا حبيبي . الآن أعترف لك، أعرف أن كل ساعة تدق الآن ووجهها للسماء يرتفع، ما أجهل اليهود بالله، كيف يكون السبت عطلة الله لله ؟! وهو يفعل هكذا لنا نحن أولاده الخائبين، والذين يفعلون الشر في عيونه.
• إيه يا "ماجدة" خلاص إحنا قربنا .
فتحت عيني سمعت صوت"متّى" يقول تلك الجملة. كانت بقايا البسكويت على الجونلة السوداء وكوب الشاي ما زال في يدي يحمل ذلك الدفء، هل مرت خمس ساعات وأنا أحاورك ياااه.. لقد مر اثنان وعشرون عاما، فكيف لا تمر تلك السويعات القليلة؟!
• اعذرني يا أبت فلم انم .
كان يعلم إنني أكذب عليه ورغم ذلك رفض أن يمنحني فرصة قول الحق كما كان يظهر لي .
• على كل حال نحن الآن أمامنا أقل من ساعة ونكون داخل الدير إن شاء الرب، ويجب عليك أن تعلمي كل شيء .
عندما خرجت تلك العبارة من فم"متّى" ارتعشت قدماي وقلت له :
• أنك تخيفني بتلك اللهجة الصارمة. هل حدث شيء لـ"عادل"، أخبرني بربك ماذا حدث؟
• لا شيء أيتها الأخت، ولكن اسمعي مني دون أن تعلقي على شيء.
• تفضل يا أبت .
• الأخ العزيز "صموئيل" الذي عشت معه الآن أكثر من تسعة عشرة عاما، كان فيها نعم الأخ الصالح، لم يبد منه أي شيء تجاهي ، كما أنه عفا عن أخطاء كثيرة حدثت مني . ورغم ذلك أراه غير سعيد على الإطلاق . لا أزعم أنني أعمل الخير كله له، ولكنني أعمل لخيري أنا. ويجب علي أن أعترف لك أنني جد حزين من أجل "صموئيل"، رغم أنني لا أحمل له حبا كبيرا، ولكني جئت بك من أجلك أنت ومن أجلي أنا. ويجوز من أجل"صموئيل" أيضا. الله أعلم، كل ما في الأمر أن الأب"بشاي"، أب الدير على وشك ترك المنصب ويريد أن يرشح للدير الأخ "صموئيل"، ومن أجل ذلك جئت لك. إن "صموئيل" لا يصلح أبا للدير، فهو عاطفي جدا، وحالم، ولن يستطيع أن يحافظ على هذا الدير. فهم يعلمون جميعا أن بوجود "صموئيل" على كرسي الدير فإن لهم ما يحلمون به، ومن أجل ذلك جئت إليك. أنه حين يراك ويعلم حقيقة موقف اخيكي، سوف يترك هذا الدير وإذا لم يتركه فعلى الأقل سوف يتنازل عن لكرسي ليعيش على اجترار ذلك الحلم الرومانسي. هل فهمت كل شيء الآن ؟
• فهمت كل شيء، ولكن لن أذهب معك ليس من أجل"صموئيل"، ولكن من أجل الرب الذي لابد اختار "صموئيل" لشيء أفضل من الزواج بي. هذا ما اعلمه أيها الأب.
• لا تكوني عاطفية أكثر من اللازم أيتها الأخت وتأكدي أنني أحب الرب جدا، وإذا لم يكن أكثر منك فعلى الأقل مثلك. ولكن عندي أحلام أن أجعله ذو عيون. هو بيت التبشير الذي حكى عنه تلميذ الرب "أشعيا "، أريد لذلك الدير أن يصبح هو المكان الأول في كل شيء. ومن أجل الرب أصنع ذلك في عيونه . وتأكدي إن كان الرب يريد "صموئيل"، ما بعثك لي وأخذت منك الاعتراف . فلقد كنت ممنوعا من تلقي الاعترافات أربع سنوات بالتمام. ثم أنه لو كان يريد "صموئيل" داخل الدير فأنه لن يأتي معك ، ولحظتها أقسم لك، وهذا قسم يشهد عليه الرب. سوف أكون عونا من عند الرب له .
أومأت برأسي وكنت أتمنى أن يكون صادقا، فأكمل هو دون أن يتركني أتحدث عن ذلك.
• عليك أن تدخلي الدير وتسألي عن "جرجس"الشماس، ثم قولي له إنك تريدين الاعتراف لأب جيد داخل الدير ، وسوف يهديك إلى "صموئيل" أحكي له كل شيء. أحك له عن لحظة العراك بينه وبين اخيكي . ودعي كل شيء ليسوع المسيح يفعل ما يشاء. وعلى كل شيء اعتقد أن "صموئيل" قد أفرط في قراءة سير القدسيين مع انه من الأفضل له أن يتزوج .
عندما سمعت تلك الجملة من فم ذلك الأب. انتفضت وجرى قلبي كأرنب بري يريد الانقضاض على فأر حيوي الحركة، وقلت لذلك الأب:
• نحن في حاجة أن يكون كل المسيحيين مثل أمثاله.
تغير وجهه وهو يرى انتفاضة جسدي وقال بود مصطنع :
• أعرف ذلك أيتها الأخت، نحن في حاجة إلى أمثاله . ولكن ليس فوق الكرسي الدير. فهؤلاء المستعدون تماما للبرهنة على إيمانهم كما كانوا يصنعون في عهد الوثنين، هؤلاء الذين يغلب على طبعهم تفانيهم المغرور من اجل الحقيقة التي يؤمنون بها، هؤلاء الذين يقدمون رؤوسنا إلى هؤلاء المسلمين على طبق من فضة. ويجب أن تعلمي هذا جيدا. فكثيرا ما يصيح بك أحد الجالسين أمام المدفأة." مت من أجل المسيح "، وحين تدعينه أن يشاركك في ذلك يلتفت إليك ثم يقول بصوت جميل " لدي أشياء علي أن أرعاها، ولن أموت الآن، كما أن نفسي غير رغبة في الموت من أجل ذلك المسيح. كما أنه يدعيأنه قد مات من اجلنا " .
• إنك غريب أيها القس وتذكرني بذلك القس الذي ظللت عشر سنوات أمارس الاتكاء على وجعه، وكان قلبي يمتلئ بالحب حين أعود وأنا منتصرة عليه، ولا ألبس ذلك الصليب الذي يحمله في جيب جلبابه. هل تعلم إنني الآن ـ وذلك بسبب هروب "عادل" ـ قد انزلقت إلى عالمه والآن أنت تمارس نفس اللعبة معي مرة أخرى.
• هل علي أن أنتظر عشر سنوات مثله أيتها الأخت حتى أقنعك، أمامنا الآن أقل من نصف ساعة وليس عشر سنوات وعليك أن تحددي إما أن تموتي من أجل المسيح أو تقولي لا .
• لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها هذه المتاهة. فلقد مارسها علي ذلك القس واستطعت أن أهزمه عشر سنوات، أتدري كيف فاز علي ؟ ذلك القس. لقد دخلت عليه بعد هروبك بسنوات طويلة كان مازال يتذكرني رغم أنني كنت ارتدي رداء اسود وعلى صدري ذلك الصليب المصنوع من البلاستك الأسود والذي ينام فيه المسيح بطريقة تجعل ذلك الأسد الذي يتصدر إنجيل مرقص بوحشيته وهيبته أسدا خائبا تماما وعاطلا عن فتح فمه الملئ بالأنياب الحادة . أنا كنت تماما كذلك أيها الأب"متّى"، عاطلة عن فتح فمي أمام ذلك القس الذي لا يشبه المسيح المصلوب في ذلك الصليب الأسود المصنوع من البلاستيك على الإطلاق .على الإطلاق لا يشبه المسيح أيها الأب، ورغم ذلك، رغم أنه بعيد عن المسيح فلقد أصبحت عاطلة عن الاتكاء على وجهه مثل الأسد الذي يتصدر الإنجيل الذي أعطاه لي "عادل" وقال أنه من مستشرق أجنبي، ولتعلم أيها الأب لا شيء يبعث على الشجاعة لدى الخائف قدر خوف الآخرين، ولقد أحس ذلك القس. خوفي فاندفع نحوي. وكما قلت لك أنني كنت عاطلة عن الاتكاء على وجعه مثل الآن تماما أيها القس.
ابتسم"متّى" حين قلت له ذلك، ثم قال لي كي يجعلني أكمل :
• بل متحدة مع ذاتك كما قال المسيح، حين قال" يا أبنائي عندما يأتي الحب المجنون لا يستطيع الإنسان أن يفعل شيئا. فعندما تخطف الروح تكون الفضيلة الوحيدة في حب ما تراه، وتكون السعادة العظمى في امتلاك ما هو لك وما هو مهيأ من قبل المسيح لك. "
• أنت مثل القس أيها الأب"متّى"." مثله تماما لا يفصل بينكما إلا المكان، فكلاكما في مكان مختلف . كان يجب علي أن أعرف ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها، ولكن يبدو أن قلبي ليس مليئا بالقدر الكافي لتعقب العلامات، كل الحيوانات رديئة الصنع من قبل الله.
كانت الجملة مفاجئة لـ"متّى" بمقدار لم أعرف كيف تقبلها وإن كنت أعتقد أنه كاد أن يرفع يديه ويهوي بها على وجهي وهو يقول لي إنك عاهرة ولكنه سكت قليلا ثم قال:
• لست سيئا بهذا القدر يا أخت، ولكني أعلم مقدار ذاتي ويجب أن يجلس على كرسي الدير راهب عليم بالحياة وليس فوق الحياة، رجل يملك القدرة على إصدار أوامر وتصحيح أوضاع. وأنا ذلك الرجل أما "صموئيل"حبيبك لو جلس فوق الكرسي كما يحلم ذلك الأب المخرف وهو يعلم جيدا أنني أنا الذي سوف يجلس على الكرسي ومع ذلك يناورني، فقط أعتقد أنه لو جلس "صموئيل" لرأيت كاثوليك كثيرين يصلون صلاتهم داخل الهيكل وسوف يخزنون حبوبهم داخل قلالى الرهبان حين يفيض الحب عن مخازنهم، ويجب أن تعلمي أنني راهب أحب المسيح وأستطع فيه كل شيء، وللمحافظة على ذلك الدير. يجب أن أجلس على كرسيه، ليس من أجل الأموال التي اعتقد أنها كثيرة، وليس من أجل ذلك الرداء الجميل، ولكن من أجل أن يظل ذلك الدير فقط أيتها الأخت، ولن يدخل أحد من الكاثوليك ذلك الدير طالما كنت على رأس الكرسي.
حين ذلك انتبهت إليه فقلت له دون أن أنظر إلى وجهه:
• أسمع أيها القس المليء بالأوحال والقاذورات مثل الذين نتحدث عنهم. أنا لا يعنيني كل هذه الأوحال ولا يهمني رأيك على الإطلاق، ولكن يجب أن تعلم أن"مدرسة الحب الكبرى التي تحدث عنها المسيح وقبله موسى وإبراهيم وأخيرا صاحب رسالة المسلمين"، يجب أن تستمر. ليس من أجل شيء، ولكن من اجل بقاء الإنسان على ذلك الكوكب وستنهض مدارس الحب الكبرى على الأرض وتوقف المعرفة الحسية والمعرفية وسوف تدفعهم إلى بعضهم البعض غدا وإن لم يكن غدا فبعد غد على أكثر تقدير، سيطلق سراح الحيوان البشري وقد تطهر من كل تفاهته الثقافية القذرة وكل غائطه الحضري المتحجر الرافض لكل معتقداتكم، وستطأ الروح البشرية التي تشع ضياء وحبا ولتعلم أيها الأب أنني سأتزوج "صموئيل" ، وسأضاجعه وأنجب أطفالا لا يضعون ذلك الصليب على ياقات القمصان، ولكن في قلوبهم وسوف يكونون ملائكة وشياطين، سيتعلمون الرياضيات وعلم اللاهوت. فكم هو رائع حين ذلك أن يخوضوا صراع الجسد والتحرر من قيود أمثالكم المتمسكة بالتوراة. رغم أنكم لم تنقذوا يسوع من موسى، ولتعلم أن روحي تنتفض بالفرحة وأنا أتأمل ذلك البيت الذي سيشع نورا إنني أرى بوضوح أكثر الآن أن تلك الحياة هي التي قال عنها المسيح وموسى ومحمد. فالحب هو مدلل تلك الروح اللاهثة من ألاعيب الشيطان ويجب علي أن أهيئ لـ"صموئيل" استرخاء الروح حتى يستطيع أن يتبول بصورة أكثر سهولة على أمثالكم من حاملي صليب الخطايا والضلالات مع أنهم أوغاد أو على وجه التحديد إنكم تحملون في نفس الوقت وصفات صناعة خبز الملائكة ابتداء من الراحة عند نهاية البحث ومرورا بللين والرعب والراحة الخ. ما أسوأكم أيها الأب حين يقف الواحد فيكم ويصر على الاستمرار في تغذية أمال كاذبة لذلك الحلم الأزلي ليتحمل خطايا الآخرين كما فعل المسيح، يجب عليكم أن تعلموا أن المسيح صلب وانتهى الأمر ولن يكون هناك مسيح جديد. عند ذلك وجدت يد"متّى" تربت على فخذي فانتفضت ونظرت إليه نظرة حقد لم يره قبل ذلك، فقال لي:
• إهدائي أيتها الأخت نحن متفقان تماما، ليس بيننا أي اختلاف وباستطاعتي أن أقول وأنا مستريح البال " متفقان تماما . أليس كذلك ! " .
كان " متى لا يدري ماذا يقول لي حتى وأنه قال أليس كذلك ست مرات دون أدنى سبب واضح. أخرجت المنديل من حقيبتي السوداء ومشيت به على وجهي ونظرت إلى الشباك المسدلة ستائره المعدنية فوجدت من خلال بعض الفتحات أننا على وشك الدخول إلى المحطة فقال لي "متّى":
• أستعدي أيتها الأخت التي أحسد "صموئيل" عليها ولتعلمي يا "ماجدة" واسمحي لي أن أدعوك "ماجدة" دون ألقاب أنه لو كانت هناك واحدة تنتظرني بكل هذا الجمال فأنا على استعداد أن أفقد رأسي وليس كرسي الدير فقط .
ابتسمت له ابتسامة تشبه إلى حد بعيد تلك الابتسامة التي احتفظت بها في الذاكرة من فيلم"ليلى بنت الأكابر" لتلك الممثلة التي تمنيت أن أعرف أسمها يوما ولم استطيع ذلك، كل ما عرفته عنها أنها ظهرت في فيلم آخر وكان المنظر الذي يستطع في ذاكرتي لتلك الممثلة التي كان يجب عليها في الفيلم أن ترمي برأسها على كتف الممثل الجالس جوارها حين تدخل "ليلى مراد" تغني أغنية لكي تحمس هؤلاء الجالسين على التبرع للهلال الأحمر. فقط ترتمي برأسها على كتف الجالس بجوارها وهي ضاحكة وعلى" ليلى مراد أن تأخذ من يد ذلك الرجل مبلغا من المال ثم تمرر يدها على وجه تلك الممثلة لتجعل الجالس جوارها يدفع أكثر كما فعلت مع الثلاثة الآخرين وتظل هي مبتسمة فقط وفي انتظار تلك اللمسة التي نسيتها " ليلى مراد" في لحظة أندمجها وقد قلت لـ"عادل" بعد انتهاء الفيلم لرابع مرة أن"ليلى مراد " تعمدت إذلال تلك المرأة لأنها مرت ثلاث مرات أمامها ولم تلمس وجهها كما فعلت مع الآخر يأت، حين ذلك التفتت تلك الممثلة لـ" ليلى مراد " ونظرت إليها تلك النظرة التي احتفظت بها دون أن أدري لذلك القس، قال لي الأب"متّى":
• بمجرد أن تدخلي الدير. أدخلي على الشماس ـ أسمه "جرجس"ـ واطلبي منه أن تعترفي أمام أب الدير أو مساعده وهو سوف يدخلك على "صموئيل". أنا أعلم ذلك، قال شيئا لم أتبينه ثم أضاف المسيح. ما حكيته لي وأطلقي لعيونك الماء حتى يسمع قلبه. فقط أيتها الأخت يسمع قلبه. هذا ما أريده، والآن أتركك وعليك أن تأتي إلى الدير بعد ربع ساعة، أتمنى لك التوفيق أيتها الأخت العزيزة . جلست على قهوة بجوار محطة القطار ولأول مرة داهمني إحساس بالموت والتلاشي ورحت أفكر في الكيفية التي عشت بها تجربتين كلتاهما مريرة وأليمة وأحسست بروح قدسية قد تلاشت في رؤيا الإله ولكنها لم تكن تعرف أي التجربتين هي التي تلاشت في رؤيا الإله وإن كانت تلك التجربة حلما يأس دائما ودوامة ذكريات مليئة بالإحباط وقلبا أشبه ما يكون بقلب ثور. إلا أن بها عفة روحية لا يمكن التنازل عنها. ولذلك فهناك شبه يقين أن تلك التجربة لم تكن تجربة تلاشٍ في رؤيا الإله . أما التجربة الأخرى التي كانت تتجرد فيها من ذلك الصليب الموضوع على الصدر وإن كان هناك دائما في المرحلتين صليبا داخل القلب . كانت تلك التجربة مليئة بالحب والتناول والاعتراف، كانت لا تفعل شيئا أكثر من وقفتها في الكنيسة تطلب المصادقة مع الرب. بعد الاعتراف بأتفه الخطايا، كانت تطلب كما قال لها "عادل" ذات صباح تفسيرا سليما للكتاب المقدس. لم تفهم ما قصد إليه "عادل" بتلك الجملة التي ظلت تسعة عشر عاما تؤرق نومها وتخترق تلك الأمسيات التي تجتمع فيها مع راهبات مدارس الأحد، وهن يضعن برنامج الشهر. متى ضاع ذلك التفسير يا الله ؟، ومتى كنت املكه، واستطع رؤية الرب في جوهره إنني أعترف أن الأرواح المنفصلة عن الأجساد والمطهرة تصعد إلى السماء، إلى الفردوس مع الملائكة ومع عيسى المسيح . وأنها ترى الرب بوضوح وجها لوجه. وروحي انفصلت تماماحين ذلك، أن شبه اليقين الذي أحسست به كان يقينا تاما فأرحت تلك الفكرة عيوني وأطلقت تنهيدة عالية استقدمت بها روحي الغائبة عني منذ اثنين وعشرين عاما، وأحسست للمرة الأولى منذ تلك اللحظة التي وقع فيها "سمير" على الأرض و" عادل " فوقه أن قلبي يرفرف وروحي عادت إلي،ركبت العربة التويوتا المتجهة إلى الدير، كانت الشمس حارقة ورغم ذلك أحسست بطراوة روحي العائدة إلي، على الباب استوقفني شاب صغير وسألني عن أسمي ووجهتي. فقلت له أريد أب الدير. مشى أمامي ذلك الشاب الذي لم يتجاوز السابعة والعشرين، ولم أكن أعلم حين ذلك أن هذا الشاب هو الغلام الصغير الذي دخل بعصير الليمون في المرة السابقة منذ أربعة عشر عاما.
حين دخلنا من الممر المؤدي إلى الكنيسة وجدت أمامي الشماس العجوز "جرجس"الذي ما إن وقف أمامي حتى أحس بأنني لست غريبة عنه وقال للشاب :
• ماذا وراءك أيها الشماس الصغير ؟، فقال الشاب :
• لا شيء أيها السيد. هذه السيدة تريد نيافة الأب .
• لماذا يا سيدتي ؟
• أريد الاعتراف .
حين سمع صوتي فرح وتأكد حدسه أنه يعرفني .
• هل أنت من أبنائه ؟
• لا ولكن اعترفت هنا منذ ما يقرب من أربعة عشر عاما أمام قس لا أحب أن أراه.
• لابد تقصدين الأب"متّى" .
• لا أعرف أسمه ولكني لا أعتقد أنه يصلح لتلقي الاعترافات .
• هذه أنت ولا شك .أنت السيدة التي أتت منذ خمسة عشرة عام،أتذكرها يا إبراهيم ؟، تلك السيدة التي قلت لي أنها أشبه ما يكون بالسيدة العذراء أليس كذالك؟ ثم ضربه بيده على كتفه وهو يعيد جملة أليس كذلك أكثر من مرة. تذكر يا " إبراهيم " تلك الحكاية وراح ينظر إلي، ثم يغمض عيونه ويعاود النظر، كنت أقف أمامهما وهما يحدقان في، ثم قال " إبراهيم " :
• نعم يا أبت .هي بضحكتها العزبة التي كثيرا ما استرجعتها. ولكن ما أسواني يا أبتي، كيف عرفتها أنت من مجرد رائحتها ولم أعرفها أنا ! !، وراح يحدق في مرة أخرى فقال له الشماس:
• لا تقف كثيرا هكذا فاتحا حنكك كالمخبول وأذهب إلى الأب "صموئيل"، وقل له إن في الحجرة الغربية سيدة تريد الاعتراف أمامك، ومعها الشماس الكبير. ثم مشى أمامي وأنا أتطلع إلى حركات عيونه وإلى عيون " إبراهيم " ، فتح "جرجس"الحجرة الغربية أمامي ثم دعاني للدخول. جلست على الكرسي، أمسك "جرجس"بالستارة السوداء وأراد أن يزيحها بعيدا فقلت له:
• دعها يا أبت. أريد الاعتراف من وراء ستارة. حتى لا تعوقني نظرات الأب "صموئيل" أليس أسمه كذلك ؟
أومأ الشماس برأسه، فسألته عن أخبار أبنه " مينا " الصغير . فتذكر انه حكى له عنه وراح يخبرني أنه الآن شاب جميل. وفي الطريق إلى الجامعة. وظل يتكلم دون أن يعلق شيء مما يقوله في أذني، فلقد راحت قدماي تتحركان وبسرعة وقلبي ينتفض حين قال لي الشماس :
• هل تريدين أن آت لك " بمينا " ضحكت وقلت له :
• لا داعي أنا فقط أريد أن أخبرك أنني مازلت احتفظ بصوتك رغم مضي كل هذه السنين. تماما كما تحتفظ أنت برائحتي. دخل"إبراهيم" يحمل صينية عليها كوب من عصير المانجو فأخذته من يديه بضربة واحدة ثم وضعته على الدكة، حين سمعت أقدام هادئة تأتي من أمام الباب. ثم جاء صوته الذي ما زالت فونتاته في أذني يسأل الشماس.
• هل يكون ملاكنا جاهزا الآن لتلقي ذلك الاعتراف ؟
فرد عليه "جرجس".
• أعتقد أنه جاهز يا سيدي وإلا لما بعثك الرب إلينا الآن . أخيرا جاءت ضحكة "صموئيل" التي كثيرا ما بكيت لأبي من اجل أن يذكرني بها. كانت كما هي عذبة ورقيقة، وتحمل الذي يسمعها فوق السماء السابعة، آه . يا "عادل". لماذا حرمتني من تلك الضحكة وقبل ذلك حرمتني منك أنت. جلس "صموئيل" على الكرسي وانسحب "جرجس"وأغلق الباب وراءه وهو يدعو لي، مرت فترة وأنا أفكر في رنين تلك الضحكة التي أعادت عشرين عاما بضربة واحدة. أحسست أنني ما زلت في السنة النهائية في معهد المعلمين وأنني على موعد معه وأن أبي في البيت يسامر أمي وأن "منال" تنتظر الفندام الذي احمله من "عادل" لها، وأن "سمير" لابد سيقول لي لماذا تأخرت هكذا ؟ وأنا أضحك له وأقول حودت على الكنيسة. أخيرا جاء صوته حنونا كالعادة وقال :
• من أين تبدأ السيدة ؟
حاولت أن أخرج صوتي ولكن قلبي الذي كان في تلك اللحظة يقف في ميدان العتبة يربت على هؤلاء المساكين ويعيد إليهم روحهم. لم يرضى بخروج صوتي. فسمعت صوت "عادل" مرة أخرى وهو يقول لي :
• يبدو أن السيدة لا تعترف كثيرا ومن أجل هذا يخونها صوتها الضعيف !
هل خرج مني صوت يا حبيبي . أنا أتنفسك فقط، أشم صوتك ووجهك وجسدك. أنا معك فقط الآن، لا أريد لصوتي الخروج لقد سمعته طيلة عمري. فماذا أفادني صوتي،أحكي يا حبيبي. فقط أحكي وسوف أكون لك نعم السامع .
• يبدو أن السيدة لم تعترف من قبل على الإطلاق؟ ولأخفف عنك احكي أي شيء تحسين أنك قد أخطئت فيه فقط . حتى نبدأ سويا . هيا الآن أيتها الأخت. خرج صوتي ضعيفا وأنا أقول له :
• أحس أنني في امتحان قاس .
• أنت بالفعل في امتحان قاس مع الشيطان أيتها الأخت ولكن لا داعي للخوف .
حين ذلك دخل " إبراهيم " يحمل صينية عليها كأسين من عصير الليمون المخلوط بالنعناع ووضع كأسا أمام "صموئيل" ثم وارب الستارة قليلا وترك الكأس لي على الترابيزة التي تجلس أمامي، كنت أهتز كالمحمومة وكنت على وشك الموت وأريد أن أمسك تلك الستارة اللعينة التي تخفي وجه حبيبي وأضع رأسي في حضنه الدفيء وأبكي، ولكن كلمات القس"متّى" كانت تتردد في أذني . " ضعي على قلبك لتر ماء مثلج عندما تسمعين صوت "صموئيل" ، تمهلي حتى تستطيعي أن تفوزي به "، جاء صوت "صموئيل" مرة أخرى يعلن لها أنه عليها أن تبدأ، قلت له :
• إن الشيطان قد ملك قلبي تماما أيها الأب. تركني حبيبي ومضى منذ سنوات بعيدة. ظنا منه أن الولد الذي كان يحملني بين ذراعيه حين ألتوت قدمي عشيقي وليس أخي. هكذا يا أبي ضاع مني حبيبي. ومضت الحياة علي وتيرة واحدة يوم يمضي ليأت يوم جديد. مات أخي بعد رحيل حبيبي بست سنوات، واستطاع ذلك القس الذي سوف أظل أكرهه أن يستغل ذلك الفقد الروحي الذي أحست به وأدخلني أحدى الجمعيات الخيرية، واستمرت حياتي تمر حتى مات أبي . ولم يبق لي غير أختي. فوجدت نفسي مسئولة عنها، ومرت السنوات رغم ذلك. حتى تزوجت أختي منذ أربع سنوات، ولك أن تتخيل مدى العذاب الذي عانيته حين يدخل رجل غريب في بيتك. مرت أيام كنت أسمع صوتها ولكني لا أعرف كيف استمالني الشيطان تماما هكذا وأنا الذي أملك صورة الحبيب، أنظر إليها كل أسبوع مرة فتكفيني أكثر من شهر، تملأني. فكيف أستمال هذا الشيطان قلبي، وأنا الذي أغافل ذلك الحبيب وأخرج صورته وأنظر إليها وسط الأسبوع .أنا أفعل ذلك لا أعرف ما الذي حدث لي. لم استطع أن أتمالك نفسي ورحت ابكي، كنت أريد أن أغسل نفسي من تلك الذنوب وعمري الذي ضاع في البعد عن حبيبي الذي أعارني صورته في عامي السابع عشر. أخيرا مسحت دموعي ورحت أكمل ما بدأته حتى أستطيع أن أطهر نفسي تماما. قلت له تصور أيها الأب أنا الذي أمتلك عيون ذلك الحبيب أفعل ذلك، أنا يا أبت أفعل ذلك. أضع لتر ماء مثلج على رأس كلب أختي وهو عائد من الخارج في ذلك الجو البارد. وأنا لا أعرف ما حدث لي. أنا التي أحمل الصليب على صدري . أنا أفعل ذلك . لابد أن الله سوف يحرقني. أنا التي أخرج صورة ذلك الحبيب كل يوم جمعة، أسرق ملابس زوج أختي الداخلية واقطعهم، أنا افعل ذلك ، أنا التي أريح العجوز في الباص وأخفف الألم عن العجائز، أنا التي تبرعت بأكثر من عشرة لترات من دمائي على مدار عامين فقط. رغم أن القس الذي وضع الصليب هذا على صدري ويبلغ من الوزن مائة كيلو لم يتبرع بربع لتر ، تخيل أيها الأب ما حدث مني بالأمس القريب في بيتي المكون من طابقين . الطابق الأول المخصص لتربية الفراخ والأرانب والبط، حين رأيت بطة أختي تخرج ثلاث أوزات جميلة . انتظرت حتى أغلق زوج أختي الباب ولما سمعت أصواتهم المتداخلة كالعادة فتحت بابي ولم ألبس خفا أحمي به قدمي العارية من الشراب أيضا، ونزلت الدور الأول وأمسكت الإوزات الصغيرة ونظرت في عيونهم طويلا ثم أدرت رقبة الإوزات بيسر وسهولة دون أن تهتز شعرة واحدة أو يختلج قلبي. بل هل تصدق أيها الأب أنني أحسست بسعادة غامرة ونمت للمرة الأولى منذ زواج أختي مستريحة وهادئة. ماذا تقول لتلك المرأة الخبيثة . أيه أيها السيد الجليل ولا تسألني لماذا لم أعترف لأبي في الكنيسة منذ اليوم الأول لزواج أختي . إنني يا سيدي لا أحب قسيس كنيستي، فهو رجل همه الأكل ولبس الصليب فقط ويكاد المرء يتقيأ وهو يسمع عظة الأحد. فكيف أعترف له! ولا تأخذني أيها الأب المحترم إن قلت لك أن الكنيسة أصبحت ملجأ لذوي الكروش المليئة بالفاصوليا.
ثم لم أعد استطيع الكلام. رحت أفكر في الكلام الذي قلته. ما الذي أدخل القس!، مالي أنا وهؤلاء القائمين على الكنائس!، ثم أكملت وقلت :
• ماذا تقول لامرأة تبلغ السابعة والثلاثين ؟
حين ذلك سمعت وقع خبطة لم أكن أعرف مصدرها. فسكت قليلا وقلت :
• ماذا تقول أيها الأب لتلك المرأة التي تبلغ كما قلت الثامنة والثلاثين ؟
فسمعت تلك الخبطة مرة أخرى، فقلت:
• تبلغ التاسعة والثلاثين على أكثر تقدير. وتعرف تعاليم يسوع جيدا . ابتداء من أفقأ عينك إن نظرت إلى عورة أخيك ، ومرورا بإذا صفعك أحد على خدك الأيمن أعطه الأيسر، ذلك لازم أو ينب غي ذلك . كما يقول ذلك القس، كما لأأتها تعرف وصايا " موسى " أو على وجه الدقة تحفظها كاملة . كيف لامرأة مثل تلك تحس بالغيرة من أختها الوحيدة التي تزوجت من أربع سنوات، وقلبها يكاد يشتعل منذ اليوم الأول الذي أغلق الباب عليها ولا تنام الليل وهي التي عندها حبيب كما قلت لك. تفعل ذلك !. نعم تركها ومضى منذ اثنين وعشرين عاما ولكن عندها صورته يا سيدي. والنظرة الصغيرة إلى صورة ذلك الخالص فيها سعادة أربعين يوما أو ثلاثة آلاف كيلو على حصان عاطل عن الشباب، ثم أنها كما قلت لك تنظر إلى تلك الصورة مرتين في الأسبوع فيسبب أشجانها لست آلاف كيلو في الأسبوع. ولتلك السيدة كلب وولف، كلب جميل خالص. ينبغي لكل الكلاب أن تنام على قدميه كما قال لها ذلك القس الذي لا تحبه حين رآه.فكيف تمسك بسراويل زوج أختها وتمزقها تماما. لتر ماء مثلج على رأس كلب أختها الهزيل، وهي تدعي أنها لا تعرف الشر البته. هل هذه السيدة يجب أن تعيش ؟
ثم رحت في البكاء مرة أخرى. حين ذلك جاء صوت "صموئيل" ليقول للملاك:
• أيها الملاك الطيب أحصي عدد الدمعات ولا تسقط منك أيما دمعة صغيرة. ينبغي ذلك أيها الملاك ثم اطرحهم من عدد الذنوب وأحسبها وأعتقد أنه لن تكون هناك سيئة، سوف تخرج بها هذه السيدة. وعليك أنت أيتها الأخت بالبكاء فالإنسان لا يستطيع أن يهرب من نفسه كما أنه لا يمكن أن يظل وحيدا لمدة تسعة وثلاثين عاما. منهم أثنين وعشرين عاما بتلك الصورة فقط .. ثم راح يتلو الصلاة بصوت عالي. عندما انتهى من الصلاة جاء السؤال الذي أنتظرته طويلا وكنت خلال تلك المدة أفكر في الإجابة عن ذلك السؤال.
• أين حبيب تلك السيدة الآن ؟
• غاب عني أثر سوء فهم منه حين فكر ذلك الحبيب أن الذي يحملني بين يديه أثر التواء قدمي عشيقي مع أنه أخي فقط ولكن"عادل" وذلك أسمه يا سيدي لم يفكر لحظة وحيدة . فهل يسامحني من أحبه قلبي ؟، وهل ستشقى أختي إذا علمت شيئا عن سراويل زوجها ؟
• لن تشقى أختك بما فعلت يداك. فما أكثر سراويل الأزواج ولكن أعلمي أن بالفضيلة تحمل الروح التي في الجسد لا بالرزيلة ولا بالنار المقدسة أو الغيرة وعليك أن تذهبي الآن لتغسلي عيونك جيدا وتعصري أصابع يديك من الماء العالق بها وتعودي لي سريعا ريثما أصلي صلاة الغفران.
وحين ذلك دخل"جرجس" يسأل عن "إبراهيم" فقال له "صموئيل" أنه في أحد قلالي الرهبان يصنع شيئا فقال له :
• أر ضيفتنا طريق الحمام بعد أذنك.
فأزحت الستارة قليلا وخرجت مع القس "جرجس" الذي أشار لي على الحمام، ففتح صنبور الماء ومشيت بيدي على وجهي وعدت سريعا . كنت لا أريد الماء .. فقط أريد "صموئيل" أن أكون في حضرته. وفي الممر كنت أفكر في ما سوف يحدث حين يتأكد أنني حبيبته . ولكن شيئا داخل راسي في لحظة واحدة وهي تلك الخبطة التي سمعتها قبل أن أدخل الحجرة فتحت حقيبتي وأخرجت زجاجة البرفان ورششت ذلك العطر الذي كان يحبه "عادل" كثيرا. ثم دخلت إلى الحجرة، كان يعطيني ظهره ، كدت أن أجري إليه وأحضنه ولكني مشيت إلى ما وراء الستارة وجلست، جاء صوته يسألني عن مدينتي. فقلت له القاهرة . حين ذلك وجدت الستارة تلم بضربة واحدة من يد "صموئيل"، ووجدتني في حضنه لا أعي غير رائحته التي افتقدتها أثنين وعشرين عاما .

القسم السابع
فهمني في أي شيء ضللت، وإلى متى تشبع روحي قلقا؟



حين أمسكت بتذكرة القطار، لا أعرف لماذا ارتعشت أعصابي. كانت المرة الأولى التي أركب فيها قطارا متجها إلى الجنوب، لم أنس مطلقا أن عمي قال أن الصعيد هو بلدنا الأصلي وأننا طردنا منه منذ ما يقرب ستة ألاف سنة، حين جمع ذلك الملك أشقياء الصعيد ونفاهم خارج طيبة، ولقد أصبحت تلك الكلمات ملاذ كل منوفي حين يضطر أن يدافع عن هويته بل أن عمي ذات يوم قال لرجل من محافظة الغربية حين عايره بانتمائه للمنوفية، قال أنها سميت بهذا الاسم لأنها كانت منفى لكل من يبحث عن العدل في مصر القديمة في عهد الهكسوس، وعندما تأكد له أن ذلك الرجل لا يعرف القراءة أخرج من درج مكتبه ذلك الكتاب القديم الذي حاولت قراءته كثيرا ولم أستطيع، وأشار له إلى بعض الكلمات والصور القديمة الرجل يفتح فمه وهو يصلي على النبي ويقول لعمي "العلم نور يا مقدس"، وعمي يغالي في القراءة للرجل بلغة لا نعرفها.
• رصيف عشرة فين يا أستاذ ؟
كانت السلالم الرخامية ناصعة البياض والممر رطبا وباردا وأضواء النيون تستطع، عندما تحرك القطار رحت أفكر في ذلك البلد الذي حكى لي عنه راعي دير العريان، حين أمسكت فكرة دخول العالم الكهنوتي وأمضي سبعة وعشرين عاما وأنا أتخبط بين الدراسة التي لا أحبها والعمل ودخول الكنيسة التي صممت على الدخول إليها نهائيا حين ماتت أختي الصغرى " مريم "، وجاء ذلك الراهب الصغير بلباسه الأسود الموشى بخطوط من الحرير المذهب، ودخل إلي المندرة وجلس بين المعزين الذين كانوا قبل دخوله يتحدثون في أمور شتى، وعندما جلس وضع كل منهم لسانه في فمه، ولم يعد هناك غير تنفس هادئ وابتسامة منكسرة بين الحين والحين . يذكر الرب احد الجالسين فينظر إليه الراهب بود، وعندما دخل جدي الكبير الذي تجاوز السبعين خريفا، وقف كل الحاضرين يسلمون عليه بإكبار وعندما وقف أمام الراهب ترك جدي العصا التي يمسكها بيده اليسرى، وقبل يد الراهب ثم صافحني ببرود، وجلس جواره وراح يرحب به ولما وقف الراهب وأعطى عظة الموت بكى أبي كثيرا ونكس كل الحاضرين رءوسهم إلا جدي وضع يده على العصا وأراح صدغه عليها، وراح ينظر إليه بإعجاب. في المساء قلت لأمي سوف أدخل الكنيسة فلم تلتفت إلى وراحت تبكي أبنتها، بعدها بأسبوعين دخلت دير العريان واستطعت خلال ثلاث سنوات أن أتلقى شهادة الوعظ، وعندما جادلت أب الدير في موضوع الرهبنة أوصاني أن أذهب إلى الأب"بشاي"بدير الأنبا "صموئيل" المعترف بأسيوط لكي أتلقى على يديه تعاليم الرسل، القطار يمضي بطيئا ورائحة النيل تتخلل مسامي فأشعر بالرهبة والخوف، بعض الوجوه مألوفة يكاد الواحد ينادي عليها بأسمائها. أعطاني ردائي الكهنوتي بعض التبجيل من المسافرين وأشعرني بالضيق من آخرين، جلس جواري رجل في الأربعين من عمره بدأ يتملل في جلسته، جاء صوته ضعيفا وهو يقول :
• أنت منين يا مقدس ؟
أحسست بضربة فوق القلب أصابت موضعها تماما، قلت :
• من الغربية، أول القصيدة كفر كما كان يقول أبي لأمي . حين توقظه في الظهر وتقول له أعطنا نقودا لتحضر لنا الإفطار، ضحكت بصوت يسمعه الرجل فقال :
• إيه . أنت ضحكت يا مقدس خير إن شاء الله
• أبدا افتكرت حاجة.
• منين من الغربية ؟
• من " السنطة " .
• أنا لي واحد قريب هناك اسمه " إبراهيم عبد الكريم "، أنت تعرفه ؟
• السنطة كبيرة وفيها كتير اسمهم إبراهيم
• ده فاتح دكان في الميدان، دكان كبير أنا ما رحتش هناك ولكن ابن عمي راح وبيقول ع العز اللي هوفيه.
كنت أستمع إليه وأنا أفكر في الأب"بشاي"وكيف يكون اللقاء، هل سيدخلني الدير ويعلمني. أنا الذي لم أعمد ولم أتلق لفحة البركة من ذلك الرجل الذي تسبقني سمعته السيئة دائما .
• لسه بدري على أسيوط ؟
• إحنا لسه في مغاغة يعني قدامك بالميت ثلاث ساعات، أنت رايح فين في أسيوط ؟
• دير الأنبا "صموئيل" المعترف .
• على العموم يا (أبو خالو) أنا من القوصية وليا أصحاب كتير، متأخذنيش . نصارى لكن والله العظيم أنا عمري مقرفت منهم، باكل معاهم وبروح معاهم البيت، يعني انا معاشرهم، وعشان تعرف أنا رحت الكنيسة دي يجي سبع مرات في فرح وفي موت وتغسيل العيال الصغيرين لما بيجوا يتنصروا .كنت استمع إليه وأجز على أسناني من كلماته، هكذا دائما عندما تقابل شخصا مسلما يشعرك أنه يحبك وعارف كل حاجة عنك . كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة حين دخلت من باب الدير الذي كان يتكون من دور واحد ومبان قديمة، والكنيسة قبابها عالية والحوش مليئ بالأشجار الجميلة، لمحت شابا يرتدي صديري على سروال أبيض جوار السور، ناديت عليه فجاء يهرول ، سألته عن الأب "بشاي"، مشى أمامي وهو يسألني عن سبب الزيارة فقلت له :
• أريد أن أرى الأب.
في الممر الذي يفصل بعض الحجرات طرق الباب وانتظر دقائق، فتح الشماس لنا الباب ودخلنا على الأب الذي تجاوز عمره الخامسة والستين، وقبلت يديه، سحبها بتواضع وأمرني بالجلوس، ثم جاء صوت "جرجس"يسألني ماذا أشرب، فقال له الأب " أصنع له شايا ريثما أتعرف عليه عن قرب "، أغلق "جرجس"الباب وخرج فسألني الأب عن بلدي أخبرته وأخرجت له خطاب راعي كنيسة العريان، فتح الخطاب في تؤده ثم قربه من عينيه كثيرا وراح يقرأ بصوت عال، ثم طوى الورقة ووضعها على المكتب ورجع بجسده للوراء ورحب بي، وسألني عن الأب"متّى" راعي كنيسة العريان، طمأنته على أحواله ودعوت له بطول العمر. دخل "جرجس"يحمل صينية عليها كوب شاي وكوب نعناع وماء بارد وقال للأب :
• كوب النعناع قبل الحمام ينعش جسدك أيها الأب .
• ابتسم"بشاي"وهو يثني على "جرجس"الذي وقف وعينه مثبته إلى أسفل، ثم أطلق ساقه وقال :
• الماء لابد فار، سيكون الحمام معدا لك بعد عشر دقائق .
تكلم الأب في أشياء كثيرة وأوصاني بـ "جرجس"وأهمية الاعتماد عليه في كل شيء، دخل "جرجس"ليخبر الأب أن الحمام جاهز الآن، فقال له :
• الآن يمكن أن تذهب " بمنير " إلى حجرتك وليشاركك الغطاء، ريثما يرضى الرب عليه في فترة الاختبار، ويدخل قلالي الرهبان .
• خرج "جرجس"ومشى أمامي، ثم قال لي دون أن يلتفت إلي :
• ما رأيك أيها الأخ " منير " لو شربت من العين المباركة ؟
• كنت أفكر في الأب " بشاي ". فلم أرد عليه، ولكنه حين رفع كوب الماء اعتذرت له. فقال :
• أشرب أيها الأخ. أشرب أيها الأخ. أنها من عين ماء ماريه العذراء.
وارتعش جسده، انسحبت للوراء دون أن أمد يدي إلى يديه المرتعشة، لم أكن أدري أنه أعمى ولم أكن أعلم عن عين ماريه شيئا، وكان على ذلك الأعمى أن يتريث قليلا حتى أطلب منه الماء، رفع "جرجس"كوب الماء إلى فمه وشربه مرة واحدة، ثم أدار جسده واتجه إلى الممر المؤدي إلى حجرته، دخل الحجرة دون أن يتكلم معي، اخترت السرير المحطوط جوار الشباك، فتحت الحقيبة الصغيرة وغيرت الجلباب الأسود وارتديت جلبابا فضفاضا، جلست أفكر في المكان ورائحة الجنينة تأتين طازجة؛ دخل عليّ شاب وسيم يرتدي رداء الرهبان، عرفني بنفسه. كان "صموئيل" ولما وجدني أجلس على السرير جوار النافذة قال " هذا سرير "جرجس""، أحسست أن "جرجس"هذا سيكون قدري الذي هربت منه، فكرهته، نزلت من على السرير وبدأت أعيده كما كان، دخل "جرجس"وجدني أرتبه، قال :
• ماذا هناك أيها الأخ الصالح ؟!
• ضحك "صموئيل" وقال :
• إن الأخ "منير" اختار سريرك، ولم يكن يعلم فأخبرته. أنتفض جسد "جرجس"وقال :
• ليأخذه لا أحد هنا يمتلك شيء غير يسوع الرب .ربت "صموئيل" على كتف "جرجس"الذي دائما يضع رأسه في الأرض، خرج "جرجس"وبدأ "صموئيل" يحدثني؛لم أكن أسمعه كانت عيون "جرجس"تخربش في رأسي ومواقفه الكثيرة معي غير هذا الموقف، قال "صموئيل" :
• مالك يا " منير "، هل تشعر بالحنين لقريتك ؟
• لا كنت أفكر في المستقبل .
• لا تقلق فالأب"بشاي"رجل طيب، وأنا و"جرجس"معك ومعنا أيضا أحد عشر راهبا في القلالي وسوف تحبهم جميعا، ولكن يجب عليك أن تجتاز التدريب الروحي. فهو جد صعب وعليك أن تحفظ تعاليم الرسل جيدا؛ وقد اجتزت الاختبار ودخلت القلاللي ولم يمض على وجودي في الدير سوى خمسة شهور، فلا تقلق ولا تتعجل .
أخرجت له الشهادة التي أعطيت لي في دير العريان تثبت أنني أمضيت فيه ثلاث سنوات . أمسك بها وقال : ـ
• ثلاث سنوات في دير العريان يجب أن يعلم بها الأب"بشاي"لأن هذا سيرفع قدرك عنده . أخذ الشهادة وخرج وتركني أستريح قليلاً بعد هذا التعب وأكد علي أن أحضر معهم صلاة ما قبل النوم. لأن الأب " بشاي " لابد أنهي حمامه ودخل قلايته لكي يتعبد فيما قبل صلاة الساعة السادسة كعادته كل يوم أحد . أرحت جسدي علي السرير وبدأت أفكر في "جرجس"و" صموئيل " ولا أعرف لماذا ظلت تلك العادة تلازمني علي مدار خمسة عشر عاماً ، ما إن أفكر في " صموئيل " حتى يقفز "جرجس"إلي ذهني بل أن السنة الأخيرة ل"جرجس"حلمت حلماً يؤرقني لم يتغير علي مدار العام كله حتى يوم موت " مينا " ابن "جرجس"، استيقظت في حوالي الساعة الثامنة مساءً كانت الحجرة الواسعة مليئة بالهوام والناموس والجلباب الذي أرتديه مشبعاً بالماء المالح، كانت شفافية الفراغ في الحجرة المتسعة تسحب روحي من ذلك المكان. غيرت الجلباب وخرجت إلى حوش الدير ، كانت القلالي الخاصة بالرهبان خلف الكنيسة لا تبين إلا إذا مشيت بحذاء السور أو نزلت من سلم الهيكل ذي الخمس درجات . وكانت أشجار السرو والجزورين والصفصاف تنتشر بجوار سور الدير وعين مياه تخرج من هذا السور وعلى مرمى البصر من جهة اليمين كانت تكعيبة العنب تتدلى منها ثريات صغيرة تنيرها أنوار خضراء وحمراء كانت بناني الحمام تظهر من خلف سور الدير ، سرت قليلا في اتجاه تكعيبة العنب،كانت القلالي تظهر بوضوح وترسم بشكلها البسيط مربعا غير مكتمل الأضلاع، وفي الوسط يقف ساري كبير موضوع عليه صورة المسيح المعلق على الصليب . لم ألمح تلك البنت إلا حين جلست على الدكة الموجودة تحت التكعيبة، كانت تستند إلى عمود خشبي تلتف حوله جذور عنبة كثيرة الظلال كانت تبدو حزينة وفي العقد الثاني من عمرها وإن بدا عمرها أكبر من ذلك كان قد مضى علي أكثر من أربع سنوات لم أكلم فيها امرأة إلا العجائز، وكنت قد قطعت علاقتي" بدميانه " ابنة عمي قبل أن يأتي ذلك القس يوم وفاة أختي الصغيرة، لا تنس يا " منير " أنك هنا من أجل الرهبنة، لا تدع الشيطان يركب رأسك . كانت الجملة تتردد في رأسي وأنا أنظر للفتاة؛ لم تكن جميلة ولكن بشرتها كانت رائعة ورقيقة ، وقفت وحاولت الابتعاد. تأكد لي أن الشيطان قد يستميل عقلي، ألتفت إلى وجهها جيدا، وسألتها:
• ما اسم السيدة ؟
• تريزا.
• ماذا يجلسك هنا يا "تريزة"
• أنتظر موعد صلاة ما قبل النوم .
• أنت من هنا ؟
• أنا أخت لمعلم "رياض" صاحب الأرض جوار سور الدير .
كان شعرها الأسود القصير وطريقة كلامها يشيان بأنها نالت قدرا من التعليم ، انسحبت للوراء دون أن أتكلم واتجهت إلى الداخل، من بعيد رأيت "جرجس"جوار الإيوان المخصص للوعظ، كان صحن الكنيسة كبيرا يتسع لأكثر من مائتي مصلي، وسقف الكنيسة موشي برسومات تكاد أن تكون تكوينات حقيقية للمسيح والحواريين ويوسف النجار وينظر في اتجاه المسيح، كانت عيونه مليئة بالحياة . أستطيع في المسيح كل شيء .من قال تلك العبارة التي تتملكني وجعلت الطريق في نظري يبدو سهلا ويحتاج لبعض الوقت وبعض الصبر ، حين دخلت الكاتدرائية الأم الموجودة في العباسية ورأيت الصور البديعة تمنيت أن أعود إلى دير العريان لأمزق الصور البسيطة الموضوعة بعناية فائقة في الكنيسة والتي كنت أنظفها كل صباح لمدة عامين كاملين، كنت على استعداد أن أنظفها طوال حياتي دون أن أرى هذه الرسوم التي تنطق بالحياة لولا تلك الجملة التي قالها ذلك الراهب الذي دخل علينا ذات مساء وأكل وشرب ورحل دون أن يترك شيئا سوى تلك الجملة " أستطيع في المسيح كل شيء " .
في اليوم التالي حين استيقظت في الصباح، وجدت "جرجس"مازال ينام على المصطبة التي أصبح ينام عليها منذ أن شاركته حجرته، كان ينام وظهره للحائط، نزلت من أعلى السرير وتحركت في اتجاه الباب فوجدت "جرجس"يلم ساقيه ويفوق .
• لم تنم اليوم أيها الراهب. يبدو أنك في شوق إلى الشمس التي لم تخرج حتى الآن
لم أكن أعرف أن الشمس لم تظهر ولم أكن أعرف أن الفجر لم يحن موعده، خرجت إلى الممر ونظرت إلى فناء الدير والحديقة. كان الفجر على الأبواب ، خرجت إلى حوش الكنيسة وجلست تحت تكعيبة العنب، نظرت للسماء التي تنيرها تلك النجوم الكثيرة، لم أنتبه لخروج "جرجس"إلا حين سمعت صوت مياه عين ماريه وهو يتساقط وهو يغسل رأسه ووجهه ثم أتجه إلى حيث أجلس، لم يتكلم لمدة طويلة، كان ينظر إلى السماء وأنا أفكر في أي شيء كان يفكر ويحلم . هل كان يحلم بالنجوم التي بدا عددها يتناقص بعض الشيء أم يفكر في الشمس التي سوف تخرج بعد قليل ؟!



لا تخف أيها الراهب " منير " فالحياة سوف تكون أفضل حين يمنحك الله معرفة.
صحوت علي تلك الجملة تخرج من فم جرجس في الحلم، لم يكن في مكانه ،غيرات ملابسي وذهبت إلى عين ماريه، شربت وغسلت وجهي وطلبت من صاحبة العين ماريه المباركة أن تقف بجانبي في يومي الجديد بتلك الحياة التي لابد منها حتى أصبح في يوم ما رجل الله ورجل الحياة. بعد الصلاة طلب مني "جرجس"أن ادخل حجرة الأب " بشاي "، كان الأب يوقع بعض الأوراق، جلست أنظر حتى ينتهي، دخل "جرجس"يحمل صينية عليها ثلاثة أكواب من الشاي بالحليب ثم جلس أمامي على الكرسي، وضع الأب"بشاي"القلم ثم قال لي :
• إيه أيها الأخ الصالح . يجب أن يغير أسمك فماذا تريد أن تكون ؟
وضعت رأسي في الأرض ثم قلت له :
• " بيشوي " يا أبت، كان حلمي الأول أن أسمى بذلك الاسم .
أمسك الأب"بشاي"بكوب الحليب المخلوط بالشاي ورشف رشفة وقال :
• أختر اسما أخر أيها الابن.
فقال "جرجس"
• ليكن أسمه " بيشوي " أيها الأب .
حين ذلك أنتفض الأب من مكانه وقال لـ "جرجس":
تعال أجلس مكاني وامنحه من الأسماء ما شأت، أحمر وجهه وكادت دموعه أن تسقط، فقلت للأب:
• أنا أحب ذلك الاسم يا أبت.
ولكنه صمم أن يطلق علي أسم أب دير العريان"متّى"، ليكن"متّى" يا بني. ثم قال :
• هيا يا"متّى" اذهب لتتعرف على الرهبان الذين سيشاركونك القلاية التي سوف يختارها لك الأخ " جرجس "، مضى "جرجس"أمامي، وقدماه لا تستطيعان حمله من غضبة الأب، نادى الأب عليه وطلب منه أن يعود . انتظرت بالخارج بعض الوقت، وإذا بالأب يخرج ويلف ذراعيه حول جسد "جرجس"الذي تنير وجهه الأسمر ابتسامة كبيرة، كرهت "جرجس"والأب أكثر وبعد مضي سنة وشهرين من دخولي الدير حدث موقف أردت السخرية فيه من "جرجس"لا أكثر، كاد هذا الموقف أن يحطم أحلامي في الاستمرار داخل الدير . لقد غيرت كتاب تعاليم الرسل في المكتبة، وطلبت من "جرجس"أن يأتي به. فجاء بكتاب أخر كما قلت لـ "صموئيل" الذي كان يدافع عنه ويقول أن المسيح أعطاه يدين وقلبا مبصرين، فأردت أن أخبره أن "جرجس"هذا أعمى تماما .
• ولكن الأب " بشاي تدخل بعد أن أسمعني ذلك الأعمى بعض النصائح وكاد أن يخرجني من الدير لولا بكائي واعترافي .
ظلت هذه العبارة تتردد في ذهني وأنا أقول " أستطيع في المسيح كل شيء "، ولكن محاولاتي كانت ضعيفة، كان الهيكل كبيرا جدا ويساوي ثلاثة أضعاف الهيكل الموجود في وسط كنيسة دير العريان. فطوله يتعدى المترين والنصف وعرضه يوازي طوله وإيوانه الذي يمسحه مرصع بالصدف ومكتوب عليه بالأرابيسك ، مهدا من المقدس " عوض الله شكري " لوجه يسوع المسيح وتباركا لكنيسة دير الأنبا "صموئيل" المعترف ورغم وجود الأنوار الساطعة إلا أن الشمعة الموجودة في الطبق ترمي بظل للكتاب النائم بجوارها على سور الإيوان الداخلي أمام المذبح بقوائمه المصنوعة من خشب الأرو الخالص .
حين دخل "صموئيل" وألاب أنتبه "جرجس"الذي كان يمر على الهيكل بيده المدربة على رفع الأتربة بنيل المنشفة البيضاء ، رحب بي "صموئيل" وقال إنه حكى للأب"بشاي"عن شهادة الوعظ وقد قال أن هذه الشهادة ستقصر مدة قبول طلبي كما أنها ستعينني على مشقة مدة أيام الاختبار القادمة ،شكرته على تعبه معي ثم نادى على "جرجس"الذي نزل السلمات الثلاثة بتؤدة وأتجه إلى "صموئيل" وعيونه تنظر إلى أسفل وقال له :ـ
• كل شيء معد للصلاة ألان ، ثم اتجه ناحيتي دون أن يرفع عيونه وقال لي :ـ
• مرحبا بك يا سيد متي في دير ألأنبا "صموئيل" المعترف وندعو الله أن يعينك علينا وعلى تحمل المشاق التي في انتظارك .
ثم امسك "صموئيل" بيدي وخرجنا إلى حوشا الدير حتى يأتي الأب والمصلون كانت أنوار النيون تضئ الحوش ورائحة الأشجار تعبق المكان حكى لي عن " ماريه القبطية " وعين الماء التي رفضت أن أشرب منها في الصباح وانتفض جسد "جرجس"لرفضي ، رفع "صموئيل" يده وهو يحكي عن معجزات تلك القديسة ثم راح يرسم علامة الصليب رسمت علامة الصليب أنا الأخر وبدأت جملتي الأثيرة تتردد داخلي أستطيع في المسيح كل شيء علا صوتي بها فسكت "صموئيل" ثم طلب مني أن أعيدها فأعدتها بصوت هامس أستطيع في المسيح كل شيء ، أكمل "صموئيل" كلامه قال :
• أن شماسنا العظيم "جرجس"استطاع بفضل مياهها المباركة أن يزرع أرض المعلم "رياض" التي وهبها للدير وأصبحت تعطينا خيراً كثيراً فلم نعد نشتري أي شيء ببركة ذلك الشماس الذي عرفت يداه أين تقع بركة " ويسوع " .
أمسكت بالكوب البلاستيك الموضوع على حافة الحوض الأسمنتي لأشرب فقال "صموئيل" : أغرف بيديك لا تجعل بينك وبين الماء حائلاً .
غرفت بيدي ولكن لم يكن يعلق يهما إلا القليل من هذا الماء الزئبقي أعدت المحاولة كثيراً بل أكثر من عشرين مرة و "صموئيل" يبتعد قليلاً أعدت كم الجلباب الذي طاله الماء إلى موضعه ومشيت الخطوات القليلة التي ابتعادها عني "صموئيل" وقلت :ـ
• لماذا تركتني وابتعدت عني ؟
• كنت أفكر في "جرجس"وكيف انه كما حكى الأب"بشاي"اغترف بيده سبع مرات فقط ! فقط سبع مرات يا "منير".
مرة ثانية في هذا اليوم يا "صموئيل" طعنة فوق القلب تماماً لم تخطئ موقعها ماذا لدى "جرجس"وليس لدي ؟ ماذا عنده وليس عندي ؟ وما هو السر في السبع مرات ؟!
كانت " تريزا " قادمة باتجاه صحن الكنيسة سلم عليها "صموئيل" وعرفني بها ثم اتجهنا إلى الممر الضيق بعد دخولها إلى داخل الكنيسة، قال :
• إنها تميل إلى الشماس.
هذه البنت التي تبدو في ردائها البسيط جميلة بعض الشيء تحب وتميل إلى "جرجس"!
• يا أبانا الذي في السماء، هل هذا هو يوم الفزع، لماذا هذا اليوم يا مسيح ؟!



انتهينا من الصلاة فنادى الأب"بشاي"علي ودعنا أن أقرا مراثي أرميا هذا المساء وسفر الخروج، لم أعرف لماذا مراثي أرميا مع سفر الخروج ولكني وعدته بقراءتهم، وحين دخلت الحجرة المخصصة لـ " جرجس "، جلست على السرير الآخر وخلعت جلبابي وارتديت الآخر ثم أمسكت بالكتاب المقدس ورحت أقرا سفر الخروج، كنت قد قرأته عشرات المرات قبل الآن ولكني أحسست أنني أقرائه لأول مرة . كان هناك موقف لموسى يكاد يجعلني أبكي وعرفت أن الأب"بشاي"أراد أن يخفف عن قلبي اليوم الأول بذلك الخروج الذي كنت أحس به حين خرجت في صباح اليوم من البيت، وقبل أن ابدأ في قراءة المراثي. دخل "جرجس"يحمل صينية عليها طبق من العدس ورغيفين، كنت في حاجة إلى الطعام فشكرته وابتدأت في الأكل فقال لي :
• لماذا لم تقل صلاة الطعام ؟
• قلتها أيها الشماس .
• خلتك لم تقلها .
ثم خرج بعد تلك الجملة، وبالفعل لم أقلها ولا أعرف ما الذي أنساني الصلاة والدعاء . أكملت طعامي ثم أمسكت بالكتاب المقدس، كانت مراثي أرميا جميلة ورائعة، ودخل "جرجس"مرة أخرى بكوب الشاي. ذلك الـ "جرجس"رائع لا شك. من أخبره أنني أفضل الشاي بعد الأكل مباشرة، يجب أن أحبه على ما أظن. عندما اقترب مني قال بصوت ضاحك.
• اليوم أنت ضيفنا ولكن غدا لن تكون ضيفا، سوف تصنع الشاي حين تريد . لا تعتمد على أحد، فلن يرفع ذلك البرغوث النائم تحت إبطك إلا يداك. شكرته ووعدته بذلك . مضى علي خمسة عشر يوما أمارس الصلاة والتعبد فقط ، لم ألتق بالأب حتى الآن غير مرتين أحدهما صدفة على باب الكنيسة ، تحدثت كثيرا مع "صموئيل" ذلك الراهب الطيب، في صباح اليوم العشرين طلب مني "جرجس"أن أذهب بعد الصلاة، غسلت وجهي وخرجت إلى حوش الكنيسة وهناك رأيت " تريزة" من بعيد . تلك البنت التي رأيتها في اليوم الأول لدخولي الدير وعجبت كيف لم تأت على بالي طوال هذه الليالي وحين دنوت منها تذكرت كلمات " صموئيل "، سلمت عليها وشربت من ماء ماريه ودخلت إلى الصلاة، بعد الصلاة ذهبت إلى حجرة الاعتراف ولم أجد أحدا بها فجلست على الكرسي وانتظرت .بعد قليل دخل علي "جرجس"بكوب من عصير المانجو الطازج وقال أن الأب سيدخل بعد قليل. لا أعرف لم جاءتني صورة أمي وصوتها حين رفعت ذلك العصير من يد الشماس. يخيل لي أن "جرجس"هذا يصلح أما لأطفال الملاجئ بصوته الحنون وحبه الجارف. أمسكت بكوب العصير من أجل خاطره وحين دخل الأب"بشاي"وضعت الكوب الفارغ على الأرض ثم قبلت يديه. لم يسحبها مني كأول مرة جلس على الكرسي ثم قال:
• يجب أن أعرف أشياء كثيرة عنك قبل اجتماع الكنيسة في الأسبوع القادم. للنظر في الطلبات المقدمة عن الأبناء الصالحين .
كنت أرتعش هل هذا اعتراف أمام أب الدير أم أمام عسكري، لا أعرف ما الذي جعل ركبتي ترتعشان من أثر تلك الجملة حين استقرت في عقلي، حدثته عن كيفية دخولي كنيسة العريان وعن علاقتي بالأخوة هناك وعن حبي للرداء الكهنوتي. لم أبق شيئا لم أحدثه عنه في الأعوام الثلاثة الأخيرة ولكنه وقف ثم عاد إلى كرسيه مرة أخرى وقال :
• أيها الابن الصالح .. كل شيء يجب أن أعرف علاقتك بأمك وأبيك وأبناء عمك .
من أخبره بك يا " منير " من الذي وضع علاقتي بابنة عمي في رأس ذلك الأب الغليظ القلب، لم أجد أمامي مفرا، حكيت له كل شيء . أستمر الاعتراف أمام الأب أكثر من ثلاث ساعات، لم أدخر أي شيء لنفسي.صرت أمامه عريانا تماما وقف الأب"بشاي"ثم مسح على رأسي ثم قال:
• سوف يكون لك شأن كبير لو أسكنت قلبك أعمال الخير، واحذر من ذلك الشيطان الذي عرفته عندك، ولا تجعله يخرجك من طريق الرب وأنتظر الأيام ولا تأكل اللحم النيئ .
ثم رسم علامة الصليب على رأسي وخرج . مرت أيام كثيرة لا أعرف عددها وذات مساء كنا نصلي صلاة النوم وبعد الصلاة قال الأب :
• انتظر يا " متي " ، سوف تدخل القلاية الخاصة بالرهبان فلقد تم ترشيحك ألان .
• كدت أن أطير وأنا اسمع ذلك الكلام ، معنى هذا أنني سوف أصبح قسا عن قريب ، قبلت يد الأب وخرجت وأنا لا أرى شيئاً ودخلت حجرتي و"جرجس"بدأت الملم أشيائي وضعتها في الحقيبة السوداء التي أحضرتها من المنوفية دخل "جرجس"علي وعلى فمه ابتسامة هنائي وشكرته ودعوت له . ثم تبعت "صموئيل" ، كانت أيام الاختبار صعبة وقاسية ولكني استطعت أن اجتازها بشق النفس ،لم يعكرها إلا تلك الأشياء التي كانت تعتمر في نفسي من الخوف بعد سنة وشهرين أصبحت قساً ،كانت فرحتي طاغية وأنا ارتدي الرداء الكهنوتي الجديد طلب من الأب"بشاي"أن أكون مسئول عن المكتبة الخاصة بالدير وأن أحاول أن أجعلها كبيرة أنا والشماس "جرجس"الذي كان يحتفظ بالمفتاح معه ، وحاولت أن افهمه أن الكتب يجب أن ترس بترتيب أبجدي ولكنه رفض أن يغير طريقته التي تعتمد على الذاكرة. شكوت للأب"بشاي"ولكنه طلب مني أن اتبع "جرجس"فطلبت منه أن يبحث لي عن دور أخر في الحياة داخل الدير ولكنه رفض وقال إنني أمين المكتبة والمكتبة تابعة للشماس ومن الواضح أن ذلك الأب قد أعطى ذلك الشماس صلاحيات تفوق مكانته الحقيقية ، وبعد يومين من ذلك الشكوى كان عيد تنيح الأنبا " ماري جرجس " ووقف ذلك الأعمى يلقي عظة ذلك الرسول وقد فاض بي الكيل من ذلك الوضع الغريب الذي يجعل شماساً كهذا يلقي عظة " ماري جرجس " الرسول بما يحمله ذلك الاسم من وقع في قلب كل مسيحي وحين انتهى ذلك الأعمى من تلك العظة التي لابد تلاها عليه ذلك الأب أو "صموئيل " وقفت لأعلن رأي فيما حدث ولكنه جعلني أبدو في عيون المصليين كابن لقيط من أبناء البرستانت وعدو له . فلم استطع فعل شيء ، في اليوم الثاني طلب مني الأب أن أعترف أمام المذبح وأن انقي قلبي قليلاً. في خلال تلك الفترة عرفت ما يدور في الدير وأصبحت أعي الأمور جيداً عرفت أن أهم شخصيتين في الدير هما الأب و" صموئيل " كنت أقرأ كل ما تقع عليه يدي تمنيت أن أقف يوم عيد الزحف وألقي للناس بعض ما عرفت من قراءة سيرة الرهبان وسيرة ألإباء وبعض الكتب التي تأتي من الخارج بعد ترجمتها والإنجيل باللغة المصرية ، وقبل موعد رسم "جرجس"بيومين خرجت إلى فناء الدير ورأيت" تريزا " جالسة عند تكعيبة العنب ، دنوت منها فسمعت صوت نحيبها فسلمت عليها فلم ترد سلامي وراحت تمسح دموعها ، عرفتها أنني اعلم مدى حبها للشماس فودعت رأسها في الأرض قلت لها :ـ
• لا داعي لتلك ألإحباط يجب عليك أن تعترفي ل"جرجس"عله يعلم أنك تحبيه ولا تتركي أحد غيرك يحمل البشرى ، دعي يدك تحصد ما تزرعها ولا تنتظري الحبوب وأنت جالسة فوق الجمل .
• أسمعي أيتها الأخت بعد غد يوم رسمه يجب أن تعترفي له .
• لا عليك. .
• لا عليك . فقط قولي له كم أنت جميل اليوم فقط يسمعها واتركي كل لله كل شيء.



في صباح ما دخل علينا أحد الحجاج الذين يجوبون الأرض شمالا وجنوبا، كان ممسكا بعصاه في يده حين علمت أنه أتى من دير الإسكندرية، جاء إلى قلبي سؤال أعتقد أن الشيطان قد أدخله قلبي بمكره. لماذا يجوبون طوال حياتهم أطراف المعمورة وعصيهم دائما في أيديهم أنهم يجتازون ألاف الأميال من دير إلى دير ومن كنيسة إلى كنيسة محرومين من المأوى بصورة مرعبة ، غرباء عن كل فرد وعن كل شيء، ليس لهم إلا الله كما يزعمون . ولكن هل يعلمون أيضا أن الله ليس لهم . فهم يرفعون صلواتهم إليه من قبيل العادة. في حين أنهم في داخلهم يكرهونه أشد الكره، فهو الذي يجرجرهم في أرجاء الأرض. لماذا لا يعرف واحد فيهم، حين سألت ذلك الحاج ذلك السؤال، أبتسم بخبث وقال أدع الله إلهنا أن يمنحك فرصة اللقاء به والتوحد معه. ثم راح يلقي عظته عن مدى الراحة في تجنب الناس وأن يعتبرهم الواحد فينا كجذوع شجر أو حجر ملقى على الطريق يتعثر المرء فيها وأحيانا يؤذي نفسه من جرائها، فقلت له :
• كيف تستغني عنهم أيها الأب !
• بأن تتوحد مع أبيك وإلهك.
• كل الناس ؟
• الأشرار منهم .
• كيف تعرفهم ؟
• يمنحك أبوك علامات فيهم .
• قلها لنا .
• لا أستطيع .
وهكذا انتهى الحوار بيننا، فقلت له :
• أعتقد أنك تمتلك أشياء كثيرة تثير خشيتك.
فلم يرد علي، وأنصرف إلى قلاية الأب"بشاي". الذي كان مريضا في ذلك الصباح . فأحسست أنني انتصرت عليه وعلى تلك الأفكار الغريبة التي يطرحها هؤلاء الذين يسعون إلي بشك. كما يزعمون . مع أن الله موجود فينا، رسمت علامة الصليب وقلت أمام الرهبان الذين كانوا ينظرون إلي بشك .
• ارحمنا يا الله
• ما كان لك أن تحدث ذلك الراهب الجليل هكذا.
• أنت لا تعلم شيئا عن هؤلاء، أجلس مثلي في المكتبة وأقرأ أخبارهم تجد أن كلهم أدعوا الجلوس مع الإله، لا لأي شيء إلا ليقولوا لك أنظر أيها الراهب الصغير إلينا. أننا نحبك إن أمسكت بعصاك وهمت في البرية لكي تجد الرب إلهك، هل الرب في البرية فقط أيها الراهب ؟ لم يجب أحد علي وانسحبوا واحد وراء إلهك. حين خرج ذلك الراهب السواح من قلاية الأب، مشيت بخطوات مسرعة ولكنه دنا مني، وقال :
• فكر كما يطيب لك لكن كن مطيعا للرب إلهك .
ثم مضى دون أن يلتفت إلي وأحسست بسهامي ترد إلى عنقي، كيف أعاد علي كل سهامي بتلك الجملة الصغيرة. يا الله .على هؤلاء العجائز الذين يفوزون بحكمة الحياة . أظن أن ما كان علي أن أسدد سهامي إليه.
هكذا بكل بساطة أقول ما كان علي أن أسدد سهامي عليه، يالك من أحمق يا"متّى" . تسقط من جملة، كيف لا تمنحني الاستطاعة حتى أتجنب تلك العثرات الكثيرة إنني جد حزين أيها الأب الإله فلم تسيرني في الظلام ، ولم تضع أمامي "جرجس"ذلك الذي أحس بأنه يرى قلبي تماما ! ؟



كان " جرجس"في ذلك اليوم يبدو كالذي جففه الحزن على فراق أبيه واحترق قلبه فبدا أخف وزنا وأكثر عراكا مع الحياة داخليا، وغدت عيناه أشد حده رغم أنهما لا تعملان على الإطلاق واتجاه وجهه أكثر تغلغلا في الاتجاه الصحيح. كان يرهف السمع في انتباه ويلوح كمن يتذكر شيئا طال نسيانه أو ينتظر في يأس شيئا جديدا مجهولا. فبدا في عيوني رجلا يعرف كل شيء عن نفسه، وكذا ليس ما ينبغي أن يعرفه عن الآخرين.
حين وجدته جالسا على مقعد التكعيبة تحت فروع العنبة الرامية بظلها الممتد . كان ناحل العود رمادي اللون ورغم ذلك يشبه كثيرا إلها من آلهة الإغريق الذين قرأت عنهم، ولكنه كان كإله متعب ويحاول أن يتلهى بتقليد أصوات العصافير النائمة بين أوراق الخضر الداكنة الكثيفة. كانت الأصوات تخرج من بين شفتيه ثقيلة وغير معبرة عن حالة التماهي التي يحباها في تلك اللحظة مع تلك العصافير . كان يجهد نفسه حتى الجنون في التغريد ، قلت له:
• هل تعلم أيها الشماس أن تلك العصافير تظل طيلة عمرها تردد أغنية واحدة لا غير في الصباح والمساء.
أتجه بوجهه إلي ثم خرج صوته المبحوح من أثر الإجهاد في تقليد صوت العصافير.
أنا لست عصفورا أيها القس ويجب أن تعلم أنك حين تريد أن ترتكب معصية مع الرب فعليك أن تختار فتاة موفورة الصحة والجمال، لا تذهب إلى فتاة فاسدة. ثدياها أشبه ما يكونان بضرع جاموسة ترضع عجلين.ذلك لازم أيها الراهب .
كانت تلك الكلمات التي خرجت من فمه على شكل عظة ظللت احتفظ بها في قرارة نفسي حتى اليوم الأخير واعتبرت هذا اليوم هو يوم العالمتين .
ففي الصباح قال لي الراهب السواح ما قاله وعند الظهر قال "جرجس"خبرته أيضا، وفي المساء حدث ما جعلني أسمي هذا اليوم بهذا الاسم حين قابلت "تريزة" وقلت لها :
• مبروك على ذلك الحمل المزعوم ، فنظرت إلي وقالت :
• أسمع أيها الأب، المرأة في الجسد تخلص كثيرا . ولكن دموعها وأفكارها كاذبة ولكنها حين تكذب لا تصدق نفسها. ولكن الرجل حين يكذب يصدق نفسه " أنا حامل أيها الأب العزيز ".
( بارا باس )، أتذكرون ( بارا باس ) الذي تكلمت عنه في معرض حديثي عن ذلك القس " ذي الصليب ( بارا باس ) هذا هو الشخص الذي صلب بالفعل لأنه حين أطلقوا سراحه نظر إليه المسيح حين ذلك ونفث روحه فيه حتى لا يموت أو حتى يستطيع المسيح أن ينتقم لنفسه من الشخص الذي اختاره الملك ليطلق سراحه بدلا من المسيح . ورغم أن المسيح قد نفث روحه في مدينة بعيدة بعد أن رحل ( بارا باس ) إلا إنني أظن أن المسيح ذلك استعانت بأحد الملائكة الذين يعملون تحت أمره وطلب منه أن يأتي ( بارا باس ) أمامه وعندما وقف ذلك الناجي أمامه بالضبط نفث روحه ولحظتها فقط تقمصت روح المسيح روح ( بارا باس ) وربما لو عرف ( بارا باس ) أنه مات وأن المسيح هو الذي عاش في جسده وأن روح المسيح هذا التي تمكنت منه لا تريد به خيرا ، ربما لو علم ذلك لوقف على أعلى مكان في صخرة الناجي بعد أن يربط نفسه بالصليب جيدا وقذف بذلك الجسد الذي يحمل روح المسيح من فوق تلك الصخرة . هكذا أحس الراهب"متّى" بنفس الإحساس الذي لو علمه ( بارا باس) لقتل نفسه حين قالت له "تريزة" إنها ستمنح ذلك الأعمى طفلا عما قريب وإنها لم تضحك عليه حين قالت له في المساء .
• أنا حامل أيها الشماس الجميل .
ثم مضت في اتجاهها وعند الباب وقفت مرة أخرى وقالت :
• الأرض أرض الله والفيض منه أيها الراهب"متّى" .

خنقة الغيظ
• أنا لا أطيق مجرد التطلع إليه .
جاءت تلك الجملة لـ "تريزة" عندما قدمت لأخيها "رياض" طعام العشاء بعد أسبوعين من موت أبيها وإدمانه للخمر . وكانت عندما تنظر في عيون أخيها تأتيها حالة من القرف والخوف عليه. وهكذا تأكدت تلك الجملة في رأسها بعد مرور الأيام وداومت على النظر في الأرض بعد ذلك حتى جاءت تلك اللحظة الفارقة التي وقفت فيها أمام القس"متّى" والذي حدثتكم عنها قبل ذلك وأرادت أن ترفض ولكن"متّى" لم يشعر بذلك وتركها ومضى، فراحت تبكي لأبيها الذي في السموات من أجل أن يمنحها طفلا في أحشائها لكي تستطيع النظر في عين ذلك الذي أعاد إليها تلك الجملة التي نسيتها على مر الأيام . " أنا لا أطيق مجرد التطلع إليه وظلت شهرا قمريا تبكي و "جرجس " يتسأل عن سبب تغير رنين صوتها، وهي تقول له فقط مرهقة أو تعبانه حتى منحها الله علامة تأكدت لها أن يسوع يراها وعند ذلك قالت في نفسها " متى هذا بمثابة الألم في رقبتي ورغم أني لا أطيق النظر إليه. إلا أني سوف أواجهه " وتعمدت أن تقف أمامه بعد أن اختفت عن الظهور، وعندما أراد أن يشكرها فأجابته بالنظر في عيونه وإلقاء القنبلة التي استعدت كثيرا من أجل أن ترميها أمام عيونه بالتمام وتركته يمضي وهو يضرب كفا بكف ويقول " بارا باس .. بارا باس .
ثم اختفت، هكذا إذن ثلاث علامات في يوم واحد ولم أكن حتى تلك اللحظة التي قالت فيها "تريزه" جملتها واختفت أنها علامات من قبل الرب ليعلمني . ولكن في المساء حين أختليت بشيطان رأسي وضحت لي تلك الصور والعلامات، فنمت مستريح البال وانأ أقول جملة قرأتها في تلك الكتب الصفراء . تلك الجملة التي تقول " حصلنا على الحياة بشرط لا غنى عنه؛ أن نناضل بقسوة في سبيلها حتى آخر نفس "، كنت قد تعودت أن أضع خطا خفيفا بالقلم الرصاص على أي جملة أحبها في أي كتاب أروح أرددها مرات كثيرة حتى أحفظها ولا أعرف لماذا أتت تلك الجملة في تلك اللحظة فأغمضت عيني ،إنا أشكر الرب على العلامات التي لابد يضيعها "جرجس"و "صموئيل" والأب"بشاي"ذاته، ولم ينتبهوا لها وإن انتبهوا لا يفكرون فيها في المساء مثلي تماما .
حين خرجت من صلاة الصبح كانت الشمس ترمي نورها على حوش الدير والأب"بشاي"يمسك بيد "جرجس"و "صموئيل" جوار عين ماريه، اتجهت إليهم مشيا في اتجاه الشجرة التي زرعها الأب"بشاي"وسميت باسم "جرجس"أو " أبي مينا " الذي جاء إلى الحياة منذ شهرين . يوم أن أمرني الأب"بشاي"أن أنتهي من أخذ اعتراف أي إنسان في الدير بعد أن حكيت لأحد الرهبان عن احد المعترفين والذي جرى من أمامي حين أردت أن أرى وجهه، ولقد أصطدم بـ"جرجس"حين هروبه وخفت أن يقول ذلك للأب. وشاءت الظروف أن يسرق شيء من الدير، فأشرت عليه ولكن لسوء الحظ لم يكن هو السارق . فأمرني ذلك الأب أن أمتنع عن أخذ أي اعتراف ، وقف الأب و "جرجس"و "صموئيل" أمام الشجرة وقال لي :
• أنظر يا"متّى" إن غرس "جرجس"ينمو سريعا، ثم نظر إلى الأشجار الكثيرة الواقفة في حوش الدير وقال :
• أنظر يا الله الطيب إلى هذه الأرض، وأنظر إلى تلك الروعة التي صنعها الأب الصالح "جرجس". أنت ألقيت بها حجرا كان يدور في السماء وجعلها "جرجس"هكذا، أنظر إليها وليفرحن قلبك أنظر كيف تشع اخضرارا تحت الشمس، كنت في الماضي أنظر إليها وأقول لك أعطني يدا كيدك أو فلتأخذها من أمام عيني، الآن هي أثيرة لدي حقا أيها الأب .
ابتسم "جرجس"الذي تغير كثيرا بعد أن منحه الرب " مينا" صار يعمل ويضحك ويتلقى اعترافات كثيرة من الأبناء الصغار ودرب الأطفال على أغاني الأم الحنون ورسائل الرسل جميعا، وأصبحت خزائن المؤن والطعام مملوءة على أخرها في مدة شهرين .
كنت في هذا الوقت أجلس مع الكتب أكثر مما أجلس بين الناس . أظهر في الصلاة فقط، كنت أريد أنه أحفظ كل شيء عن حياة الرهبان وأخبار الرسل وقراءة القرآن، كتاب المسلمين. كانت الأيام تمر ورأسي يكاد ينفجر من هذه الكلمات التي أضع تحتها خطا رفيعا، ارددها كثيرا، وفي صباح أحد الأيام وأنا خارج من المكتبة نادى علي الأب"بشاي"وكان يبدو مريضا ثم قال لي:
• اذهب إلى الغرفة الغربية وتلقى اعتراف تلك السيدة، وإذا سألك الشماس عمن أمرك، قل له الأب مريض وطلب مني أن آخذ ذلك الاعتراف. كان قد مضى علي أكثر من أربع سنوات وأنا لا أتلقى أي اعتراف، وكنت قد انتهيت تماما من أن الرب قد خذلني في عين أب ذلك الدير. ولن أفعل شيئا طالما هو جالس على رأس العمود. بل إنني في احد الأيام حين قابلت ذلك المسيحي الذي دخل إلى ملتنا بعد أن كان كاثوليكي، وعرفت أن دير المحرق الموجود في المنيا يخلو من الرهبان ولم يعد به إلا أربعة من القساوسة جوار الأب وأنهم يتناقصون كثيرا هذه الأيام ، جاءت إلى راسي فكرة أن أذهب إليهم وأطلب أن أدخل ملتهم على أن أكون مساعدا لأب الدير، وكنت قد عزمت على فعل ذلك بعد أن أكمل عامي هذا في الدير، وأخرجت الكتب التي تتحدث عن الكاثوليك وقرأتها جميعا وعرفت بعض الاختلافات القليلة التي يمشون عليها دوننا نحن الارثوزكس . بل أنني بعثت بمن يجس نبض أب ذلك الدير وحدد ذلك الأب الرفض أو القبول بعد اللقاء معه، لقد عزمت على الذهاب إليه في نهاية العام، ولكن صوت الأب"بشاي"الذي نادى علي أن أخذ اعتراف تلك السيدة أخرج كل الخطط من رأسي بضربة واحدة من فم ذلك الأب، دخلت الحجرة فوجدت "جرجس"يقف جوار السيدة الجميلة ويتحدث معها، لم يلتفت إلي وهو يعمل تلك الحركات الضاحكة ولكن حين سمع صوتي انتابت عيونه تلك الحركة التي عرفتها على مر الأيام ، حين يفقد حالة التأقلم مع المحيطين به ، قال بصوت متهدج :
• هل أخطأت الحجرة أيها القس العزيز ؟
كنت أريد أن أصفعه على وجهه ولكني أمسكت أعصابي جيدا وأنا أقول:
• هذه أوامر السيد الأب "بشاي"، والآن هيا بنا إلى العمل.
حين ذلك قال لي انه متعب بعض الشيء وأن إبراهيم الصغير سيكون تحت أمرك ثم مضى إلى حجرة الأب.
هكذا اعتقدت . كانت تلك الأعوام هي أعوام الجدب بالنسبة لي ورغم أن "جرجس"كان خلالها يكاد أن يكون ميتا ولا أعرف لذلك سببا إلا أنني كنت أتمنى أن يموت أب ذلك الدير وليس هذا الأعمى .
طلبت من السيدة أن تأتي باعترافها، فراحت تحكي عن أشياء بسيطة تشف بها مقدرتي فأغلقت أذني دونها ثم قلت لها:
• عليك أن تعلمي أن الرب يعمل من أجلنا نحن اللاهيين بوقته الثمين، فأرجوا أن تعترفي بأخطائك وتحكي لي عنها حتى أستطيع أن أمنحك ردا يطمئن نفسك .
فراحت تحكي عن حبيبها الذي تركها منذ ست سنوات وأنها علمت أنه يعيش هنا وأنها تريد أن تراه .
كادت المفاجأة أن تحطم قلبي. فلم أكن أريد أكثر من ذلك، كانت أوصاف حبيبها تنطبق على "صموئيل". كنت أحدث نفسي وهي تمنحني عدة علامات وعرفت منها كل شيء عن "صموئيل" . ثم ناديت على " إبراهيم " مساعد الشماس الصغير، وطلبت منه المبخرة، فمضى سريعا ثم عاد يقول لي. أن الأب "جرجس"يقول أن المبخرة جوار قدم السيدة، وأحرجها وراح يملأها بالنار والبخور واستطعت أن أكبح جماح "ماجدة" تلك السيدة الصغيرة والتي لا يتعدى عمرها خمسة وعشرين عاما أو يزيد أو يقل . حين ألحت في رؤية "صموئيل" من بعيد، رفضت حسب تقاليد الدير كما زعمت لها وودعتها بعد أن أخذت عنوانها في القاهرة ووعدتها بزيارة وخطابات تطمئنها على "صموئيل" الذي تحول التقاليد دون مشاهدته . كنت أعدو وأنا عائد من عند باب الدير الخارجي. " هكذا تكون علامات الرب " قلتها بصوت سمعه " إبراهيم " الصغير فلم ينتبه لها، ودخلت إلى المكتبة ووضعت كل كتب المذهب الكاثوليكي التي كانت تملا المكتب الذي أجلس عليه، وضعتها مكانها وأنا أضحك على تلك الحالة التي كنت عليها بالأمس فقط. "أستطيع في المسيح كل شيء" تلك الجملة التي غابت عني ما يقرب من أربع أعوام.عادت ترن من جديد في أذني. كيف كدت أن أضيعها وتضيع مني ، صغيرة هي العصافير ولكنها تبني لنفسها أعشاشا . هكذا يجب أن أكون، ذلك لازم يا"متّى". مضت أكثر من سنة حتى منحني الرب علامة جديدة، وكانت عبارة عن الذهاب إلى اجتماع مجلس الأديرة الذي وكلني"بشاي"بالذهاب عنه حين مرض، كنت لأول مرة أجلس مع نيافة الأب" شنودة " وفي أقل من عامين جمعت أكثر مما خسرته في أربع أعوام أو خمسة . كنت حذرا جدا مع المعترفين كما كانت العلاقة دائما بيني وبين "صموئيل" الذي بدا في الأعوام الخمسة الأخيرة شديد التوجس مني، رغم أني لم أفعل معه شيئا غير الاعتكاف الذي فرضته على نفسي. كانت الأحداث تمر دون أن أجد أي دليل منه على بلوغي أمالي ولكني منذ جلست جوار أباء الأديرة في حضور الأب "شنودة" أصبحت الآمال كثيرة والعلامات أكثر. حتى جاء ذلك اليوم حين كنت أصلي صلاة الصباح وكان موعد العظة التي ألقيها ، وقف جواري طفل صغير لم يتجاوز السادسة أو السابعة على أكثر تقدير وهو يمسك بيده صليبا مصنوعا من الخشب ، فنظرت إليه دون أن أعيره بعض الانتباه وابتدأت في العظة وكانت حول موقف يهوذا الحواري الثاني عشر، الذي باع المسيح بعشرين قطعة من الفضة أنفقها كلها في التراب، حيث رماها حين أحس بخطئه ، وحين تفلت في الأرض كانت عيون الصبي معلقة بعيوني، فأمسكت من يديه الصليب الخشبي ورفعته ولم أكن اعلم حين ذلك أن الرب قد بعث هذا الطفل لأمسك من يديه الصليب وأرفعه عاليا دون أن أعرف أن تلك الفعلة من أسرار الكنيسة التي لا يعلمها إلا القليل، فوجدت الأب"بشاي"يقف ويطلع السلالم الثلاثة ويأخذني في حضنه أمام كل الحاضرين وسألني كيف علمت هذا، فلم أكن أعرف ماذا يريد بالضبط، فقلت له ونفسي يكاد يتوقف :
• من عند الرب، ولم أكن أعني تماما ما هذا الذي من عند الرب ، وبعد أن مضى كل الرهبان والمصلون وقف الأب"بشاي"وأمر "صموئيل" أن يحضر خبزا ليقيم عليه صلاة تناول من أجلي، ثم قال لي :
• هل تعلم أيها الراهب أن ذلك السر هو ضمن سبعة أسرار للكنيسة !
فلم أدر بنفسي إلا وأنا أمسك الغلام الصغير الذي كان ما يزال يقف في انتظار الصليب الخشبي وقبلته وسألته عن أسمه، فقال "جرجس":
• هذا " مينا " ابني أيها الأب .
وأنزلته وقلت لـ"جرجس":
• بارك الله لك فيه أيها الشماس .
كيف كبر ذلك الطفل ومتى ؟ وكيف مضت تلك السنوات الطويلة منذ أوحيت لـ "تريزة" أن تقول لزوجها أنها حامل، ومن قبلها قالت له تلك الجملة التي جعلته لا يستطيع صبرا وأخذها في حضنه بعد ثلاثة أسابيع. كانت الأفكار في رأسي تكاد تفور.وأنا أحسب الأيام التي ظللت فيها حبيس المكتبة. ولكني أنهيت كل هذه الأفكار بعد أن أعدت على نفسي بعض الجمل والأحداث خلال تلك المدة. فوجدت أن الأيام لم تمر هباءً، وأن وجودي في المكتبة كل هذه السنوات كانت علامة أخرى من تلك العلامات التي أعرفها بعد ضياعها.
فاسترحت كثيرا لذلك الناتج الذي وصلت إليه، ولكن كيف أنسى ذلك الطفل الذي حين عمد بالماء لم يبك وأستطاع أن يملك أفكاري أكثر من شهر، كيف سقط مني ذلك. لابد أن أعيد ترتيب أفكاري في راسي حتى لا تضيع مني الأشياء . كان الأب على حق حين قال لـ "جرجس":
• أعتن بذلك الطفل، فلقد أوصى به الإله هو والآخرين الذين لم يبكوا حين يعمدون، وقال هؤلاء أولادي ومن صلبي ، ولكن كيف يكون هذا الأعمى أبو ذلك الغلام الذي أوصى به الرب خيرا، وكيف لـ "تريزة" تلك الدميمة أن تكون أما لذلك الغلام الجميل، لابد أن هناك شيئا يمت بصلة لـ "صموئيل"، صاحب العيون الجميلة . كيف لم أكتشف ذلك . لابد أنني أعمى تماما لأني لم انتبه كثيرا للشبه بين ذلك الطفل و" صموئيل "، انتبهت على يد الأب وهي تقف أمام فمي لتناولني جزءا من الذبيحة، فتحت فمي فوضعها الأب ثم شد يديه بسرعة ، حين انتهى الأب مشينا جميعا. كان الغلام يمسك بيد "صموئيل" ، أمسكت بيديه وبصوت عال أخرجت ما رماه الشيطان بعقلي وفمي وقلت لـ " مينا " الصغير :
• أنك تشبه "صموئيل" كثيرا أيها الغلام . لابد أن أمك كانت تنظر له كثيرا .
وما أن قلت هذا حتى تغير لون وجوه المتحركين جواري بداية من الأب وانتهاء بـ "جرجس"، وقف الأب"بشاي"ونظر إلي طويلا ثم قال :
• أن الشيطان رجيم أيها القس. فما أن تشرع في عملٍ صالح إلا ويأتي ويضع أنفه فيه فيفسده. ثم قال "صموئيل" :
• كيف تقول ذلك على امرأة صالحة ورجل كلنا يعرف أنه جد طيب . ما أسوء ما خرج من حنكك أيها الأخ الضال .
كانت دموع "الله التي نزلت من عيون جرجس اقوى من تلك الكلمات التي خرجت من أفواه الآخرين. أمسك الأب به ومشينا في الاتجاه الآخر، وقف "جرجس"ثم قال :
ـ عليك به يا الله . هو سبني أمام كل هؤلاء وأنت تمنحه من خلال يد ذلك الطفل الذي يشكك فيه بعض أمجادك، لتظلم نجوم عشائه ولا يفرح في أيام السنة.
ثم اختفى صوته، كادت الأرض أن تسقط من تحت أقدامي وانأ أحاول الوقوف. حين دخلت إلى قلايتي رحت ألعن الشيطان ذلك الأجرب الذي أضاع العلامات بهذه البساطة من ذيله النجس. فقط ضربة صغيرة من ذيله أضاعت ما اكتسبته في عام . كيف حدث ذلك لا أعرف ! مر شهر قبل أن يطلبني"بشاي". كنت خلاله أذهب إلى المكتبة لا أخرج منها حتى في أوقات الصلاة، ذهبت إليه. كان جالسا على مكتبه العريض ومن خلف نظارته أطل علي حين دخلت ولكنه تركني اضرب أخماس في أسداس نصف ساعة دون أن يطل علي بنظره من وراء تلك النظارة، ثم أمسك بالنظارة ووضعها على الأوراق التي أمامه ثم قال بصوت يملؤه الحقد :
• أيها القس لقد أخطأت وعليك أن تطهر نفسك الآن . وسكت. أردت أن أقول له كيف أيها الأب، ولكن نظرات عيونه لم تمنح للساني محاولة التحرك في فمي.
• أذهب الآن إلى قلايتك وسوف تجد أن بعض الرهبان قد اعدوا لك عصا مربوط فيها منديل موضوع فيه بعض الخبز الناشف. أمسك بها واطلع إلى الجبل ولا تعود إلا حين تحس أنك كفرت عن أخطائك جميعا، حتى ترجع إلى ذاتك. هل تفهمني ؟
أومأت برأسي كنت أعلم أن في يديه أن يأمرني بالذهاب خارج الدير ولا أعود إليه ولكنه يبدو أنه كان في لحظات صفوه القليلة. أمسكت بالعصا ورفعتها على كتفي وخرجت من الباب، كانت الشمس قبل منتصف السماء بقليل. كنت أعلم أن هناك بعض الرهبان الشباب في الجبل يستعدون لرسمهم قساوسة. اخترت مكانا أعلى الجبل ، يبعد كثيرا عن هؤلاء الرهبان. وأمسكت بالكتب الثلاثة التي حملتها معي ووضعتها على صخرة عالية ثم فتحت قربة الماء وشربت بعضا منها. ظللت أسبوعا اقرأ في الكتاب الأول وأصلي إلى أبي"الذي لا أستطيع فيه شيئا" خلال تلك الأيام، كنت خلال الأسبوع أذهب كل مساء إلى أحد الرهبان وأمنحه قربة الماء الفارغة ويعطيني أخرى مملوءة. لم أخذ كسرات الخبز من أحد خلال تلك الأسبوع ورغم أن قطع الخبز الناشفة كانت قليلة ولا يمكن أن يستمر أكثر من ثلاثة أيام أو بالكاد أربعة ولكن نفسي التي زهدت الطعام جعلت تلك الكسرات لمدة ثمانية أيام أو تسعة لا أعرف لأنني في اليوم السابع كنت اقرأ في بداية الكتاب الثاني حين أحسست بلسعة خفيفة في قدمي فمددت يدي دون أن أنظر لأكحت مكان تلك اللسعة فوجدت تحت يدي شيء أملس جعلني أقف كالملسوع وأرى ذلك الثعبان الصغير يمر من تحت قدمي وأنا ارتفع في الهواء وصوتي يقذف داخلي الرعب أكثر من شكل ذلك الثعبان الصغير. لم أحس بشيء إلا بعد يومين أو ثلاثة كان أحد الرهبان يجلس جواري ويمسك بيديه منشفة صغيرة ويمسح القطرات الثقيلة التي تنزل على عيني فتجعل الرؤية مشوشة بعض الشيء مضى أسبوعان قبل أن أعود معاف ،كنت تعودت على شمس السماء وصقيع المساء كنت أنتهي من الكتاب في خمسة أيام وأعيده إلى أحد الرهبان وأطلب منه أخر، مضى علي في ذلك الجبل مدة ولم أكن أعلم أنها خمسة أشهر وتسعة وعشرون يوماً قبل أن أعيد إلى أحد الرهبان الجدد الكتب وأطلب منه أخر فقال لي :
• الأب"بشاي"يقول لك أما أن الأوان أن ترسم بزيت النيرون .
لم أتمالك نفسي من الفرحة كان قد مضى علي في الدير أكثر من عشرة أعوام أو أحد عشرة عاماً ومازال ذلك الأب يتذكر تلك الجملة التي قلتها في الاعتراف الأول ، دخلت إلى الدير وأول ما فعلت أني دخلت إلى حجرة الشماس الذي كان يجلس جوار الحائط وجواره " مينا " الصغير يمسك بأحد الكتب المدرسية ويقرأ فيه، وقف بمجرد أن سمع صوتي وتركت حذائي على باب الغرفة وجريت إليه ووضعته في صدري، كنت أريد أن يغفر لي ،لا أعرف لماذا أجعله أو أتخيله حجر الزاوية في ذلك الدير، كنت خلال الستة أشهر قد تصالحت كثيراً مع نفسي ودعوت أبي أن يمنحني يديه الطاهرة. وضعت رأسه بين يدي ورحت أسكب ماءً لا أعرف من أين أتى ألي بكل هذه الطاقة ونزلت علي الطاقية التي لم يغيرها منذ أن دخلت الدير، ورغم ذلك فهي تبدو كالمشغولة اليوم فقط جلست على المسطبة ثم أمسكت ب "مينا" ووضعته على فخدي وأنا اقبل رأسه وأحاول أن أجعله صديقي وأطلب منه أن يعاملني بحب وأن يطلب مني أي شيء يقف أمامه في كتب الدين والمدرسة فرد علي " مينا " قائلاً :
• السيد الأب "صموئيل" يشرح لي كل شيء .
فقلت له أجعلني معه، كانت الأيام التي نمتها تحت السماء ملتحفاً بحرام مقطع من كل اتجاه قد أخذت مني تماماً، أهتم بي "جرجس"و"صموئيل" في الغذاء في الأيام الأولى حتى استطعت أن أعيد تلك الشحوم القليلة التي فقدتها وأصبحت علاقتي ب"مينا" هو محور علاقتي بكل شيء داخل الدير حتى اعتقدت أن " مينا " هو علامتي الأخيرة التي لابد أن أحتفظ بها حتى أستطيع في المسيح أي شيء ، كان الطفل يكبر كل يوم في عيوني صرنا أصدقاء جداً كان يحكي لي عن المدرسة وما يصنعه وأصدقاءه المسلمين الذين يحبونه كثيراً وهو أيضا يحبهم كثيراً ، رحت أحدثه عن دينهم حين يطلب مني أن أشرح له شيئا سمعه أو رآه.بل في أيام كثيرة كان يجلس معي نصف ساعة لأشرح له شيئا ثم يستأذن ليذهب إلى "صموئيل" ليشرح له شيئا أخر، أصبحت أحبه كابن لي . حتى في لحظات التوتر التي أصابت علاقتي مرة أخرى ب "صموئيل" وأبيه كان هو خارج من تلك الحالات كنت أنتظره فيأتي رغم أني أعلم أنه يعرف ما دار بيني وبين أبيه و "صموئيل"، حين دخل المدرسة الثانوية كان عليه أن يقلل كثيرا من التواجد داخل الدير . فكنت أذهب إلى الحديقة الخاصة بالدير، وأقف جوار السور لأراه وهو عائد أو وهو ذاهب قبل صلاة الصبح. وفي صباح يوم وانا اقف تحت شجرة جرجس التي نمت أكثر من جميع الشجر واصبحت كأم للشجر وجدته يأتي إلي،وضعته في حضني فسألني عن سر الشجرة التي أقف تحتها،كنت اعرف أنه يؤنبني علي ما افعله مع ابيه فقلت له حكاية عن الاشجار ، تقول الأسطورة أنَّ شجرةً ما كان يعبدها الناس.مَرَّ بها حكيمٌ ذات يومٍ .سألها لماذا تُضلُّ الناس؟! قالت إنَّها خُلِقتْ،لتُعْبَد، ولا تعرفُ لها عملاً آخر. مضى الحكيم في طريقه،حتى دخل إلى الصحراء،فوجد راهب مؤمنًا متفرغًا للعبادة .حكى له الحكيم عما رآه أثناء بحثه في الحياةِ .طلب الرهب المؤمن من الحكيم أنْ يُحدد له مكان الشجرة، فحدده له.أمسك بالبلطة، وذهب إلى حيث أشار الحكيمُ الذي نصحه أنْ يظلَّ يعبد الله ،وألا يُدخل نفسه في تجربةٍ، لكنَّه اتجهَ إليها.خَبَر شيطان الشجرة ما في قلب المؤمن ،ولهذا أخرج امرأةً جميلةً ،لتقابله، وحدث ما حدث بينهما ،وليس لذكرِه قيمةً،لكن المؤمن صمم على قطعها مهما كلّفه الأمر.أخرجت له كل ما يُمكن إثنائه عن عزمه ، لكنه كان ذا عزم أكيد.غَلَب إيمان الرجل شيطان الشجرة،فرفع بلطته ، وهمّ أن يقطعها ، فبكت له، وهو واقف أمامها ، وهي عارية من أوراقها ومن شيطانها الذي ضلّت كلُّ تدابيرِه وحيله وألاعيبِه.قالت الشجرة ،وقال المؤمن أشياء كثيرة خلاصتها أن الشجرة الناقمة على شيطانها الذي تخلّى عنها ،تعهدت للمؤمن ألا تترك إنسانًَا يعبدها بعد الآن،وأنها فقط تريد العيش دون أوراقٍ أو أي شيء، ولسوف تمنحه كلَّ يومٍ طعامه وثلاثة دنانير يجدهم تحت الصخرة التي ينام عليها .عاد المؤمن يعبدُ اللهَ أكثر،ولكن بلا عملٍ من يديه. لقد كَفَلته شجرة الشيطان. مضت الأيام ،وعلم أنَّها عاودت سيرتها الأولى،فأمسك بالبلطة ،ورفعها بقوة إيمانه ، لكنَّ يده ضعيفةً. وقف أمام الشجرة التي أثمرت وأينعت وكَثُرَ المؤمنون بها.رفع يده بالبلطة،وضربها أمام أهل القرية عدة ضرباتٍ، لم تُسمن عن شيءٍ في لحائها السميك. كلّت يده من الضربات القليلة ،فقالت له الشجرة : لن تستطيع أنْ تقطعني،لأنَّك لم تعدْ تعمل شيئًا بيدك. تواكلت عليّ ولن تستطيع أبدًا أنْ تقطعني بإيمانك فقط . عاد المؤمنُ حزينًا ،وأصبحت الشجرة أكثرَ قوةً ،وازداد عدد المؤمنين بها . ما أن انتهيت من قصتي حتي نظر في عيني وتركني ومضا دون أن يعلق بشئ. كان الأب"بشاي"قد أوصى في العيد الأخير أن يتم رسم "صموئيل" كراهب أكبر داخل الدير وأن يكون نائبا له في العيد القادم . ولم يتبقى على ذلك إلا شهر. كانت الأفكار تتناطح في رأسي كل يوم ولا أفعل شيئا والأيام تمر وأنا أجد "صموئيل" قد بدأ في ارتداء الثوب الأبيض حسب التقاليد، وفي مساء أحد الأيام قبل العيد بعشرة أيام كنت أعيد ترتيب الأفكار في رأسي حين عثرت على "ماجدة" في احد الأركان الغائبة من ذاكرتي ( زمن التحولات ).
رحت أبحث عن عنوانها في الأوراق الكثيرة حتى عثرت عليها، كانت الساعات الباقية على الصباح تمشي في بطء، حين أطلت الشمس قليلا من السماء وقفت أمام قلاية الأب "بشاي"وخبطت عليها . جاء الصوت من بعيد يعلن الوقت مازال مبكرا وأن أمامه نصف ساعة أو يزيد ثم أنهى كلامه إليّ على أني "جرجس"فقلت له :
• أنا"متّى" أيها الأب. فقال :
• أنتظر وسوف أخرج لك .
أنفتح الباب وظهر ورأسه عاريا من العمامة . كان الشعر الباقي فوق رأسه مجعدا ولم تعد هناك في ذلك الجزء الصغير شعرة واحدة سمراء. وعيونه منتفخة، لم أراه على تلك الحالة في يوم من الأيام. لابد أن الأب يستعمل بعض الدهانات ليبدو في عيوننا صغيرا أكثر من ذلك بعشرين عاما على الأقل. وقف أمامي وهو يرتدي الصديري والسروال الأبيض وتحت الصديري يظهر قميص أخر يبدو أنه من خيش النخيل. قلت له أنني أريد الذهاب إلى بلدي في زيارة للأسرة التي لم أعرف عنها شيئا منذ دخلت الدير، وأن العيد لم يبق عليه إلا عشرة أيام، ولابد أن أذهب وأعود قبل العيد لانشغالنا في أيامه بأشياء كثيرة.
وافق الأب وطلب مني أن أسلم على جميع الأهل، وعدته أن أعود في الغد على أكثر تقدير، سلم علي فتحركت قليلا ثم سمعت صوته ينادي علي، فرجعت تلك الخطوات القليلة التي تحركتها في اتجاه الباب فقال لي :
• هل ذلك لازم أيها الأب ؟
• أي شيء لازم أيها الأب؟!
• ما أنت ذاهب إليه .
أنتفض قلبي وكدت أقول ليس لازم وأعود إلى قليتي، ولكني جمعت كل قواي التي تنهار أمام ذلك الأب وقلت :
• يبدو لي ذلك أيها الأب
• اذهب وليفعل الله ما يريد، فلن أستطيع شيئا إذا كان الرب يريده. اذهب ولكن أدفس ذلك الشيطان في حجرك ولا تجعله يرمي بك إلى النار، فأنت صالح في بعض الأوقات، ولا تعرف كم هو قاتل ذلك الكرسي .
انسحبت من أمامه وقدماي تتعثر كنت أعرف أن ذلك الأب يقول الحق ورغم ذلك مضيت إلى حيث "ماجدة" ، التي تستطيع أن تعيد حلمي الذي سأفقده بعد عشرة أيام . كان الطريق طويلا عكس الرحلة الأولى. كيف مضى بي القطار في الرحلة الأولى وأي الأحلام كانت. وماذا تغير في عن تلك الرحلة، كان القطار يمضي وتلك الأسئلة تمضي في رأسي عابره كل السنوات العشرين أو الواحدة والعشرين التي قضيتها في الدير . كل شيء تغير . هكذا حدثت نفسي وأنا أضع يدي الباردة في جيب الجلباب، القطارات تغيرت، والوجوه تغيرت، كل شيء تغير. كان بين الحين والحين يأتي أحد المسافرين ويسلم علي ويقبل يدي. كنت أرد بحميمية مصطنعة دون أن يعلق من وجه ذلك الماسك بيدي ولو مجرد لون شعره . حين وقفت أمام البيت انتابني يأس كبير؛ ماذا لو دخلت على "ماجدة" ووجدتها قد تزوجت ؟ لماذا لم أفكر في ذلك ، رحت انفض الأفكار السوداء عن رأسي الذي كاد ينفجر من صوت عقلي الذي راح يؤنب ويرمني بأحط الشتائم . أخيرا أمسكت برأسي ودخلت إلى البيت ، خبطت على الدور الأول فلم يرد أحد . كادت البقية الباقية من روحي تنسحب مني ولكني عزمت أن أطلع إلى الدور الثاني وضربت الجرس، بعد قليل خرجت سيدة جميلة تضع على وجهها مساحيق عديدة الألوان، قلت لها:
• الأخت "ماجدة" موجودة ؟.
أومأت برأسها ..
• أريدها .
• من أنت ؟
• قولي لها الأب"متّى" من دير الأنبا صموئيل بأسيوط .
أدخلتني إلى حجرة الجلوس، جلست على كرسي فوتيه أمام ترابيزة صغيرة ثم أغلقت الباب ورائها وذهبت. رحت أنظر في الحوائط . كانت خلفي صورة لعريس وعروسة، وقفت مفزوعا وأنا أمسك قلبي بيدي . كانت العروس هي تلك التي أدخلتني والرجل الواقف بجوارها وجهه منير بعض الشيء ورأسه فارغة من الشعر، ضحكت وأنا ادقق في وجه ذلك العريس وأقول في نفسي كيف ارتضت تلك الجميلة بذلك الخالي الرأس من الشعر . لابد أن الرجل يمتلك قلبا جيد أو خالي من الحقد تماما وإلا ما أستطاع أن يمتلك تلك الرائعة لولا مساعدة الرب الإله له.، دخلت "ماجدة" بسرعة. كانت ما زالت تربط الإيشارب، سلمت علي بود أعاد بعض التوازن إلى قلبي، سألتني عن "عادل" . فقلت لها :
• اسمه "صموئيل" ألا تتذكرين ؟
• كيف حاله ؟
• أمازلت تحبينه ؟
• ليس لي غيره .
• ألم تتزوجي ؟
• لن أتزوج غيره. وليكن شاهدا على العقد الرب هناك ، وأشرت إلى السماء .
• ولماذا السماء! ولم لا يكون على الأرض؟!
ضحكت كثيرا وسألتني عن "صموئيل" ، حين ذلك دخلت تلك السيدة التي أدخلتني وجلست . كنت على وشك أن أحكي لها ، ولكنها قالت لأختها :
• ألا يجب أن تحضري لضيفنا كوبا أو فنجانا من القهوة !
فقامت وهي متضررة من تلك الأخت ثم قالت لي:
• آسفة أيها الأب. هذه "منال" أختي متزوجة منذ أربع سنوات وهي الصغيرة والتي لم يعد لي غيرها.
رحت أحكي لها عن "صموئيل" وأنه لابد أن يعرف أنها ما زالت تحبه وانها لم تخنه لأنه مريض هذه الأيام، دخلت "منال" وهي ممسكة بصينية عليها فنجان قهوة فقط . فقالت لها "ماجدة" :
• لماذا لم تأت بماء أيتها الأخت ؟!
فخرجت وعادت مسرعة بعد أن وضعت زجاجة وكوب على الترابيزة بحركة همجية فقالت "ماجدة" :
• هذه "منال" أختي تزوجت منذ أربع سنوات كما قلت لك، ولكنها لم تأت لنا بطفل حتى الآن، فادعي لها الرب أن يمنحها طفلا .
فوقفت ورحت أتلو صلاة على رأسها ولكنها انتفضت واقفة وهي تقول:
• لن يستطيع ذلك اليسوع أن يسمع منك لأن أذنيه قد صدئتا تماما عن صوتك المليء بالمياه الآسنة .
وقفت أفكر في كلامها دقيقة أو يزيد، من أخبرها عنك أيها المسكين؟!، يبدو أن العلامات السيئة قد عادت إليك. . كان يجب عليك أن تفهم ذلك منذ الصباح الباكر. حين قال ذلك الأب ما قاله، أمسكت بتلك الأفكار وخلعت الصليب الخشبي ووضعته على رأس تلك السيدة القذرة . فسكنت "ماجدة" التي كانت تعتذر لي عن تلك الكلمات التي خرجت من فم تلك العاهرة. التي كانت قد جلست فوقفت مرة أخرى وهي ترفع يديها وتشير علي وتقول:
• لم أقصد أهانتك أيها الأب، لم أهرب من حظيرة الرب كما تزعم أنت وهؤلاء القساوسة الذين يصلحون لأي شيء غير أن يتلو كلام الرب دوننا نحن أولاد يوسف النجار، ولكني فقط أقول لك ولها، وأشارت على "ماجدة". " موريس زوجي التي تحسدني النساء عليه كما قالت لك الأخت العزيزة "ماجدة" ، نعم أنه يصلي في الكنيسة دائما. لكن مالا تعلمه أو تتنساه اختي الطيبة ماجدة ليس له في النساء ، لا يملك عضوا جيدا أيها الأب . ثم خرجت إلى أحد الحجرات. وقفت "ماجدة" لا تدري ماذا تصنع، أمسكت بزجاجة الماء الموضوعة على الترابيزة ووضعت بعضا منها على المنديل ومشيت به على وجهي فأحسست أن النار في راسي فخلعت تلك الطاقية ومشيت بالمنديل على راسي . كانت "ماجدة" ما زالت تقف وأنا أنظر إلى تلك الزهرية المملوءة بالورود الصناعية الموضوعة برقة والتي واضح أن أحشائها لم تخربها يد طفل فقلت لها :
• أذهبي إلى أختك وأسأل الله أن يضع يديه على يدك لتشيلي عنها إحزانها .
انسحبت في توتر وتركتني بعض الوقت كنت قد حدثتها عن ضرورة سفرها معي لزيارة "صموئيل" لمرضه. فقالت أنها سوف تذهب معي اليوم . مر الوقت ثقيلا وانأ أعيد كلمات تلك الفاجرة التي تتمنى عضوا جيدا . دخلت "ماجدة" واعتذرت عن عدم قدرتها على السفر اليوم ووعدتني أن تسافر معي غدا في الصباح. قلت لها القطار موعده السابعة والثلث فقالت أنها سوف تكون هناك من السادسة والنصف. خرجت من عندها وذهبت إلى كنيسة العباسية ، كنت قد حضرت إلى تلك الأديرة مرتين قبل اليوم؛ المرة الأولى حين ختمت طلب قبولي بالدير . والمرة الثانية حين حضرت بالعربة المكيفة لأحضر اجتماع أساقفة الأديرة . كنت قد عرفت بعض القساوسة، سألت عليهم ودخلت على أحدهم الذي قابلني بمودة وحب، تركته ودخلت إلى حجرة الاعتراف وحدي. ثم رحت أحكي لأبي الذي في السموات عن كل ما أصنعه ولأي شيء . كنت أحب أن يكون ذلك الدير هو منارة العلم لأي مسيحي حقيقي لا ملجأ للضعفاء كما جعله ذلك الأب المتكاسل عن العمل من أجل رفع قيمة أخرى للدير ، والذي يظل بالشهور معتكفا في قلايته. وشرحت له كل شيء وكل خططي من أجل ذلك الدير. لم أكن أريد ردا منه، ولكني فقط طلبت منه أن يوفقني أن كان يرضى عني، ثم دخلت حجرة القساوسة واخترت سريرا وأرحت جسدي عليه. كان المساء طويلا. كان وجه "ماجدة" يتشكل أمامي خلال خمس عشرة سنة، ذلك الوجه الذي لم يصبه الزمن إلا ببعض مسوح من الكآبة والألم، وكيف ظلت كل هذه السنوات تحتفظ لرجل واحد بكل هذا الحب رغم أنها لم تتعرف عليه أكثر من سنة ونصف. فكيف لسنة أو سنتين أن يأخذا مهما أثنين وعشرين عاما أو يزيد. وكيف تحمل هذه الشهور كل هذه السنوات. لم أنتظر صلاة الصباح، خرجت متسحبا على قدمي ولبست الحذاء خارج الكنيسة، عندما رأيت "ماجدة" جالسة وتلك لعيون تحدق فيها . لا أعرف لماذا أحسست أنني أتمنى أن أكون أنا "صموئيل" أو أن تكون هي"أم كلثوم". دنوت منها ووضعت يدي عليها لا أسلم فخرج من ذلك الفم الصغير صوت كاد أن يعيد راكبي قطار الإسكندرية إلى المحطة مرة أخرى، أكثر من مائتين من العيون تحدق في. أكرهكم جميعا أيتها العيون القذرة ،وقفت تعتذر وأنا أكاد أقع من تلك العيون على الأرض، أفسحت لي مكانا فجلست، رحت احكي لها عن كل العيون المتلصصة ومضى الوقت كأنه عام فتح باب القطار. حين دخلت من الباب لا أعرف لماذا كنت متوترا هكذا، أجلست "ماجدة" وجلست وحتى تلك اللحظة لم أكن اعرف ماذا سأقول لـ "ماجدة " حين تداهمني بالسؤال الذي فكرت فيه كثيرا ولم أصل إلى رد مناسب. فاجأتني "ماجدة" بالسؤال ، فقلت لها أن الأب"بشاي"هو الذي بعثني من أجل راحة "صموئيل" النفسية لأنه غير مستريح، وأن الحب الذي يحمله لأبد إنك تحملينه، ولا تأخذني إن كنت حكيت عن اعترافك للأب"بشاي". أغمضت عيونها فأحسست أنني تورطت أكثر من اللازم ويجب أن أعترف لها بالحقيقة وإن كنت أريد من أبي المساعدة فانتظرت أقرب فرصة تفتح فيها عيونها وسوف أقول لها كل شيء دون خوف. فيجب أن أكون أبا صالحا خيرا من نيافة أب فاسد على الأقل يجب أن تعلم جزءا من الحقيقة لا الحقيقة كاملة
كان كوب الشاي في يدها يرتعش من اهتزازات القطار، ولكنها تتحكم فيها بشكل أذهلني. فلم تسقط ولو قطرة واحدة على ملابسها. حين فتحت عيونها كان قد مر أكثر من أربع ساعات. اعتذرت عن نومها المزعوم فقلت لها لا شيء، ثم رحت أحكي لها كل شيء. لم اخف عنها أي شيء، تكلمت كثيرا عن الحب في الكنيسة وكيف يكون، أحسست من كلامها أنها تؤنبني. فرحت أرد عليها وأفند لها كل سهامها التي ترشقها في صدري، قلت لها عن أملي في ذلك الدير وكيف سيكون حين أجلس على الكرسي. أقسمت لها أنني لو أملك واحدة مثلها وتنتظرني ما تأخرت لحظة واحدة عنها، ثم قلت لها إن فشلت سوف أقف مع "صموئيل" وأكون عونا له في مسئولية الإدارة. ثم اتفقنا في النهاية على كيفية دخولها الدير كما حددت لها .
تركتني بجوار المحطة، حين دخلت الدير كانت الشمس في منتصف السماء، رحت أنظر بين الحين والحين على باب الدير. كانت الوساوس قد بدأت تنخر في عظامي، أنها لابد عادت من حيث أتت وأنني فشلت تماما وعلي آن أعترف. كان "إبراهيم" مساعد الشماس ينظر إلي فأحاول الالتفات بعيدا عنه، حين رأيتها تدخل أمسكت روحي الزائغة عني من يد عزرائيل الذي كان على وشك الإمساك بها، مضى أكثر من ساعة وأنا أمر في الممر الضيق وأحاول التصنت دون أن يراني "إبراهيم" أو"جرجس". حين وجدت "صموئيل" يمسك يد "ماجدة" وخارجا من الحجرة. دخلت إلى حجرة الأب الذي لم يكن موجودا بها، لمحت ظلهم من الشباك وهما يقفان جوار " إبراهيم "، رفعت يدي ورسمت علامة الصليب، دخلت قلايتي ولم أخرج منها إلا في صباح اليوم الثاني. كان المصلون يدخلون إلى الكنيسة واحدا. واحدا، حين وقفت بجوار الرهبان لمحت يد الأب تشير إلي فتحركت قدمي في اتجاهه عابرة ظلالا لرؤوس كثيرة . بعد أن انتهت اللحظة قال لي"بشاي":
• كيف حال الذين ذهبت إليهم ؟
• أنهم بخير .
• أتمنى أن يريحك الرب ويريحني أيضا أيها الأب"متّى" المسكين. المسكين لا شك ثم نزلت دموع كثيرة على ذقنه متغلغلة الشعيرات الكثيفة لتسقط فوق صدره . ثم أمسك بيد "جرجس"ومضيا . تركني أفسر ما لا يفسر، كيف عرف ذلك الأب ؟ ومن أخبره بك أيها الأب الجديد ؟ هل تراه " إبراهيم ؟
خرجت إلى الحوش كان إبراهيم يمسك بعود من عناقيد النخل وينظف الحوش من الأوراق. ناديت عليه فدنا مني على استحياء وقلت له :
• ماذا حدث بينك وبين الأب "صموئيل" ؟
أرتعش صوته وهو يقول :
• أعطاني خطابا للأب"بشاي"و "جرجس"ولكن الخطابين ضاعا مني ولا أعرف أين.
ابتسمت وانأ أقول له :
• لا تخجل من نفسك فأنت ولد صالح وغدا تكون شماسا عظيما، فقط أتبعني أهيئ لك ذلك . أمسك " إبراهيم " بيدي وقبلها بنهم .
• هل حكيت عن الخطابين للأب ؟
• لم أستطيع، كل ما قلته له أن الأب "صموئيل" قد ذهب مع المرأة التي دخل من أجلها الدير وأنه لم يستطع أن يقول له ذلك أمام عيونه .
• ماذا صنع الأب حين قلت له ذلك ؟
• لم يقل شيئا . كل ما هنالك أنه بكى فقط أيها الأب، بكى حتى أحمرت عيناه ثم دخل قلايته ولم يتناول شيئا. حتى الصلاة لم يخرج إليها .
طبطبت على رأسه وغيرت اتجاهي ومشيت .جاء صوته من بعيد يسألني بخبث .
• هل تعلم أيها الأب أين أجد الخطابين ؟
ألتفت إليه كانت عيونه باسمة، فضحكت ومشيت. حين طلبني الأب"بشاي"ارتديت الجلباب الأبيض وذهبت إليه في كامل حليتي ، كان يبدو كالخارج من القبر بوجهه الشاحب وعيونه الغائرة .
جلست أمامه وأنا أكاد أموت من أجله، كيف فعل به غياب "صموئيل" . خرج صوته الوهن وهو يعلن لي أنه قد بعث بخطاب إلى المجلس الملي يعلن فيه تقاعده عن الخدمة واعتكافه وأنه قد رشحني للقيام بتلك المهمة من الآن ريثما يتخذون قرار بالموافقة عليك أو انتداب أحد الآباء ليقوم بذلك العمل، فقلت له :
• أمامك كثير من العمل،وإذا كان غياب "صموئيل" قد فعل ذلك فلتمنحني تلك الفرصة حتى استطيع أن أسد العجز أيها الأب الجليل .
أومأ برأسه ثم نظر إلى السقف وقال :
• عليك الآن أن تقوم بوظائفك أيها الأب . فإذا كان ذلك هو عمل الرب فلتصنع خيرا .
ثم وقف وسلم علي، كانت عروق يديه تنتفض انتفاضات المهزوم. شددت عليها عليِّ استطيع أن أمنحه بعض القوة ولكنه سحبها سريعا دون أن يترك لي فرصة تقبيلها . عند الباب قال :
• العيد على الأبواب أيها الأب . فأعمل بكد من أجل أبينا الذي في السموات .
من بعيد لمحت " مينا " الذي لم أراه منذ أسبوع أو أكثر ناديت عليه فجاء متكاسلا، سلم علي ببرود وسألني عن صحتي. طمأنته علي ثم قلت له :
• أين كنت أيها الطالب الراهب ؟
تحجج بدراسته ومسئولية الدخول إلى الجامعة، سألته عن ذلك الجرح الذي في القلب وهل اندمل، فقال أنه ما زال يراها في الحلم تبكي ولا يعرف ماذا يصنع لها، طلبت منه الذهاب معي إلى المكتبة، مشى جواري في هدوء حتى دخلنا حجرة المكتبة. وجدنا أحد الرهبان يقوم بتنظيف المكتبة ويرفع الأتربة عن الكتب ، طلبت منه أن يذهب إلى " إبراهيم " ويأمره بصنع كوبين من الشاي المليء بالنعناع الأخضر،انسحب وأغلق وراءه الباب ، كانت عيون " مينا " مليئة بالأسئلة والتوجس ، حاولت أن أبدو عاديا ولكن إصرار عيونه أضاع تلك المزاعم . كنت أمام ذلك الولد أفقد كل أحلامي وبعض الكهنوت الذي أحتفظ به للشيطان ذاته الذي لا يقتضي مني أكثر من إشعال البخور وحين يشم تلك الرائحة يدوخ وينزل على الأرض فأمارس عليه بعض الألاعيب الصبيانية. أما ذلك الولد فأني أقف أمامه عاجزا عما أفعله بالشيطان. منذ أن أعطاني الصليب الخشبي منذ أثنى عشر سنة، أرتعش بمجرد أن يرمي عيونه ليصطاد بها عيوني.
• أين الأب "صموئيل" أيها الأب"متّى" ؟
خرج السؤال من فم "مينا" معبأ بعلامات كثيرة للاستفهام، ليس أين في الزمان أو في المكان ولكن أين في كل المعاني.قلت له هوحيث يريد.وقبل ان يبدا في السؤال قلت له سوف احكي لك حكاية الدير والداخلين فيه والخارجين منه والشروط الثلاثة التي ينبغي أن تكون في الرهب الحقيقي أو الرهبة،ولكن قبل ذلك هل تعرف الشروط الثلاثة.
أوم براسه دون أن يتكلم مما جعلني أقول اسمع ياسيدي:
هم ثلاث شروط ،أولهما الفقرُ ثم الامتثالُ و اخيرا العفّةُ ! تقول الأسطورة أنَّ امرأةً جميلةً اسمها " ليل " مات زوجها يونان سيد القرية. لم تكن قد وضعت طفلتها. كان موعد وفاة السيد قبل تولد الصغيرةَ بأربعة عشر يومًا . مضت السنون .تزوجت المرأة" ليل" بأكثر العالقين بذيلها. جعل خده مداسًا لها هذا الرجل .كان اسمه فلحاس.لم تكنْ تعرف الوجه الآخر له. كان فلحاس يُحبُّ امرأةً اسمها "ريمة " علّمتْه فنون الهوى كما ينبغي. ومن أجلِ ذلك لم يُحبّ غيرها. الأيام تمُرّ و خدود " ليل " تزداد اصفرارًا .الطبيب يروح، ويجئ مئات المرات ،ولم تُعْرَفْ العلة.
كانت الصغيرة قمر ابنة "ليل" والسيد الراحل يونان تَكْبُر.يظهر التوت الأحمر فوق شفتيها ، كما يظهر التفاح فوق صدرِها ،والأم تزداد اصفرارًا . لم يكنْ أحدٌ يعلم أنَّ الزوج فلحاس المتفاني في حُبّ زوجته كما يظهر لعيون المحيطين بهم هو الذي يضع لها السمَّ الزعاف بمقدار يميتها واحدة واحدة وعلى مهلٍ . كانت نساء القرية يَحْسُدن " ليل "على ذلك الزوج. حين تتعثر قدم الحصان وهو في طريقه إلي الطبيب يحملها بين يديه ،ويجري بها في الحقول. كما كان الرجال ينظرون إليه ويقولون لبعضهم البعض : صحيح ! الحُبُّ بهدلة !
عندما أكملتْ الصغيرة الحاديةَ عشرة كانت " ليل " على فراش الموت. جميع خدامها والعاملون لديها يرون الموت يقف على رأسها ، ويرون مدى تأثر السيد فلحاس ، حتى كاد أن يُجنّ لموتها الذي يزحف إلى روحها ببطءٍ وقسوةٍ . يا له من ممثلٍ عظيمٍ والله ! ماتت المرأة " ليل" وأتي السيد الجديد بعد أسبوعٍ بالمرأة الدميمة " ريمة ".ها هو يرفعها بيديه ،ويضعها فوق سرير ومكان السيدة في القصر. إنَّ كل أهالي القرية المنكوبة في سيدتهم ،التي كانت تعطف عليهم جميعًا،تأكّد لهم سوء اختيارِها في فلحاس .هناك حكاياتٌ كثيرةٌ ترددها الألسنةُ عن حقارته ،وقسوة قلبِه .قال ظريف القرية جملةً مشهورةً تلوكها الألسنة :" فلحاس طرْمَخ على مال قمر بنت يونان وداس ولم يترْك لها في قاع الجبِّ غير المداس".كما قال حكيم القرية " شيطانٌ ماهرٌ وسوس في قلب " ليل "الجميل ،كما فعل منذ زمنٍ بعيدٍ مع أمنا حواء " . قال جملته بعد أنْ أمسك بيديه قمر ابنة سيدهم يونان وسيدتهم ليل ، وهي باكيةٌ أمام قصر أبويها الكبير، الذي حُرّم عليها و ألحقها بالدير . لقد أدخلها السيد الجديد فلحاس إلى خدمة السيد الدائم.
هكذا علق الحكيم ذاته قبل أنْ تطأ قدماه باب الدير، ليلحق بالضوء الباقي ،الذي يُنير الطريق .
ما أنار الطريق لخير سالكيه مثلما أنار الله. هكذا همستْ شفتا قمر أمام صورة العذراء. وهكذا مضتْ الحكايةُ. من رحمةٍ تتملك قلب الصغيرة، إلى قسوةٍ تتملك قلب السيد فلحاس وزوجته الدميمة ريمة ،من ساعاتٍ طويلةٍ تَظَلُّ فيها قمر واقفةًً بين يدي المخلص إلى وقوفٍ متكررٍ في وجه المخلص وأعوانه، من حُبٍّ ينبت للمخلص في قلب الفتاة التي أينعت ،إلى كرهٍ يظهر في قلوب رعايا السيد الجديد، من نورٍ ودموعٍ في عيني العذراء إلى جشعٍ وجبروتٍ في يد فلحاس .كان للسيد القديم يونان ابنًا من سيدةٍ فقيرةٍ تُوفيت إثر مرضٍ ما ، قبل زواجه من قرة عين أبيها " ليل " التي ورثتْ عنه كلَّ شئٍ . هذا الأخُ غيرُ الشقيقِ كان مريضًا وشُفي .
يقول الناس إنَّ اسم هذا الشقيقِ هو مينا . عرف كلَّ شئٍ عن حكاية ميراث أخته وميراثه أيضًا.
وبمعاونة أهل القرية أمكن لشبيه يوسف النجار مينا أن يلتقي بأخته قمر في الدير. كان لقاء تدمع له العين كلما تذكّره من حضره من أهل القرية . بكثيرٍ من اتحاد الأيادي ،وبكثيرٍ من الحيل والألعاب، والعملِ لكل المخلصين الذين ساعدوا مينا وأخته قمر أمكن اليتيمين الحصول على ميراث الأجداد. وتُختم الحكاية بأنَّ الحقَّ ظهر،ودخل الشرير وزوجته الدميمة إلى سجن العزيز.عادت قمرُ مع مينا إلى القصرِ تاركةً الدير حيث الفقر والامتثال، كما أنها حافظتْ على عفّتها لشابٍ أحبَّته كثيرًا .وهكذا ترا يامينا أنَّ الفقر والامتثال والعفَّة شروطٌ مجحفةٌ للإقامة بجوار الرب في الدير.أن البعض منا يقول يا لها من شروطٍ مجحفةٍ للإقامة بجوار الرب في الدير!والاخر يقول يا لها من أمنيةٍ عزيزةٍ على قلوب الواهبات أنفسهن للخدمة في محراب السيد!يا لها من مكافأةٍ كبيرةٍ تلك التي سيمنحها الرب لي!جنةٌ عرضُها فراسخ كبيرة،بها ريش نعامٍ وماء سلسبيل وأطفالٌ تُشبه الملائكة مع يوسف الصديق زوجي .ماذا هناك أيضًا أيها السيد؟!لا.حقا .لا.لا أستطيع العيش في كل ذلك الجمال . ماذا قلت يا سيدي؟!الجنة مليئة بأسنان الأسماك؟!كمْ أنت جميل يارب!ولكنني يارب لا أعرف ما هي أسنان الأسماك تلك !أعتقد أنني لن أستسيغ جنةً مليئةً بأسنان الأسماك التي لا أعرف كنهها! هل تعلم أن بعض الناس يقولوَ للرب في عينه : اعطني الآن سروالاً لائقًا،وشربة ماءٍ ،وقطعة جبنٍ وأرغفة ،تستطيع أنْ تملأ بطون عيالي ،وبيتًا وقطعة أرضٍ أقف تحت شمسك الحارقة، أبذر فيها غلّتك،وحمارًا أحمل عليه زوجتي العليلة لمدينة الطبِّ، وقبرًا تزورني فيه عائلتي واستبق لكَ هذه الجنة. استبق لكَ أسنان الأسماك التي تُعجبك كثيرًا لا ريب . ولتعلم ياصديقي أن الرهب صموائيل عند زوجته. وقف وهو يرفع سبابة يده في وجهي ويأمرني أن أقول الحقيقة هدأته وحكيت له كل شيء عن "صموئيل" و "ماجدة" كان يستمع إلي وهو بين المتشكك والقانع بتلك الإجابات التي ترد على أسئلته التي تعمل في رأسه . استكان تماما كالمنوم أو المشوش الذهن. كان الشاي الذي وضعه "إبراهيم" على المكتب قد برد تماما فأمسكت بأحد الأكواب وأعطيته لـ"مينا" الذي أمسكه من يدي بألية غير مدركة لفعلها. حين رشف من الكوب بعض الرشفات. وضع الكوب على المكتب ثم وقف وهجم علي وهو يقول :
• كيف فعلت ذلك أيها الأب، ما الذي تملكه هنا تحت هذا الصدر، ألك قلب بشر أيها الرجل !
هداته وقلت له:
• ماذا لو عادت "لينا" إليك !
وقع على الكرسي وهو يفتح فمه. كان السؤال صاعقا له . كنت أعلم أنني أستطيع فيه هو الأخر. فالذي جعلني أستطيع مع الأب "بشاي" و"صموئيل"لن يقف أمام ذلك الشاب الهمجي بعض الشيء، ذي القلب الطيب. انتابت "مينا" رعشة جعلتني أدور حول نفسي ولا أصنع شيئا. أحسست أنني مكبل من رأسي وقدمي. كنت ألف في الحجرة وابحث عن شيء لا أعرفه. أخيرا استطعت أن أعرف أن ما أريده هو شيء ألف به ذلك الفتى وأدفنه. أمسكت بالمفرش الموضوع على المكتب وشددته دون أن أرفع أكواب الشاي التي تناثر زجاجها على الأرض والكتب التي أختطلطت صفحاتها ببقايا الشاي وأوراق النعناع، جذبته من يده، لم أكن أعلم أنه ثقيل هكذا أو أنني لم أعد أملك مقدار ما أقيم به ثقل يذد عن الخمسين كيلو. لففت المفرش المصنوع من قماش أخضر عليه ثم دفسته في صدري وجلست أنتحب لحاله.ناديت علي احد الرهبان نستطيع أن نرجعه إلى بيته أو إلى حجرة أبيه على الأقل. مضت فترة وأنا أدقق النظر إليه وهو يرتعش بقوة قبل أن يفيق من تلك الحالة . وقف على قدميه ورفع المفرش عنه.
كنت أتصبب عرقا. طلب مني أن أذهب معه إلى خارج الدير. مشيت وأنا أمسك بيده في الطريق. كان يتنفس بصعوبة، عند الباب قال لي :
• ربما تكون على حق . ولكن شيئا بشعا أيها الأب ما صنعته بالأب"بشاي".
لم أكن أدري ما الذي صنعته . كل ما هنالك إنني أريد أن أكون أنا وليس غيري، في المساء وأنا ارتب أفكاري انتابني لحظات نوم. رأيت فيها حلما بشعا، حلمت أنني أقف عاريا فوق ربوة عالية والسماء مليئة بالثعابين ونجومها القليلة لا أشعة لها ولا لمعان .. كانت أشبه ما تكون بجسد رجل مليء بالقروح ومن الأرض يخرج برق أحمر يزحف ببطء كأفاعي صغيرة. وكانت الثعابين كلما لمست أحد النجوم ينفجر محدثا صوتا يشبه الرعد مخلفا وراءه بقعة سوداء في جلد ذلك الثعبان. وراحت النجوم تنفجر واحدة .واحدة. وتلك السماء تسقط الثعابين على راسي، وفجأة ظهر "صموئيل" بيده حربة من النار، ثم أمر السماء أن تعود كما كانت. فعادت صافية تماما خالية من الثعابين. ثم مد تلك الحربة ولمس جسدي فأحرقتني. عند ذلك قمت مفزوعا وكانت روعتي شديدة.
فشربت كوب ماء ثم اعتدلت وجلست أفكر في ذلك الحلم. وأخيرا استطعت أن أهدئ نفسي ورحت أعيد ترتيب الحلم مرة أخرى وقمت وصليت صلاة النوافل وعدت واسترحت على السرير. كانت الثقوب القليلة المريحة في ثقف القلاية تشكل لوحة أشبه بتلك السماء والتي حلمت بها منذ قليل، أغمضت عيني وأنا أحلم بيوم العيد الذي لم يعد أمامه إلا أسبوع وكيف سأبدو في ردائي الجديد وأنا أقف في الإيوان وأحرك يدي المضيئة بذلك الخاتم الموقع عليه من نيافة الأب شنودة الأول، وفجاءة جاء الحلم الثاني الذي كنت أبدو فيه كالطاووس بذلك الرداء الأبيض . واقفت على سهل ثلجي منبسط مثل صفحة من الورق خالية من ولو مجرد خط بسيط لقلم رصاص ، وأمامي تقف أشجار كثيرة برءوس أدامية لأناس لا أعرفهم رغم أن ملامحهم تبدو مألوفة والأشجار ذات الرءوس البشرية تتراقص مع كلاماتي، ثم جاء من بعيد جذع نخلة أصفر يرتدي حذاء من القماش ورغم ذلك يهز الأشجار التي فتحت أفواهها بدبيب قدميه اللتين راحتا يدبدبان ببطء في حين أن قدمي راحتا تضربا ببعضهم وردائي يتساقط عن عورتي . ثم ظهر وجه لذلك الموجود.كان وجه "مينا" أبن "جرجس" الذي أمسك ببقايا الثوب ورماها على عورتي ولكن الثوب يتساقط بسرعة مخلفا وراءه انتفاخا في عضوي ثم أمسك بيدي وخلع الخاتم الموقع عليه من شنودة الأول وامسك به ورماه بعيدا وقال :
• لن تكون طالما أنا موجود . لن تستطيع أيها الخنزير ذا العضو القصير .
كانت المياه تتساقط من كل أنحاء جسدي وأنا أنظر إلى عضوي فأراه قصيرا جدا. حين أفقت على ذلك الموقف القذر كانت المياه تنز من كل أنحاء جسدي. ماذا هناك أيها الرب. هل هما علامتان جديدتان أم أضغاث أحلام.
حين خرجت للصلاة وجدت "جرجس" يقف جوار الأوان ويمسك بالحبل المدلي من أعلى السقف ويريح رأسه على صدره دون حركة . دنوت منه قليلا فرفع رأسه وهو يقول :
• هل أضرب الجرس لبداية الصلاة أيها الأب الجديد ؟
كنت أعلم أن الأب "بشاي" لابد قال له، وأنه بالتأكيد قد عارض كثيرا فكرة الأب باعتزاله العالم ولكن الأب الذي عرفت عنه عدم رجوعه في كلماته قد أسكته.
• أضرب أيها الشماس الكبير .
بعد إتمام الصلاة. ناديت "جرجس" الذي كان يحاول المرور بين الرهبان. آت إلي، فقلت له:
• أين مينا ؟ فقال :أنه مريض منذ الأمس، كنت أعلم أن قلبه الصغير لن يستوعب الدرس وسوف يسقط بسرعة.مشيت معه،كانت المرة الأولى التي أدخل فيها بيت "جرجس"البسيط والمنظم تنظيما ينم عن وجود امرأة تعمل بكد من اجل لك البيت. على الباب كانت "تريزة" تقف كدمية صغيرة. كانت علاقتي بها قد انتهت منذ ما يقرب من ثماني عشرة سنة أو تسعة عشرة. حين وقفت أمامي ونظرت في عيوني وقالت لي أنها حامل. بدت في ثوبها الأسود ووجهها النحيف كامرأة تنتظر وصول عزرائيل. بل وتمنحه كل الفرص الممكنة لكي يصل مبكرا .
ما الذي يحدث حين تجد هذا الملاك الأسود بين يديك

كانت حجرة "مينا" كبيرة بعض الشيء مليئة بصور للآباء والرب والحوارين وبعض الجمل المكتوبة بخط قبطي قديم وصورة ليسوع في ردائه الأفريقي وملامحه الإفريقية تقف في منتصف الحجرة شامخة بأسنانه البيضاء على البشرة السمراء والصليب الأبنوس الجميل النائم فوق صدره.
• نيافة الأب "متى" جاء من أجلك يا "مينا".
خرج صوت "جرجس" المنكسر والمهزوم من الداخل وهو يقول لـ"مينا"الذي كانت عيونه مغمضة رغم أن هناك حبات من الماء تقف على أهدابه وأخرى تحاول المرور على تضاريس وجهه الذي تغير كثيرا في مدة يوم واحد وأصبح وجه رجل هرم هزمته الأيام والخيبات الكثيرة في حياته .
رفع "جرجس""مينا" بهدوء وأراح ظهره على السرير بعد أن وضعت "تريزة" أحدى المخدات وراء ظهره ثم خرجت، ووقف "جرجس"جوار الرأس يتحسسها ودموعه تساقط ببطء فتصنع بقعا كبيرة على ردائه الأسود . دخلت "تريزة" ممسكة بصينية عليها كوبا من عصير الليمون. وضعته على الكنبة جواري ثم أحضرت ترابيزة صغيرة ووضعتها أمامي وجلست على حافة السرير وهي ممسكة بقطعة قماش مبللة، ورفعت يد "جرجس" على رأس "مينا" وراحت تمر بيدها على رأسه ووجهه مزيحة كل النقاط القليلة العالقة بوجه "مينا" .
طلبت منها ومن "جرجس"أن يتركوني قليلا مع "مينا"، خرجا من الحجرة تاركين ظلهم يتحد وهم يمضيان قبل أن يغلقوا الباب على رأسهم الذي أتحد وكونا ظلا واحدا. رحت أحكي لـ"مينا" عن حلمي الثاني وكيف فعل معي. أبتسم "مينا" ثم قال لي :
• لا تخف أيها الأب ليس بمقدوري أن أنزع منك ذلك الخاتم . كما أني لن أقدر على زحزحة الكرسي قيد أنمله كما ترى ولتعلم أني راحل هناك حيث لا كرسي ولا أحقاد . راحت الدموع تتساقط من عيونه فلم أجد إلا أن أمسحها بيدي . كانت مسام جلده تبدو ملساء ورقيقة تحت أصابعي غير اتجاه وجهه بعيدا عني، فرحت أتلو صلاة المرضى وارسم بيدي علامة الصليب على رأسه. ثم راح يحكي لي عن حلم الأمس، قال أنه رأى السيدة العذراء « مريم « وسألته لماذا لم يأت حتى الآن ؟، فقال لها أين؟، فقالت هنا وأشارت على حديقة مليئة بالأشجار والفواكه فدخلت. كانت هناك وجوه بيضاء وفراشات يلتفون حول براميل مليئة بالخمر ولكنهم لا يقدرون على رفع ولو قطرة وحيدة منه، ثم دنت مني "مريم" وقالت لي :
• أخرج وأتي لنا بخمر طالما ذلك المجنون أبني يرفض أن يحول الماء إلى خمر. فحاولت التحرك ولكن عيون أبي المسيح أبن "مريم" تحول دون تحرك قدمي وعند ذلك أمسك المسيح بيدي وقال:
• من أجلك أنت سأحول الماء إلى خمر. من أجلك أنت أيها الابن الصالح. لا من أجل تلك السيدة الجميلة التي نسيت وقارها وأدمنت الخمر من أجل أن تنس ذلك الرجل الذي أحبته كثيرا. ذلك الذي يدعى "يوسف النجار"، ثم أمسك بيدي وغمسها في الماء فكانت خمرا. فأمسكت بكأس وغمسته في الماء الذي تحول إلى خمر، وعندما هممت أن أضعه في فمي وجدت الأب "بشاي" فأعطيته إياه وأخذت آخر فوجدت "صموئيل" و«لينا« و"جرجس"و»تريزة« فأعطيت كلا منهم كأسا وعند ذلك وجدت طيورا تخرج من يدي وتقف على رءوس كل الواقفين أمامي فنظرت في عين المسيح الذي أشار علي فظهر لي جناح. فطرت بعيدا جدا حتى وجدت أناسا كثيرة ترفع يدها وتدعوني أن أطلب من المسيح أن يغفر لهم فأغمضت عيني عنها فوجدت يدا تمسك بقدمي وعندما هممت أن أفك قدمي من بين يد تلك الماسك بها انتابني فضول أن أراها، ففتحت عيني فكنت أنت أيها الأب « متى « . وكنت تقول لي قل لأبيك أن كل ما فعلته من أجل نصرة دينه هو لا أحد غيره . فحملت جناحي ورحت إلى أبي من أجلك أنت لا هؤلاء الذين يرفعون أيديهم وقلت له ما قلته لي. فقال بل من أجله هو فعل ما فعل وعند ذلك انتهى الحلم أيها الأب .
كان شعر رأسي يتطاير من تحت الطاقية التي ارتديها لأول مرة وجسدي يتفصد عرقا. كنت أعلم أن رؤية ذلك الولد لا يعكرها أي شيطان . حين دخل « جرجس « و « تريزة « انتابتهم حالة زعر. خرجت من الحجرة وقدماي لا تستطيعان حملي.
حتى أنت أيها الإله يضحك عليك الشيطان ويقول أن ما فعلته كان من أجلي أنا . تأخر الوقت كثيرا لإقامة صلاة المساء. قلت لأحد الرهبان "أضرب الجرس"، خرج صوت الجرس رديئا جدا . أتممت الصلاة ووقفت أقول العظة، كانت كلمات "مينا" تقتل كل أحاسيسي فنزلت دموع عيني دون أرادتي فحملها ذلك الملاك وأراها لكل المصلين. فراح كل منهم ينتفض فقلت في نفسي ثمة أوقات طيبة تأتي بغته. فاندفعت إلى الصليب الخشبي الكبير الموضوع فوق المسمار وأنزلته. قلت كلاما جميلا قبل أن يرحل ذلك الملاك، وفي المساء دخلت إلى قليتي. ابتسمت لأول مرة منذ زمن وأنا أقول بصوت عال. لست علي الاقل مضطهدا كالمسيح، ومن أجل ذلك سوف تكون روحي هائمة تماما في تلك الحياة المستقبلية. وأنا أحب ذلك جدا لأني لا استطيع أن أجلس وأرى الخمر عند فمي تماما حين أفكر فيها دون أن تنتابني لحظات الضيق،عند الفجر صحوت على دق سريع على باب قليتي. كان "إبراهيم" يرتعش وهو يقول :
• لقد مات "مينا" أيها الأب .
كنت أعرف أنه يموت. فلم حزنت هكذا! ولم خرجت تلك الشهقة الطويلة من فمي وتلك الدموع كيف تساقطت! يا الله .. لماذا مت أيها الولد الجميل؟ من قال تلك الجملة التي أحفظها واراها مناسبة تماما لحاله "مينا" هذا.«يا أولاد أردت أبني عشا فوق العشب. لكن قدما وطأت روحي. فقط قدما أضاعت ذلك العش. فمن أضاعك غيري أيها الولد الجميل !، كنت استطيع . لا لم أكن أستطيع على الإطلاق.أقول لكم هناك أرواح تسمي حملة الخطيئة ,واشهرهم بالطبع هو المسيح عيس ابن مريم. هؤلاء الحملة عبارة عن أرواح أو طيور أو حيوانات،وأحيانا مخلوقات أدمية تشبه بشكل ما كبش الفداء،هؤلاء الذين يتحملون وزر الخطايا وتخلص المجتمع من شرورها ،وذلك حتى يتحرر المجتمع من الآثام . يقول الاصحاح الرابع في أحد الإنجيل المختفية من الوجود أن المسيح ظل شهور طويلة يقنع يهوذا الاسخريوطي أن يسلمه لرجال المعبد.ظل ساعات يبكي أمامه ويقول له خني يا صديق. خني من أجل أتمم الخلاص للبشرية . خني وسوف تعرف أي كأن ستكون. لتعلم يا صديق أنه ما من مرة ذكرت فيها إلا اقترن اسمك بأسمى.أنظر إلي يوحنا ولوقا ومرقس ومتي ،أنظر حتى إلي متي المسكين.أنهم جد مقتنعون بي ولو أردت أن أقول لهم للبو ندائي قبل أن أقول لهم. لكني اخترتك أنت بالعنيدة فيهم وعنهم جميعا.هل تعلم ماذا قال بطرس الذي لابد له أن ينكرني يوم صلبي أربع مرات قبل صياح الديك في ذلك اليوم.لقد قال لي لماذا تتخذ يهوذا تلميذا وأنيس لك دوننا أبناء البطة السوداء.أنه قال بالحرف الواحد أطلب مني وأنا أتيك بها قبل أن يرتد رمش عينك إلي عينك ذاتها. لماذا لا تطاوعني يا أخي. أنت لا تعرف ما هو بناءك عند أبي. هل تعلم أن منزلك هناك أكبر من منزلي أنا الابن الوحيد؟ ماذا أقول لك لتخني كما ينبغي؟ أقول لك حكاية يا يهوذا. يقال أن ميخائيل رئيس الملائكة أختصم إبليس. فلما خاصم إبليس محاجا عن ما حدث بينهم ولا تعرفه الحكاية ،لم يخبرني أبي سبب الخصام والله يايهوذا.ورغم علمنا بإبليس ورئيس الملائكة ،إلا أن ميخائيل لم يجسر أن يورد حكم افتراء بل قال لينتهزك الرب. إبليس صخوار في ولائم عبادك المحببة ، هو غيوم بلا ماء،تحملها الرياح إلي أشجار خريفية،بلا ثمر،ميتة مضاعفا ،يارب إبليس هذا.أمواج بحرا هائجة لاشك إبليس يا يهوذا.ولذلك أقول لك لا تتبعه واتبعني ،لا تنشف راسك يا أخي؟ أن كبير الملائكة قال ما يعرفه عن إبليس مع البشر الذين خلقهم الله علي أحسن صورة ولم يقل شيئا عن سبب الخصام،لم يسبه في غير ما هو معروف عنه لنا جميع،هل تعرف لماذا قلت لك. لك قلته لان ريقي جف من التحدث معك.أنت كالجلمود.أنت تتبع إبليس وترفض أن تسلمني. في الحقيقة يا يهوذا أنا لم أختارك أنت.نعم أقول لك الصدق ألان.ربما كان سيقنعني أكثر لو ذهب دوارك إلي بطرس،لا أعرف لماذا صمم أبي عليك أنت دون أولاد الطيبين إتباعي.أنني لم أكن لأضيع كل هذا الجهد ابدأ مع يوحنا. يوحنا هذا حبيبي يا يهوذا. لكن ماذا أصنع وأبي مصمم علي اختيارك للمهمة الصعبة. في الحقيقية يا يهوذا أن الوقت معك يمر سدا، كما أن ريحك غير طيب، أنت في الحقيقة شخص لا يأتمن علي العمل،أنت أكسل من دابة،وللحقيقة يا أخي أنا زهقت منك وأقول لك ما خفي عنك أمام عينك وقدام أبي.أنت يا يهوذا ذو رائحة نتنة وتخرج من فمك رزازا أثناء ألحكي. وظل المسيح أسبوع لا يكلم يا يهوذا حتى أخبره أبيه أن يكلمه فدخل عليه وقال بعد أن عرف كل شيئا يصنع في الخفاء في جنة أبيه ،أن أبي يقرأك السلام ويخبرك أن جنتك مليئة بأسنان الأسماك التي تحبها أكثر مني. هل ارتحت ألان،هل هدأت نفسك وانبطت علي مخاوفك. لقد بنا لك أبي جنة كبيرة مليئة بكل أنواع أسنان الأسماك.هل تحب أن ترها حتى تذهب اليوم إلي ر وساء الكهنة وقواد الجند وتسلمني إليهم. غدا لا أكثر سوف امنحه لك. وبالفعل حدث ما خلق له يا يهوذا حمل خطية التسليم تماما كمل حمل إسماعيل خطية الذبح ثم فك منها ،فللناس حظوظ غير بعضها كما يقول فعلا الحكماء. استطيع أن أقول أن من تلك الاسماء حملة الخطيئة هو مينا .من ادخل تلك الجملة إلى رأسي. ملعون ذلك اليوم الذي رأيتك فيه أيها الراهب الصغير.
خطوت خطوات قليلة في اتجاه بيت "تريزة"و "جرجس"، ولكن روحي كانت سائبة مني. فجلست أستريح من عناء أثنين وعشرين عاما على الباب جوار عين ماريه التي نشفت في ذلك الصباح .

كان علي أن أتعرى أمامه تماما وأقول له :
• لا تترك مؤخرتي للطيور الجارحة. أنس ذلك الحب الآتي بعد سنوات كثيرة. لن تزيد المحبين كثيرا حين تنضم إليهم ولن تخسر حبيبتك قلبك كله.. فقط ستمنح « متى « كل أحلامه. ابق معنا حتى نستطيع أن نرفع الصليب عاليا في وجه الأعداء فكل الذين تراهم ليسوا مسيحيين تماما أقسم لك أن الواحد منهم لا يتورع عن ضرب ملاك من السماء رغم خلوه من الذنب. أنظر يا "صموئيل" لـ"متى" هذا، لا يصلح منظما لنا كيف تتركنا وتعود. أبق معنا حتى نستطيع في المسيح كل شيء. كان علي أن أقول له ذلك . وكان عليه ألا يمضي مسرعا هكذا دون حتى وداع يليق بثماني عشرة سنة .. آه يا « مينا « ما الذي يبقيك لماذا لا تعود إلى أبيك الذي ينتظر هناك . لا تنظر إلى دموع أمك أو عيون أبيك الضريرة ألم تقل لك العذراء أن يد المسيح عاطلة عن الجمال الآن. ثماني عشرة سنة تكفي بل تفيض . أذهب إليه هكذا أفضل . ذلك لازم يا « مينا « . لا تجلس مع هؤلاء الذين يقولون للرب في عيونه أعطني الآن سروالا لائقا وأستبق لك كل الأشياء التي زعمت أنك معطيها لنا في الحياة الأخرى . هؤلاء دمى تحب الحياة الأولى ولا تنظر تحت أقدامها حيث الطريق المليء بعظام الغائبين . لا تقل إن هناك الأب « بشاي « و « تريزة « و "جرجس"و « صموئيل « أين « صموئيل « هذا! تركك .. تركك ومضى مع أحبته كما قال لك « متى « منذ قليل ! تركك تماما وأنت المليء بالخيبات ابتداءً من « لينا « تلك البنت التي تركتك . هل تذكر ما حدث لها لقد اشتعلت النار بها دون أن ينزل أحد الملائكة الكثيرين الذين كانوا هناك ليكون بردا وسلاما، وانتهاء بـ « صموئيل « الذي أتى له « متى « بحبيبته وضحك عليه . كل هذه الخيبات وتريد أن تبقى . لم أيها الحمل الضال ؟، ألم يدعك إلهك الذي تحبه كما تزعم أكثر من صدر «تريزة« وعيون «جرجس« المليء بالرموش وقلب « صموئيل « ويد « بشاي « وعقل « متى « ذاته. فلم تجلس هكذا ترتعش وقلبك خائف تماما من لقاء الرب إلهك الذي قال سيرعى وهو صادق. عيون «جرجس« و صدر «تريزة« وقلب «صموئيل« ويد «بشاي«. لم لا تنادي على السيدة العذراء وتقول لها خذيني فيداي جاهزتان تماما لصنع الخمر واصطياد الفراشات البيضاء وقلبي مملوء بالحب . هيا الآن لا تدع كلام «متى« يعيدك إلى تلك الحياة القذرة، أختر صندوقا جميلا من هؤلاء أيها الولد. المخربون مستعدون. أنظر إلى هؤلاء الذين يحملون الصليب إنهم كما ترى أطفال مدللون وسوف يتركونه عما قريب يقع، لأنهم يعملون بأيديهم فقط كأنهم في مصنع صغير يصنع اللعب البلاستيكية . فإن فشل عمل أيديهم سيعيدون اللعبة مرة أخرى إلى مادتها الخام إنهم جميعا هاربون من حياتهم السابقة ليمسكوا بلحظة مجازية أنت تعلم ذلك يا « مينا « إنني أقول لك إن هذا الدير جيدا أيها الأبله ، لسوف يسقط منك في الوحل سيقول لك عند ذلك ليحميك الرب من عثرات لسانك دون أن ينتبه إلى أنه في تلك اللحظة التي يدعو فيها الرب أن ينجيك من عثراتك يكون عاجزا حتى عن رفع ذلك الصليب . لأنه لا قوة هناك في قلبه. في ذراعه بعض القوة ولكنه ليس لديه أي فكرة عما تكون الحياة الحقيقية لأنه ببساطة هارب إلى لحظة المجاز داخل الدير، وكثير منهم يمارسون العادة السرية ثم يروحون يعترفون ولكن دون أن يقولوا إنهم مارسوا العادة السرية ولكنهم يقولون فقط تبولنا على أنفسنا وعندما تنتابهم لحظة حقيقية . يتمنون كثيرا الهروب من تلك اللحظة اللامجازية والتعامل مع الميتافزيقي ويروحون يفعلون أشياء قذرة في عين الله وفي فمه. بل أن بعضهم في لحظات التحقق ينكرون ما فعله المسيح بنفسه ويقولون لابد أنه مخبول أو عاجز عن ممارسة الحياة .

ممارسة الحياة
يجب علينا أن نعرف ما هي ممارسة الحياة ، سوف أمنحكم مثالا بسيطا عن ذلك الفعل الذي ينام تحت ذلك المسمى . لو افترضنا أن هناك راهبة في الدير ظلت ثلاثة عشر عاما داخل ذلك الدير تتعبد وفي لحظة وحيدة انتابتها قشعريرة من أثر ملامسة يديها وهي تتغوط لمنطقة الشهوة. في تلك اللحظة سوف تعمل شهوتها العاطلة . تلك اللحظة هي ممارسة الحياة داخل جسدها. هذه اللحظة الجسدية سوف تعزز بلحظة أخرى للممارسة.
كيف ! سوف أمنحكم مثالا آخر بعد أن تعمل شهوة تلك الراهبة التي ظلت ثلاثة عشر عاما في الدير دون أن ترفع شعر قدميها. أتدرون ماذا تفعل. أنها سوف تقوم بنزع ذلك الشعر بيديها رغم ذلك الألم الكبير الذي سوف تحسه وتلك اللحظة تسمى فعل الشهوة على الجسد وهو فعل تحقق آخر للحياة داخل إطار تلك الراهبة ولن يمضي أكثر من أيام قليلة ويتم إزاحة فعل الحياة على جسدها ليمارس على شيء أخر . وهنا لابد من طرح ذلك التساؤل، كيف يتم فعل الإزاحة بعد أيام قليلة وهي التي استمرت على اعتقادها في مدة الثلاثةعشرة عام الماضية أنها متحققة أو لنقل منسجمة مع حياتها داخل الدير. وللإجابة على ذلك السؤال سوف أمنحكم مثلا أخر. أنظروا أن تلك الراهبة التي ظلت ثلاثة عشرة سنة متوافقة مع ذاتها وفي لحظة انتيابها ذلك الإحساس الذي سميناه بلحظة ممارسة الحياة وعندما تنتهي من تلك اللحظة سوف تجري لتسقط بين يد العذراء الواقفة في الركن جوار الحائط رافعة يديها تستقبل كل هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم الخاطئين التوابين. ثم تبكي بين تلك اليدين وتظل ذلك اليوم تلوم نفسها وتبكي ولكنها في المساء حين تنام تحلم بأشياء خارجة عن ذلك الإطار الذي يغلف حياتها وتلك الآلية التي ظلت على مدار ثلاثة عشر عاما . هذه الأحلام التي لا داعي لأن تخوض فيها حتى لا يضيع ذلك الخيط الرفيع للحديث تجعلها تقوم مفزوعة من النوم وعلى وجهها ماء سائب كأنها خارجة من الحمام ولم تعمل الفوطة على وجهها بعد. وتحاول أن تتذكر تلك الأحلام مرة أخرى وتعيش معها لحظة بلحظة وعندما تفيق من استرجاع تلك الأحلام تكون قدمها اليمنى خالية من الشعر تماما وألم يشبه التنميل ولكنه مصحوب بلذة مثل تلك اللذة التي جاءتها في تلك اللحظة التي سميناها لحظة تحقق حين لامست يديها مكان الشهوة عندها، فلم تنتبه إلى ذلك الخراء الذي نزل على يديها والتي بكت من أجله ذلك اليوم قبل أن تداهمها تلك الأحلام التي أعادتها إلى اللحظة المجازية مرة أخرى وتحاول النوم ولكنها لا تستطيع . فتجري مرة أخرى إلى العذراء التي تكون قد ضمت يديها إلى خصرها ولم تعد على استعداد لأن تتلقى منها اعتراف آخر فتجري خارج الدير وتروح تعذب نفسها بأشياء ليس لنا صلة بها ومكتوبة في الكتاب المقدس لكي تكفر كل أخطائها . وفي اليوم السابع حين تكون نائمة في جلبابها الذي كان أبيض ملتفة بملاءة قديمة أيقظها ذلك الرجل المتسحب بقبلة طويلة. حاولت أن ترفضها في البداية ولكنها لم تشأ أن تضيع تلك اللذة التي أحستها بتلك الحركات التي خرجت في البداية من يديها وقدميها فأثارت الغبار ثم أخذت ذلك المتسحب والذي لا أعرف له هوية ولا أعرف لماذا دخل حياة تلك الراهبة بعد إزاحتها عن الذات ودخولها عالم الأخر . علي العموم لم يكن يعنينا منه أي شيء غير ذلك الفعل ولن نتعرض لإحساسه هو بتلك اللحظة ولكننا بمشاعرنا منضبون تماما في لحظة تلك الراهبة الافتراضية أيضا .
أخذته بين ذراعيها بقوة كانت ضمة لم تعهد مثلها من قبل نظرا لأنها كانت قد دخلت الدير قبل ثلاثة عشر عاما وهي طفلة لم تتجاوز السابعة ولم تكن مهيأة لأي شيء غير إطاعة ذلك الرجل الذي كانت تدعوه أباها رغم أنه في الحقيقة ليس أباها ومن أجل ذلك تركها في الدير ومضى دون أن يؤنب نفسه لحظة لتركه لتلك البنت الشقية والجميلة . تلك الضمة كانت ضمة صادقة ويمكننا بشيء من التحليل أن نعرف متى تكون الضمة صادقة أو غير صادقة ونبرهن على ذلك بالقطع البسيط من فيلم الرهينة، فحين ضم بطل الفيلم الطفل الصغير في منتصف الفيلم. لم تكن تلك الضمة حقيقية ولكنه كان خائفا أن ينادي الطفل على الجيران فينفضح أمره بينهم ولذلك كانت جبهته مليئة بالعرق وعيونه متلهفة . إلا أن هذا المشهد عكس ذلك المشهد الأخير لذلك البطل حين يطلب من الطفل أن يذهب إلى أمه الواقفة جوار الشريف ومعه جمع كبير من العساكر يجري إليه فيضمه البطل إليه وحين ذلك يرمي المخرج بذكاء الكاميرا لينهي فيلمه . وجبين بطله الذي أصيب بأكثر من خمسين طلقة مضى وهادئ دون قطرة وحيدة من العرق . تلك الضمة كانت ضمة صادقة مثل الضمة الصادقة التي ضمتها تلك الراهبة لذلك المتسحب . كانت الضمة صادقة وقوية وحارة وأمومية وأخوية ومشبوبة بالعاطفة ثم راحت تعدل وضع ذلك المتسحب على وضعيه حسنة لتتقبل الحب وعندما تأكدت أن تلك الوضعية واثقة للغاية وراسخة ومستديمة لتلك اللذة التي تعمل في كل جزء من جسدها . لن تذهب إلى أحساس ذلك المتسحب الذي راح يغمس لسانه في فمها وراحت هي تبتلعه بهدوء جعل جسده كله مشتعلا وجعله يؤمن أن فهم الأخر لوضعية الجماع يعني الاحتراق للاثنين ، وكان هناك سؤال يعتمل داخله ولكنه لم يرد أن يقطع ذلك الوضع كان يريد أن يسألها إن كانت بهذا الشوق للجماع فلماذا قاومت في البداية؟ ! بعد أن تأكدت تلك الراهبة من اللذة والوضعية باتت أشياء الحب في تلك اللحظة تطلب أسماءها الرخيصة أو على شكل بسيط أرادت أن تعرف اسم العضو الذي أشعلها ولكنها لم تجرؤ على التحدث إلا بلغة كانت مشتركة بين المتحققين من قديم الأزل هي لغة اللهاث واللمس وعندما ينتهيان معا من ممارسة الحب تتمنى أن تفتح عيونها لترى ذلك المتسحب في تلك اللحظة تظهر ثلاثة عشر عاما بما تحمله من كذب معايشة وتطبق على العيون تلك اللحظة وتسمى تلك اللحظة هي لحظة الاختراق أو لنقل بصورة بسيطة لحظة الندم على فشل ممارسة الحياة طيلة ثلاثة عشر عاما ومن أجل ذلك هرب « صموئيل « بمجرد أن رأى وجه حبيبته رغم أنه ظل أثنين وعشرين عاما من التحقق كما كان يزعم فلم تستمر في تلك الحياة المجازية أيها الولد ؟ !
إن كنت تخاف على عيون «جرجس« المرتعشة فلا تخف أنه لابد يفهمك وسوف يموت معك أو على الأكثر بعدك بقليل فلا تنظر إلى «تريزة« التي سوف يتأزم الموقف معها فبموتك سيموت "جرجس"كما قلت وستخصر «تريزة« موقعين، موقع الصدر والدفء الأمومي وموقع التحقق وممارسة الحياة مع «جرجس« ولا تبك لضربات القدر في اللحظة التي تفقد فيها «تريزة« ممارسة الحياة. يمتلك «صموئيل« حياته ويبعد عن ذلك الزيف وينزل بحياته إلى المتحقق أو الأرضي ثمانية عشر عاما يا « مينا « . وأنت تنظر فقط في الاتجاه المحدد لك سلفا من قبل هؤلاء الذين يهربون ، كثيرا ما تمنيت أن تقول لهم أفيقوا من تلك الغفلة ليس هكذا يعبد الإله. ماذا تقول للرب الإله حين يلقاك هناك ؟ كنت أصلي وأتعبد . ما الذي أبقيته لك الدنيا ما الشجرة التي زرعتها في رحم الأرض . يجب أن تعرف أن الأب سوف يسألك تلك الأسئلة . أنت عائد إليه الآن دون خوف، أنني كنت أريد أن أصنع شيئا لهؤلاء ولكنهم صموا آذانهم عني ، فأطلق يدك في جسدي الآن أيها الرجل الذي لم يحمل أي خطيئة ويحملك أبناؤك كل الخطايا.

الفصل الأخير
دخل « جرجس « على الأب « بشاي « في حجرته فوجده جالسا على الكرسي الهزاز الذي أهداه أب كنيسة القلب المقدس الموجودة في الهند ومن يومها والأب يجلس على هذا الكرسي أكثر من خمس ساعات في اليوم الواحد . وفي أيام كثيرة جعل بعض الرهبان يحملونه إلى صحن الدير ويضعونه تحت تكعيبة العنب وفي أيام أخرى أدخله إلى قلايته رغم أن الباب الصغير إلا أن محاولات الرهبان أفلحت في إدخاله ولكنها لم تفلح في إخراجه إلا بعد خلع باب القلاية ، كان الأب"بشاي"في الأيام الماضية قد أوكل إقامة الصلاة إلى«صموئيل« الذي يعده كأب للدير وكان هو يكتفي بالنظر إليه وهو داخل حجرة الهيكل .
قال له "جرجس" :
• أين الأب «متى« أيها السيد الكبير ؟
فتح " بشاي« عيونه المتعبة وقال له :
• ذهب إلى بلدته من أجل أشياء حكى لي عنها ولكن قلبي يحدثني أنه ذهب إلى نيافة الأنبا «شنودة« الكبير من أجل ترشيحي لـ«صموئيل« بدلا منه .
• متى ذهب ؟
• منذ الصباح الباكر وأدعو الله أن يكون قلبي وإحساسي خاطئين.
• هل أصنع لك شايا بالنعناع ؟
• أصنع ما يحلو لك . فيبدو أنني سوف أفقد أشياء كثيرة أحبها في الأيام القادمة. قلبي يحدثني بذلك منذ أسبوع على الأقل أيها الشماس.
خرج "جرجس"لا يدري ما الذي جعل قلبه يحدثه دون أن يدري أن «إبراهيم« مساعده يتبعه كظله، كان «إبراهيم« الذي رسم كمساعد للشماس منذ خمس سنوات يحلم هو الآخر بذلك الصليب الذي يضعه الشماس العجوز فوق صدره وكثيرا ما مضت الأيام وهو يمسك به في يده. ولكنه حين يفيق إلى نفسه يكون الصليب ما زال معلقا على صدر "جرجس"وهو يمسك بالحلم الذي بدا في عيونه حلما لن يتحقق أبدا .
• يا "إبراهيم"أصنع شايا للأب ولا تتلصص علي كعادتك دائما ولا تنسى النعناع أيها الشماس ولا تترك للشيطان رأسك فأنت ولد صالح وسوف تنال كل ما في نفسك عما قريب . قريبا جدا أيها الشماس. أقرب مما تتصور، ثم راح يفكر في الجملة التي قالها . كيف سينال إبراهيم أحلامه قريبا ؟ !، ما الذي دس تلك الجملة في فمك يا «جرجس« ؟، ما الذي فعله كلام الأب «بشاي« فيك ؟، هل ستعود للأيام الماضية. تلك الأيام التي ظللت فيها بعيدا عن أبنك «مينا« وذلك لمجرد بعض الكلمات التي خرجت من فم ذلك الأب . يبدو أنك مرتبط بفم ذلك الأب بشيء لن تراه أبدا.
خرج من باب الدير وذهب إلى بيته ،كانت «تريزة« تنام فوق السرير، فسألها عن حالها وكان قد تركها في الصباح مريضة، فقالت له :
• بخير أيها الشماس لا تخف لن أموت قبل أربعة أعوام على الأقل . .
ما الذي ادخل فكرة الموت إلى رأس « جرجس« و"بشاي"و «تريزة« في نفس اليوم ؟ !، ما الذي يحدث لتلك الحلقة الثلاثية ؟ ما الذي يحدث لهم عن قريب؟. أغمض«جرجس« أذنيه عن سماع صوت «مينا« الذي كان يقرأ في كتاب في الحجرة الأخرى، وراح يفكر في كلام الأب وكلام «تريزة« وكلامه هو و«إبراهيم« ولم يدر بنفسه إلا حين أيقظته «تريزة« وقالت له :
• لقد نمت كثيرا أيها الشماس، وصلاة الصبح على الأبواب .
كيف نام «جرجس« كل هذا الوقت ؟. ظل ذلك السؤال يتردد في أذنيه حتى وقف أمامه «إبراهيم« ومعه سيدة ما إن وقفت أمامه بالتمام حتى ضاع ذلك السؤال من رأسه وأحس بتلك الحالة التي جعلته يجري سريعا من أمام الأب"بشاي"حين وافق على تقبل اعتراف تلك السيدة.
• ماذا وراءك أيها الشماس الصغير ؟
• لا شيء يا سيدي . السيدة تريد نيافة الأب .
• لماذا يا سيدتي ؟
• أريد الاعتراف .
حين سمع صوتها تأكد له حدسه .
• أنت من أبنائه أيتها السيدة ؟ !
• لا .. ولكني اعترفت منذ أربعة عشر عاما أمام قس لا أحب أن أراه. كما أنني أريد الاعتراف.
• تقصدين القس « متى « .
• لا أعرف أسمه يا أبت ولكني لا أعتقد أنه يصلح لتلقي الاعترافات .
• هذه أنت لا شك الآن . أنت السيدة التي أتت منذ خمسة عشر سنة أتذكرها يا «إبراهيم« تلك السيدة التي قلت عنها أنها أشبه ما تكون بالسيدة العذراء بتلك العيون . أليس كذلك يا «إبراهيم«. تذكر « إبراهيم" تلك السيدة التي أرقت عيونها مضجعه كثيرا وراح يؤنب نفسه على إغفال عينه لتلك العيون التي يحفظها ذلك الشماس العجوز من مجرد الوصف ولم يحفظها هو رغم أنها شاركته أياما كثيرة . ما أسوأك يا «إبراهيم« ألازلت لا تتذكرها . ألا تذكرك ضحكتها هذه بها. كانت «ماجدة« تضحك في تلك اللحظة وهي تنظر إلى «إبراهيم«، نظر «إبراهيم" إلى وجهها فوجد الابتسامة القديمة فتذكر تلك اللحظة التي التقت عيونه بعيون بنت لم تتجاوز السادسة عشرة وتشبه تلك العيون إلى حد بعيد. وكان ذلك في عرس أحد أبناء الكنيسة وعندما هم أن يحدثها لكزه ذلك الأعمى في جانبه وقال له بعد إقامة الإكليل .
• أيها الشماس الصغير أفعل ما تشاء ولكن حين يكون عليك عمل ما تصنعه أمام الناس وفي عين الله فأفعله بضمير. بضميرأيها الجرو الصغير ولا تشغل عيونك عن ذلك العمل بأي شيء . يومها عاد إلى بيته في المساء وقال لأمه التي كانت ساهرة وهي تبكي لضياع أحد الكتاكيت التي ظلت ساهرة على حياتها شهرا من أجل أن يصبحوا فراخا سليمة تماما وتندب حظها الاغبر أمام خيبات تلك الكتاكيت التي لا تستطيع أن تحرس حياتها أمام هؤلاء القطيطات الشرسة التي تبعثهم « سلفتها « تلك السيدة البغيضة زوجة عم « إبراهيم « . فقال لها «إبراهيم« وهو يقسم على الصليب النحاسي الكبير الذي أعطاه له ذلك الشماس العجوز ذو العاهة.
• إن ذلك الأعمى مبصر تماما وعيونه خالية من الخيبات .
فوضعت رأسه في حضنها وقالت له ودموعها كعادتها تسح من عيونها :
• غدا أيها الابن تكون شماسا جميلا وتجد بنتا أجمل من تلك التي نهرك عليها ذلك الأعمى تماما ذو الأنف السليمة فقط ..
وحين ذلك نط قط من قطط امرأة عمه وخطف ذلك الكتكوت الأخير من بين عيون أمه التي كانت مشغولة عنه بمداعبة رأس أبنها فلم يجد أمامه إلا أن يشارك أمه في بكائها .
• انتبه يا «إبراهيم« فعين تلك البنت لم تكن تشبه تماما عيون تلك السيدة .
أرتعش « إبراهيم « وهو يحدق في وجه الشماس .
• لا تخف كثيرا هكذا وأذهب إلى حجرة الأب « صموئيل « وقل له إن في الحجرة الغربية سيدة تريد الاعتراف أمامه ريثما أدخل السيدة إلى تلك الحجرة . على أن تعود من عنده وتصنع كوبا من عصير المانجو الطازج للسيدة.
أنسحب « إبراهيم « من أمامه وهو يفكر في ذلك الأعمى وكيف عرف أفكاره. فتح «جرجس« الحجرة الغربية أما السيدة فلم تنتظر حتى يدعوها للدخول، جلست على الكرسي، أمسك "جرجس"الستارة السوداء وأراد أن يزيحها بعيدا فقالت له :
• دعها يا أبت . أريد الاعتراف من خلفها حتى لا تعوقني نظرة الأب « صموئيل« أليس كذلك .» صموئيل « ؟
• نعم الأب « صموئيل « أيتها السيدة .
• كيف حال « مينا « أبنك ؟
• نسيت إنني حكيت لك عنه . إنه بخير يا سيدتي وهو الآن في الطريق إلى الجامعة ، فلقد منحه الله نجاحا جميلا وسوف يكون في العام القادم إن شاء الله في الجامعة وهو الآن في قلالي الرهبان. هل أتيكي به ؟
• لا داعي أيها القس الجميل ولكني فقط أردت أن أخبرك أنني ما زلت أتذكر اسمه واسمك منذ خمسة عشر عاما.
• لك قلب عامر بالخير يا سيدتي .
• شكرا على ذلك الكلام الجميل يا أبت .
دخل «إبراهيم« حاملا كوب العصير فوق الصينية، فأخذه من يديه بضربة واحدة أذهلت تلك السيدة التي كانت تعلم أنه ضرير وعاطل عن النظر إلى الشمس كما حكى لها في تلك الدقائق القليلة التي جلست خلالها معه منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما. أمسكت من يديه الكوب ورشفت منه رشفة ووضعته على الدكة الطويلة التي جوار الشباك.
دخل « صموئيل « وهو لا يعرف من الأمر شيئا وإن كان قلبه لا يستقر على شيء منذ الصباح الباكر. حتى أنه دخل على الأب « بشاي« ليعتذر له عن عدم قبوله كرسي الدير الذي ظل يمسك النوم عينه أسبوعا كاملا، وحين وجد تلك الهزات الخفيفة في قلبه صباح اليوم. تأكد له أنها علامات جديدة من تلك التي تنير له الطريق. نظر « صموئيل « إلى « جرجس « وقال له :
• ماذا هناك أيها الأخ الصالح ؟
• هناك سيدة تريد الاعتراف أمام أب صالح .
• هناك أباء صالحون تماما تحت عامود ذلك الدير أيها الصديق . فلم دعوتني أنا وأنت تعلم أنني لم أسترح منذ أسبوع على الأقل ؟
• إن السيدة تريد الاعتراف ولها عندنا حق قديم. فلقد اعترفت أمام الأب «متى« وهي لا تريد أن تعترف أمام واحد لا يشبهه تماما .. فلم أجد خيرا منك .
• دائما أنت تضع أمامي أشياء لا أستحقها وتظلم ذلك الأخ الصالح «متى« والذي يجب أن نعرفه جيدا حتى نستطيع أن نتعايش معه ومع ذلك لا استطيع أن أرد لك مطلبا يا أبا «مينا« ولكن هل يكون ملاكنا جاهز الآن لتلقي ذلك الاعتراف ؟
• أعتقد أنه جاهز يا سيدي وإلا لما بعثك إلينا الرب الآن.
ضحك «صموئيل« وجلس على الكرسي، أنسحب "جرجس"وهو يدعو للسيدة بالخير والبعد عن كل خطاياها. مرت فترة من الوقت دون أن يتكلم أحد منهم. ثم قال «صموئيل« :
• من أين تبدأ السيدة ؟
جاءها صوته لأول مرة فأحست بنغزة فوق القلب تماما أصابت مكمنه . راحت « ماجدة « تحكي عن أشياء بسيطة مرت بحياتها منذ تركها حبيبها الغائب عنها منذ اثنين وعشرين عاما. وقف «صموئيل« وناد على «إبراهيم الذي دخل مسرعا، فأمره بإحضار كوبين من أي عصير طازج . ثم عاد وجلس على المقعد .
• أي الأخطاء التي يجب أن أعترف بها أيها الأب ؟ !
• ألم تعترفي من قبل؟!
• اعترفت كثيرا ولكن لا أعرف لماذا أحس أنني في امتحان قاس .
• أنت فعلا أمام امتحان قاس من الشيطان أيتها الأخت ولكن لا داعي للخوف.
حينذاك دخل «إبراهيم«" يحمل صينية عليها كأسين من عصير الليمون المخلوط بالنعناع ووضع كأسا أمام "صموئيل" ثم وارب الستارة قليلا وترك الكأس أمام الأخت «ماجدة« التي ابتسمت له. رغم أنها كانت تهتز كأنها محمومة، حين أزيحت الستارة قليلا. شم« صموئيل« رائحة كادت أن تجعله يطير. لولا أنه خارج من زمن مضى. احس "صموئيل" بالارتباك فراح يقف ويجلس والكأس بين يديه يتساقط من حوافه بعض القطرات دون أن يدري ثم قال لها :
• هل انتهيت من عصير المانجو ؟
ابتسمت « ماجدة « ظنا منها أن « صموئيل « يضحك معها . كانت « ماجدة « تكاد أن تموت والوقت يمر . كانت تريد أن تشد تلك الستارة اللعينة التي تخفي وجه حبيبها عنها ولكن كلمات القس"متّى" كانت تتردد في أذنيها. " ضعي على قلبك لتر ماء مثلج عندما تسمعين صوت "صموئيل"، تمهلي حتى تستطيعي أن تفوزي به "، وضع "صموئيل" كاس العصير على الترابيزة الموضوعة أمامه ثم قال:
• هل نبدأ أيتها السيدة ؟
يبدو إن الشيطان قد ملك قلبي تماما أيها الأب. تركني حبيبي ومضى منذ سنوات بعيدة . ظنا منه أن الولد الذي كان يحملني بين ذراعيه حين إلتوت قدمي عشيقي وليس أخي. هكذا يا أبي ضاع مني حبيبي. ومضت الحياة علي وتيرة واحدة، يوم يمضي ليأت يوم جديد . مات أخي بعد رحيل حبيبي بست سنوات، واستطاع ذلك القس الذي سوف أظل أكرهه أن يستغل ذلك الفقد الروحي الذي أحست به وأدخلني أحدى الجمعيات الخيرية،وهي تجربة كبيرة ومليئة بالالم كما تعرف،والرب يأمرنا إلا ندخل في تجربة ، واستمرت حياتي تمر حتى مات أبي . ولم يبق لي غير أختي . فوجدت نفسي مسئولة عنها، ومرت السنوات رغم ذلك. حتى تزوجت أختي منذ أربع سنوات، ولك أن تتخيل مدى العذاب الذي عانيته حين يدخل رجل غريب في بيتك. مرت أيام كنت أسمع صوتها ولكني لا أعرف كيف استمالني الشيطان تماما هكذا وأنا الذي أملك صورة الحبيب، أنظر إليها كل أسبوع مرة فتكفيني أكثر من شهر، تملأني . فكيف أستمال هذا الشيطان قلبي، وأنا الذي أغافل ذلك الحبيب وأخرج صورته وأنظر إليها وسط الأسبوع . أنا أفعل ذلك لا أعرف ما الذي حدث لي، ثم بدأت البكاء . وقف «صموئيل« الذي كان يرتفع عن الأرض مع كل جملة تقولها تلك السيدة بذلك الصوت الذي كان يعرف صاحبته ولكنه يرفض أن يصدق تلك النبرة البعيدة والمالكة مكانا في القلب لم تخطئه أبدا.
مسحت دموعها ثم راحت تحكي عن ذلك الحبيب الذي يفيض على العالم كله ثم قالت :
• تصور أيها الأب أنا الذي أمتلك عيون ذلك الحبيب أفعل ذلك، أنا يا أبت أفعل ذلك. أضع لتر ماء مثلج على رأس كلب أختي وهو عائد من الخارج في ذلك الجو البارد. وأنا لا أعرف ما حدث لي. أنا التي أحمل الصليب على صدري. أنا أفعل ذلك. لابد أن الله سوف يحرقني. أنا التي أخرج صورة ذلك الحبيب كل يوم جمعة، أسرق ملابس زوج أختي الداخلية واقطعهم، أنا افعل ذلك، أنا التي أريح العجوز في الباص وأخفف الألم عن العجائز، أنا التي تبرعت بأكثر من عشرة لترات من دمائي على مدار عامين فقط. رغم أن القس الذي وضع الصليب هذا على صدري ويبلغ من الوزن مائة كيلو لم يتبرع بربع لتر ، تخيل أيها الأب ما حدث مني بالأمس القريب في بيتي المكون من طابقين. الطابق الأول المخصص لتربية الفراخ والأرانب والبط.
• وقف « صموئيل « دون أن يدري لذلك سببا . فسكتت « ماجدة « عن الكلام لتلك الحركة التي أحدثها الكرسي الذي كان يجلس عليه « صموئيل « والذي وقف حين رأى الفراشات البيضاء والتي كثيرا ما ظهرت حين يفكر في حبيبته السابقة، كاد أن يمسك بواحدة ولكنه فشل . فجلس على الكرسي مرة أخرى ثم قال لـ « ماجدة « :
• أسف أيتها السيدة ولكن يبدو أن الشيطان الخبيث قد غافل الملاك الجالس عند باب الدير ودخل حينما نظر الملاك إلى عينيك ولم ينتبه أن الشيطان كان بالقرب من الأرض حين ذلك .
ضحكت « ماجدة « لتلك المداعبة الجميلة ثم قالت :
• كيف لامرأة تبلغ السابعة والثلاثين ..
حين ذلك سمعت وقع خبطة لم تعرف أنها من جناح الملاك الذي أراد أن يصحح عمرها جيدا ، فانتبهت لتلك العلامة وقالت :
• كيف لامرأة تبلغ الثامنة والثلاثين ..
وقبل أن تسمع وقع الضربة الثانية التي جاءت أشد قوة من الأولى أكملت:
• التاسعة والثلاثين على أكثر تقدير أيها الملاك. وتعرف تعاليم بسوع جيدا . ابتداء من أفقأ عينك إن نظرت إلى عورة أخيك ، ومرورا بإذا صفعك أحد على خدك الايمن اعطه الأيسر، ذلك لازم أو ينبغي ذلك . كما يقول ذلك القس، كما أنها تعرف وصايا " موسى " أو على وجه الدقة تحفظها كاملة . كيف لامرأة مثل تلك تحس بالغيرة من اختها الوحيدة التي تزوجت من اربع سنوات، وقلبها يكاد يشتعل منذ اليوم الأول الذي أغلق الباب عليها ولا تنام الليل وهي التي عندها حبيب كما قلت لك. تفعل ذلك !. نعم تركها ومضى منذ اثنين وعشرين عاما ولكن عندها صورته يا سيدي. والنظرة الصغيرة إلى صورة ذلك الحبيب تكفيها سعادة أربعين يوما أو ثلاثة آلاف كيلو على حصان عاطل عن الشباب، ثم انها كما قلت لك تنظر إلى تلك الصورة مرتين في الأسبوع فيسيب أشجانها لست آلاف كيلو في الاسبوع. ولتلك السيدة كلب وولف، كلب جميل خالص . ينبغي لكل الكلاب ان تنام على قدميه كما قال لها ذلك القس الذي لا تحبه حين رآه.فكيف تمسك بسراويل زوج أختها وتمزقها تماما. لتر ماء مثلج على رأس كلب أختها الهزيل،وهي تدعي أنها لا تعرف الشر البته.هل هذه السيدة يجب أن تعيش ؟
بالأمس القريب حين رأيت بطة أختي تخرج ثلاث أوزات جميلة . انتظرت حتى أغلق زوج أختي الباب ولما سمعت أصواتهم المتداخلة كالعادة فتحت بابي ولم ألبس في قدمي خفا أحمي به قدمي العارية من الشراب أيضا، ونزلت الدور الأول وأمسكت الأوزات الصغيرة ونظرت في عيونهم طويلا ثم أدرت رقبة الأوزات بيسر وسهولة دون أن تهتز شعرة واحدة أو يختلج قلبي. هل تصدق أيها الأب أنني أحسست بسعادة غامرة ونمت للمرة الأولى منذ زواج أختي مستريحة وهادئة. ماذا تقول لتلك المرأة الخبيثة . أيه أيها السيد الجليل ولا تسألني لماذا لم أعترف لأبي في الكنيسة منذ اليوم الأول لزواج أختي . إنني يا سيدي لا أحب قسيس كنيستي، فهو رجل همه الأكل ولبس الصليب فقط ويكاد المرء يتقيأ وهو يسمع عظة الأحد. فكيف أعترف له! ولا تأخذني أيها الأب المحترم إن قلت لك أن الكنيسة الأرثوذكسية أصبحت ملجأ لذوي الكروش العفنة والرءوس المحشوة بتعاليم الكاثوليك .
ثم أجهشت بالبكاء .، حين ذلك قال « صموئيل « :
• أيها الملاك الطيب أحصي عدد الدمعات ولا تسقط منك أيما دمعة صغيرة . ينبغي ذلك أيها الملاك ثم اطرحهم من عدد الذنوب وأحسبها وأعتقد أنه لن تكون هناك سيئة ، سوف تخرج بها هذه السيدة . وعليك أنت أيتها الأخت بالبكاء فالإنسان لا يستطيع أن يهرب من نفسه كما أنه لا يمكن أن يظل وحيدا لمدة تسعة وثلاثين عاما. منهم أثنين وعشرين عاما بتلك الصورة فقط .. ثم بدأ يتلو صلاة الغفران بعد مدة قال :
• أين حبيب تلك السيدة الآن ؟
• غاب عني أثر سوء فهم منه حين فكر ذلك الحبيب أن الذي يحملني بين يديه أثر التواء قدمي عشيقي مع أنه أخي فقط ولكن « عادل « وذلك أسمه يا سيدي لم يفكر لحظة وحيدة. فهل يسامحني من أحبه قلبي ؟، وهل ستشقى أختي إذا علمت شيئا عن سراويل زوجها ؟
فقال « صموئيل « وهو مشتت الزهن لوقع صوتها الذي أصبح لا يخطأ أبدا . ذلك الجرح الذي في القلب.
• لن تشقى أختك بما فعلت يداك . فما أكثر سراويل الأزواج ولكن أعلمي أن بالفضيلة تحمل الروح التي في الجسد لا بالرزيلة ولا بالنار المقدسة أو الغيرة وعليك أن تذهبي الآن لتغسلي عيونك جيدا وتعصري أصابع يديك من الماء العالق بها وتعودي لي سريعا ريثما أصلي صلاة الغفران ، ونادى على « إبراهيم . فدخل الشماس الكبير « جرجس « فساله عن « إبراهيم فقال له أنه في أحد قلالي الرهبان يصنع شيئا فقال له :
• لو سمحت أيها الأخ العزيز أر ضيفتنا طريق الحمام بعد أذنك وبدأ الصلاة ولكن الفراشات البيضاء التي ظهرت بمجرد مرور السيدة من أمامه وهو مغمض العين فلم يستطع أكمال صلاته وراح يتردد في صفحة القلب أكثر من سؤال ينام منذ أثنين وعشرين عاما . حينما عادت حاول أن يبدو متماسكا ولكنه أغمض عينه على فراشات جديدة وأستراح قليلا ثم قال لها :
• من أي محافظة سيدتي ؟
• من القاهرة .
حين ذلك تأكد لـ « صموئيل « أن الفراشات والصوت القديم الذي لم يخطيء موقعه في القلب ما هي إلا علامات صادقة ، فنط فوق الكرسي وجذب الستارة بخبطة واحدة من يديه تفوق أقرانه من حاملي الخمسة والأربعين خريفا فوق أكتافهم . فوجد « ماجدة « أمامه فأخذها في حضنه ثم أزاحت رأسها ونظرت إلى لحيته الكثيفة ثم قالت بصوت عال :
• خذني .. أعتصر أصابعي بين يديك أو بلحمك وضع صدري على صدرك وقبلني قبلة طويلة حتى تخمد أنفاسنا ولا نعرف فاهينا . أفعل ما شئت لأكون جوارك إنني أتألم فهل تشعر بألمي ؟
فقبلها قبلة أضاعت عذابات أثنين وعشرين عاما أو يزيد . عند ذلك نط الشيطان من تحت تنورتها السوداء وأمسك بالقرطاس من يد الملاك الذي كان فاغرا فاه ورماه على ثوب الملاك الآخر الذي كان ممسكا بتلك الابتسامة ليريها لصديقه الذي انسحب في اتجاه الباب وهو ممسك بتلك الابتسامة ويغني . خرج « صموئيل « و « ماجدة « من باب الحجرة وعند الباب طلب من «إبراهيم« ورقة وقلما وترك رسالة صغيرة للأب « بشاي « وأخرى لـ « مينا « أبن الشماس ولكنه لم يعلم أبدا حين عاد إلى ذلك الدير بعد ثلاثة أسابيع لما علم بموت « مينا « أبن «جرجس» وجاء في اليوم الذي مات فيه «جرجس "ذاته أن تلك الرسائل لم تصل إلى « مينا « أو الأب «بشاي« وحتى الآن لم يعلم الملاك الحارس للدير أين ذهبت تلك الرسائل التي أعطاها «صموئيل« لـ « إبراهيم « حين كان يودع صديقه الملاك الأخر الذي أتسخ رداءه. رغم أنه أجرى تحقيقا دقيقا ! !
فصل خاص


كيف أحبت "تريزة" " جرجس "

مبلغ علمي أن الرب يعطي لهؤلاء العميان قلوباً جد نظيفة وأذن خالية من الشعر الذي يعوق السمع عند المبصرين ،ولهذا أحبت أن ترى بعينيها تلك التحركات الكثيرة لحواجب الشماس وتلك المقدرة الفائقة لتميز الأموال فلقد ظلت تلك الحركة التي يقوم بها "جرجس"حين يخرج حافظة نقوده هي الأثيرة لدى "تريزة" وكثيراً ما حاولت تضليله بإعطائه مبلغاً أقل وهي تقول له :ـ
• ذلك هو الباقي أيها الشماس
عند ذلك كانت ترتسم علامات الحزن على وجه "جرجس"وهو يقول بصوت متهدج :ـ
• ليس هكذا يعامل الأعمى .
وفي تلك اللحظة تفر من عيونها دمعة ساخنة تحاول إخفائها عن تلك العيون الغير موجودة على الإطلاق ولكن صوتها يفضحها تماماً . كما يمس مشرط صغير حافة جسد عند ذلك يترك علامة تخرج دماء ربما لا تكون ساخنة فيحس بها ذلك الذي كان يمر بالمشرط فيرميه بعيداً عن أيدي الأطفال الصغار . أنا لا أجزم أن "تريزة" بما تحمله من حب لذلك الأعمى كانت تلعب تلك اللعبة معه من أجل أن تضحك عليه أو تظلمه في اعتقادي أنها فقط تريد لتلك الوقعة التي تظل تلح عليها خلال أسبوع كامل في النزول فلا تجد أمامها إلا تلك الفرصة حتى تطلقها ، ولكنها كارثة ضخمة على ما أظن "تريزة" تعامل "جرجس"على هذا النحو أظن أن ذلك" فوبيا " مثل فوبيا الأماكن العالية والقوارض ويجب علينا أن نعرف لماذا عاملت "تريزة" "جرجس"بتلك الطريقة خلال الشهرين الأولين لنعلم ذلك يجب علينا أن نقرأ الفوبيا

.................................................. ...............................



أنواع عصاب القلق " Anxiety neuroses "
في هذه المقولة ينشأ القلق إما بوصفه استجابة لمثير محدد أو بوصفه حالة عامة من الخشية، ونحن نسمي هذه الحالة الأولى بالخوف " الفوبيا "، ونسمي الحالة الثانية باستجابة القلق .
وفي الاختلالات الخوفية يكون المريض فزعا إلى حد مريع من بعض الموضوعات أو المواقف المعينة، ولكنه لا يستطيع أن يفهم السبب في خوفه .
فمن مرضى الخواف من يفزعون من القطط أو الكلاب، كما أن منهم من يفرون من الحشرات، والكثير من المرضى ينشأ عندهم القلق البالغ من المباني المرتفعة أو الأماكن المغلقة.
وأيا ما كانت الظروف، فإن العصابين من أبناء هذه المقولة يكونون قادرين على السيطرة على مخاوفهم غير المعقولة بمجرد تجنب المواقف الخوافية، وهو الأمر الذي يجدون من الصعب تحقيقه في أكثر الأحيان .
والخواف يمكن أن ينشأ كاستجابة لطائفة واسعة من المثيرات التي لا تكون مفزعة في ذاتها في العادة. وأنواع الخواف تستمد أسمائها من مصدر القلق، مثال: " الخوف من الحيوانات zoophobia " و " الخوف من المرتفعات acrophobia " و"الخوف من الأماكن المغلقة claustrophobi " و " الخوف من الأماكن المفتوحة agoraphobia " .
ومن بين أكثر الأنواع الشائعة من الخواف، نوع نجد له تصويرا في كتاب " الإله المتحرك " " The Locomotive( 1927) "، الذي هو سيرة ذاتية عن " خواف الأماكن المفتوحة agoraphobia "، كتبها استاذ اللغة الإنجليزية بجامعة "ويسكونسن Wisconsin"، اسمه " وليام ليونارد William Leonard " والمؤلف هنا يقدم وصفا لخوف شديد من الاماكن المفتوحة، خوف استمر عدة سنوات ومنعه من أن يبعد كثيرا عن بيته؛ وخواف البعد أو الابتعاد هذا ـ كما سماه ـ قد اضطره في نهاية الأمر إلى أن ينتقل إلى شقة عبر الشارع من الجامعة حتى يكون أكثر قربا من الصفوف الدراسية التي يقوم بتعليمها، وفي فقرة قصيرة، يصف ليونارد وصفا حيويا تلك الخبرة الانفعالية المرتبطة بالخواف عنده .
وسواء كان المريض يخشى الأماكن المفتوحة أم الأماكن المغلقة، أم انواع العنكبوت، أم الحيات والثعابين، نجد أن من الممكن على الأقل أن نرد القلق في الخوف إلى أشياء في البيئة.
ولكن الأمر لا يكون كذلك بالنسبة لاستجابة القلق، وإنما نجد هنا أن المريض يخبر القلق الشديد حقا، ولكن المصدر يظل مع ذلك غير معروف . ومهما بذل المريض من جهد في محاولة الكشف عن سبب ضيقه . تراه لا يوافق .


لماذا تولدت الفوبيا عند "تريزة"

ربما يعود ذلك لموت أمها وأبيها من الصغر وبالتأكيد فإن لموت الأب والأم علاقة بذلك المرض الذي أصابها فقد كانت "تريزة" طفلة متزنة تماماً وكانت تقوم بواجباتها المنزلية بحب وود ورغم أن أمها كثيراً ما دللتها ولكنها رغم ذلك كانت أبنه جيدة لأم صعديه تربي الكتاكيت والماعز وفي يوم من الأيام دخلت لتوقظ أمها فوجدتها فارقت الحياة وكانت حين ذلك لم تكمل العشرة سنوات وفي يوم وليلة أصبحت مسئولة عن البيت مسئولية كاملة ، وبعد مضي أربعين يوماً على وفاة أمها أصبح أبوها لا يعود إلى البيت إلا مترنحاً من أثر الخمر ولم يمضي عليه وقت طويل مات بعد أمها بخمس سنوات كانت خلالهما أصبحت ست بيت جيدة وإن كان أبوها لم يقل ذلك في يوم من الأيام فذلك كان لحرصه على ذكرياته مع أمها ولخوفه أن تتغير تلك البنت الجميلة وكانت تلك الأيام هي بداية الفوبيا عندها فلقد ظلت أكثر من تسعة أعوام تقوم بالعمل في البيت دون أن تحدث أحداً أثناء العمل وكانت الأيام تمر دون أن تخرج لسانها مرة واحدة من فمها ثم جاءتها لحظة المرض هذه حين كان أخوها " رياض " يعود مترنحاً من أثر الخمر وتكون هي قد أعدت له طعام العشاء وفي انتظار أن تشاركه ذلك العشاء فتنظر في عيونه فيؤلمها ذلك المنظر ومن هنا تولدت لديها فوبيا النظر في العيون وربما أخرجها "جرجس"بعض اللحظات نظراً لأنه أعمى ولكنها حين كانت تحس أن "جرجس"ينظر في اتجاهها كانت تضع عيونها في الأرض .


متى منحها الله قدرة كسر فوبيا النظر

جاءتها تلك القدرة لأول مرة حين أحس القس متى سوف يسبب لها قهراً ما بعد أن التقت به بعد زواجها بشهر وبعض أيام وراحت تحدثه عن عزم "جرجس"الطلوع إلى الجبل لينال رسمه كقس حسب طلب الأب"بشاي"عند ذلك حدثها"متّى" بان ذلك الأمر لابد له أن لا يحدث على الإطلاق . سألته عن كيفية عدم تحققه فقال لها :ـ
• قولي ل"جرجس"أي شيء .
• أي شيء بمعنى
• قولي له أنك حامل واتركي لي كل شيء بعد ذلك
فأرادت أن ترفض الفكرة ومن أجل ذلك حركت رأسها وهي تنظر في الأرض ناحية اليمين واليسار وكان القس"متّى" في تلك اللحظة ينظر إلى حوش الدير وعندما وجدها لا تتكلم اعتقد إنها وافقت فأنسحب من أمامها وهو يقول لقد اتفقنا أيتها الأخت الصالحة .


فلان بمثابة الألم في الرقبة

وهكذا مشى القس"متّى" وهو يعلم أن "تريزة" سوف تكذب على "جرجس"وتتحايل عليه من أجل تحقيق أمنية له وهى عدم طلوع "جرجس"إلى الجبل حتى لا يتم رسمه كقس .وظل هذا الوهم قائماً حتى قابل "تريزة" صدفه بعد شهرين فأراد أن يشكرها على تلك الكذبة البيضاء التي لابد تعترف بها والتي أنجت "جرجس"من الخروج في تلك الشمس المحرقة، ولكنها نظرت إليه لأول مرة في عيونه وقالت له :
• لن أعترف لأني لم أرتكب أي خطأ أيها القس"متّى"، ولأني حامل بالفعل .
وهكذا قهرت الأب"متّى" لأول مرة في حياتها واستطاعت أن تتغلب على فوبيا النظر في العيون وتركت له ذلك السؤال الذي ظل يؤرقه كثيراً ،كيف استطاعت "تريزة" أن تمتلك طفل ينمو في أحشائها ؟ وكيف استطاعت أن تنظر في عيوني هكذا ؟
ربما ظل ايام طويلة يفكر إنها تضحك عليه حين قالت له في المساء:ـ
• أنا حامل أيها الشماس الجميل . وعما قريب سامنح ذلك الأعمى طفلاً .

كيف عرفت "تريزة" أنها حامل

لو امكن لنا أن نعود قليلاً إلي الوراء في حياة "تريزة" حين كانت طفلة صغيرة لم تبلغ بعد العاشر ووجدت أمها في الصباح ميتة ثم بعدها بخمس سنوات مات أبوها بعد أن أدمن الخمر ولم يعد لها عائلة غير أخ امسك بكل الأرض التي ورثاها عن أبيهما ومحل للغلال هو الوحيد في البلدة وكان قد بدا شرب الخمر مع أبيه كل أسبوع وحين مات أبوه راح يعب الخمر كل يوم حتى دنت لحظة الإفلاس وضياع كل شيء ، تلك اللحظة التي كانت علي وشك التحقق وتأجلت دون مقدمات حين عرض الأب"بشاي"أن يشتري جزاءً من الأرض الباقية والتي تقع جوار الدير مباشرة ، المهم أن "تريزة" أمسكت بالمبلغ من يد الأب الذي أجلس أمامه "رياض" و "تريزة" ليوقعا علي العقد . وفتح دكان الغلال بعد أن أغلق سنة واستطاعت أن تقنع أخاها بمساعدة الأب علي أن يتزوج ورغم أنه لم يتغير كثيراً بعد الزواج فمازال يشرب الخمر إلا أن زوجته الجميلة هددته بترك البيت
وعندما قالت له إنها حامل لم يعد يعب الخمر علي الإطلاق. كانت "تريزة" في تلك الأيام قد أحبت أو علي الأصح عشقت ذلك الشماس الأعمى الذي كان يأتي في كل يوم سبت في تمام العاشرة صباحاً يشتري منها الغلال اللازمة للدير ويحملها على ظهره ؛كان يقول لها أريد كذا وكذا ثم يخرج حافظة نقوده ويمسك بالأوراق المالية ويمر بيده علي الأوراق ثم يدفع لها المطلوب بالضبط ويمضي وهكذا تتولد المشاعر الفياضة من لحظات الوجع الإنساني أو الإحساس بالأخر ورغم أن "تريزة" تسكن بالقرب من الدير إلا كانت تصلي مساء الأحد فقط وبعد شهرين من المؤانسة بتلك اللحظات القليلة التي كانت تمر عليها حين يقف "جرجس"أمام الدكان ويمر بيده علي الأوراق المالية وهي تنظر إليه حين يمر بيده وتبتسم لتلك المبادرة الجيدة علي معرفة المال من ملامسته وعندما تحس أن جرجس يسدد أذانيه في اتجاهها تروح تخبط بالجاروف الألمنيوم الذي يكون في يديها حتى توهمه إنها تزن له الغلال، بعد هذين الشهرين قررت أن تذهب إلي الدير لتتابعه عن قرب ومنذ تلك اللحظة حتى زواجها لم تغب عن صلاة المساء في يوم من الأيام رغم إنها كثيراً ما ارتكبت سيئة في خمسة أيام من كل شهر حين تداهمها الدورة الشهرية ورغم ذلك تجد نفسها في صحن الكنيسة وهي تقلد حركات الصلاة دون أن ينبس فمها بهمسة واحدة، وعندما تعود إلى المنزل تظل تبكي لتلك الفعلة، وكانت لـ"تريزة" هذه العادة السيئة، وهي أنها حين تتكلم مع أي إنسان تضع رأسها في الأرض .



مع تحياتي وتحيات العزيز سعيد نوح


[/CENTER][/SIZE][/COLOR]
 


من مواضيع :
التوقيع: عابر هــHeــو سبيل
رد مع اقتباس
 
 
قديم 11-09-2010, 10:30 PM   #2
المؤسس والمدير المسؤول
 
الصورة الرمزية ســارة أحمد
 
بيانات :-




ســارة أحمد is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

أرقى ما يتعلم الأنسان : إن يستمع لـ كل رأي ويحترمه ..!! وليس بـ الضرورة إن يقتنع به ..!!


افتراضي رد: الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح

لي عودة أستاذ نديم لتكملة القصة

أو بالأحرى سوف أقوم بطباعتها على الورق لأقرأها بهدوء وتعمق

تحياتي وتقديري

 


 

 

 

من مواضيع :
0 شاهدوا كيف يستقبل هذا الرجل العظيم خبر استشهاد ولديه البكر!
0 سؤال خطير جداً ... الشيطان عندما عصى الله ، من كان شيطانه ؟؟
0 عالم الألغاز
0 المقطع الذي أبكى مشاهدي اليوتيوب وطلب الغرب ترجمته
0 الخيمة الرمضانية العروبية/كل عام وأنتم بخير
0 لطائف رمضانية
0 خالص العزاء للأخت ياسمين الصالح بوفاة شقيقها..رحمه الله
0 التلبينة النبوية ..فوائدها وطريقة صنعها
0 نبي الله إدريس عليه الصلاة والسلام نبوته ورسالته
0 سيرة آدم عليه السلام
0 التطبيقات اللغوية والإعراب
0 أنبياء الله ورسله الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم
0 حكم وأقوال في الوطن
0 إعلامنا يفعل بنا كما فعله هتلر بالضباط المخالفين
0 نسيان .com / كتاب أحلام مستغانمي الجديد

التوقيع:
لا تفكر في إرضاء الجَميع لأنه عَمل مستحيل لم يَنجح فيه حتى الأنبياء
ســارة أحمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 11-11-2010, 03:02 PM   #3
أديب وشاعر/ مدير المنتديات الأدبية المتنوعة
 
الصورة الرمزية عمر دغرير
 
بيانات :-




عمر دغرير is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح

الشماس و يعني الخادم و الكلمة من السريانية
هي رواية بالمعنى الحقيقي للكلمة
أحداثها متشعبة و زمانها متجدد و شخصياتها متعاقبة و مكانها متقلب بين الطهر و النجاسة
الموضوع لا يغادر الكنيسة الا ويعود اليها هكذا تتالت الأحداث لتنتهي بخروج لا رجعة فيه من الكنيسة نفسها ...
سعيد نوح روائي يستحق كل التقدير
و أنت أستاذ نديم لك الشكر على هذا النقل ...
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
أنا لم أرتد الحزنَ
وهو يلبسني , فكيفَ
ستختفي عن وجهي الندبُ
عمر دغرير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 11-11-2010, 05:56 PM   #4
شاعر واديب
 
الصورة الرمزية نديم الشمعه
 
بيانات :-




نديم الشمعه is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

هــHeــو .. من قال ؟ إني آخر المتصوفين..... أنا لست يا قديستي الرب الذي تتخيلين رجل أنا كالآخرين بطهارتي .. بنذالتي رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين وداعة الأطفال فيه . رجل أنا .. كالآخرين رجل يحب - إذا أحب بكل عنف الأربعين لو كنت يوماً تفهمين


افتراضي رد: الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح

اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر دغرير
الشماس و يعني الخادم و الكلمة من السريانية
هي رواية بالمعنى الحقيقي للكلمة
أحداثها متشعبة و زمانها متجدد و شخصياتها متعاقبة و مكانها متقلب بين الطهر و النجاسة
الموضوع لا يغادر الكنيسة الا ويعود اليها هكذا تتالت الأحداث لتنتهي بخروج لا رجعة فيه من الكنيسة نفسها ...
سعيد نوح روائي يستحق كل التقدير
و أنت أستاذ نديم لك الشكر على هذا النقل ...

أهلا بك كما يشرفني مرورك وتعليقك أخ عمر .... تقبل تحياتي
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع: عابر هــHeــو سبيل
نديم الشمعه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 11-12-2010, 03:05 PM   #5
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح


الاديب الراقي نديم الشمعه

قص جميل بسرد سلس ورائع

راق ما قرأته هنا

احترامي وتقديري
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 11-12-2010, 06:11 PM   #6
قاصّ وأديب/ مشرف قسم القصة والرواية
 
بيانات :-




جوتيار تمر is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: الشماس ... للروائي القدير .. سعيد نوح

نص اختار له صاحبه الانتساب للرواية القصيرة نوعا أدبيا ،لمنع الالتباس على القارئ فيما يمكن أن يحيله على شذرات الرؤى الأقرب إلى تيار الوعي،لقد جذبني عفوية الاسترسال فيالسرد بما يوازي حديث الصحو المتابع لاختلالات ذلك الواقع المسلكي الكهنوتي الخالص،لأن السرد المنساب عبر حوار استكشافي للصورة الماثلة عن تداعيات الحالة الذاتية داخل وخارج الكنيسة توخز في الوعي، واظنه وحده الكفيل بممارسة الفعل الحبكي في السردية باكملها وهذا ما يثير تساؤلاً اذا ما كان التماهي مع تيار الوعيب مثابة السعي نحو الخروج من الكنيسة ام البقاء.

محبتي
جوتيار

 


 

 

 

من مواضيع :
0 تـــــالا / جوتيار تمر
0 سيبل / جوتيار تمر
0 وهم / جوتيار تمر
0 المالكي بين الشرعية الانتخابية الوطنية والتبعية الخارجية
0 شاهد قبـــر/ جوتيار تمر
0 امــرأة / جوتيار تمر
0 غريب
0 وهم / جوتيار تمر
0 ثمن الليل..!/ جوتيار تمر
0 قراءة في قصة(شبان آخر زمان ) للقاص المبدع نزار ب. الزين / جوتيار تمر
0 قراءة في نص (قبلات المطر) للشاعر المبدع كفاح محمود كريم
0 تــــــــابوت / جوتيار تمر
0 قراءة في نص (إليك يا أنت من الماضي البعيد!) للشاعرة وفاء الايوبي
0 قرأة في نص مواقف / للشاعرة نور سمحان / جوتيار تمر
0 يوسفية / جوتيار تمر

جوتيار تمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية ( رجل منسي) كاملة للروائي علي العبدالله محمد فتحي المقداد مـكـتـبة العروبة للكتب والروايات 7 11-08-2010 01:41 AM
ملاكُ الفرصة الأخيرة للروائي المبدع سعيد نوح نديم الشمعه منتـــدى الروايــــة والقصـــــة 3 10-18-2010 01:01 PM
د.إسماعيل الجنابي العزيز ،، عيد ميلاد سعيد أسماء عمر قسم الترحيب والمناسبات 22 10-10-2010 02:08 PM
قراءة في رواية ( نزف الذاكرة ) للروائي علي أحمد العبدالله محمد فتحي المقداد منتدى البلاغة والنقد والدراسات الأدبية 2 04-19-2010 05:43 PM
قراءة في رواية ( رجل منسي ) للروائي علي أحمد العبدالله محمد فتحي المقداد منتـــدى الروايــــة والقصـــــة 3 04-13-2010 01:12 AM


الساعة الآن 04:23 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
TRAN. By GT4HOST.com