هذه مذكرات نذير رشيد الذي تقلد عدة مناصب مهمة في المملكة الأردنية الهاشمية ما بين العمل السياسي والدبلوماسي ، ويمضي بنا في رحلته الغنية بين الجيش والمنفى والمخابرات، وكأن المرحلة السياسية كانت ختام نصف قرن من مسيرة غنية لمواطن أردني جرب الحياة المدنية والعسكرية والدبلوماسية والسياسية ، فوقف في صفوف الموالاة وصفوف المعارضة ، وعرف لوعة المنفى ، وأدرك دور وطنه حين حمل رايته سفيراً وقبل ذلك مديراً للمخابرات . وقد تراوحت تلك المذكرات بين الشخصي والعام فتحمل ذات صاحبها ولا تنفصل عن المناخ السياسي العام لوطنه ، حتى بدا واضحاً أن نذير رشيد عزف عن الاهتمام بالشخصي وأغرق فيما يخص السياسي والاجتماعي . الكتاب صدر عن دار سنابل للكتاب ـ الطبعة الثانية عام 2009 .
ويؤكد في مقدمته للكتاب أنه كان وفياً لوطنه وقضيته ورفاقه ، فيقول : " لا أريد لروايات وكتابات غير صحيحة أو غير كاملة أن تضعني وآخرين من أبناء الوطن ظلماً في موضع الاتهام والتقصير ، وأعتقد أن ثمة أحداثاً أخرى سيطلع عليها القارئ في هذا الكتاب تميط اللثام عن وقائع للمرة الأولى ، وقد تنصف مظلومين وتغير أفكاراً خاطئة ، وتصحح روايات باطلة ، ولا بد أن هناك وجهات نظر أخرى حول المواضيع نفسها ، وإذا أتيح لها أن تنشر فستكمل الصورة " .
وهناك عدد لا حصر له من هذه المواقف التي يسوقها في معرض حديثه في التاريخ الحديث ، فيذكر أن كلوب باشا وعشرات من الضباط الإنجليز من المراكز القيادية في الجيش العربي الأردني طُردوا في عام 1956 ، و" ألغيت المعاهدات الأردنية البريطانية وكانت تنص على دعم الأردن بمعونة مالية سنوية تعهدت مصر وسورية والدول العربية كافة بتعويضها ، ولم يلتزم بقرار التعويض هذا سوى المملكة العربية السعودية ".
وإذا ما أردنا أن نقدم نبذة عن نشأة نذير رشيد نجده ولد في مدينة السلط من شرق الأردن عام 1929 وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارسها ، والسلط في ذلك الوقت كانت مدينة صغيرة بسيطة شوارعها ترابية ، لا كهرباء ولا شبكات مياه ولا دور للسينما ، غير قليل من أجهزة الراديو في بعض المقاهي . أنهى نذير دراسته الثانوية عام 1947 وحصل على بعثة دراسية من الحكومة الأردنية على حساب الحكومة العراقية للدراسة في الكلية العسكرية في بغداد ، وممارسة رياضة الفروسية التي ساعدته في الترقي والوصول إلى أعلى المراكز لأنها أثارت انتباه القياديين الذين شاهدوه من خلال المسابقات والحفلات ، ليبدأ نذير رشيد حياته العسكرية ومن ثم السياسية .
ويصف لنا الحال بعد استشهاد الملك عبد الله في عمان عام 1951 بما يعكس وضع المملكة الدولي وسط جيرانها ، يقول " استيقظ الأردن على واقع جديد لمسناه جميعاً ، فبعد أن كانت دول الجوار جميعها ، سوريا وإسرائيل والعراق والمملكة العربية السعودية ، تحسب الحساب للأردن وقيادته وتأخذ منه موقفاً دفاعياً ، اختلفت الصورة بعد رحيل الملك عبد الله ، فقد حاول العراقيون ضم الأردن إلى دولتهم ، كما قوي موقف سوريا المعارض لمشروع الملك عبد الله الرامي إلى إقامة الهلال الخصيب ، يساندها في ذلك الإعلام اللبناني والمصري القوي ، وأصبح الموقف الإسرائيلي تجاه الأردن أكثر تشدداً ، والموقف البريطاني أكثر بروداً " .
كان يميل إلى الفروسية لذا فإنه التحق بالكلية العسكرية وحصل على ست جوائز في الفروسية يعتز بها ويفتخر ومنها اثنتان سلمها له الأمير عبد الإله الذي لفتت مهارته نظره ، وأعجب به لذا كان يدعوه بالاسم لمشاركته وضيوفه في حفلات صيد ابن آوي التي كانت تقام في مختلف مناطق الريف العراقي أسبوعياً ، يقول نذير رشيد " ودارت الأيام .. ونقل الشريف ناصر بن جميل خدمته من الجيش العراقي إلى الجيش الأردني في الكتيبة التي كنت فيها وأصبح هو قائداً لها بعد خروج الإنجليز من الأردن ، وأصبحت مساعده ، ثم تسلمت قيادتها منه عام 1956 بعد خروج الضباط الإنجليز من الجيش الأردني ، .. وقد كان له تأثير مباشر على مستقبلي في المخابرات العامة ، فهو الذي أوصى الملك حسين بترفيعي إلى رتبة مقدم بعد ستة أشهر من تعييني رائداً فيها عام 1968 ، مما أعطاني تقدماً على عدد كبير من ضباط الدائرة اللامعين ، وأهلني فيما بعد لترفيعات سريعة أوصلتني إلى قيادة دائرة المخابرات العامة سنة 1970 " .
ويحدثنا نذير عن نشأة تنظيم الضباط الأحرار ودوره فيه ، يقول :" التقيت عام 1951 بعد استشهاد الملك عبد الله الأول ، مع الزملاء شاهر أبو شحوت ، ومحمود المعايطة ، وضافي الجمعاني ، في معسكر الزرقاء لأول مرة ، وتحدثنا عن الإنجليز وعن تنظيم لضباط الأحرار قائم على مواجهة الإنجليز وإخراجهم من الجيش والبلد ، فقد كنا نعتقد أنهم سبب هزيمة حرب 1948 لأنهم رفضوا مساعدة العرب ومنعوا التسليح عنهم ، ووافقت على الانضمام إليهم ، وكنا أول أربعة في التنظيم ، ثم بدأ التنظيم يتسع وينشط ، اعتماداً على المعرفة الشخصية والصداقة . وكان هؤلاء الثلاثة منتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي السوري المعروف في ذلك الوقت ، ولم أكن أعلم بذلك " . وقد علم كلوب عن نشرة " القنبلة " ؛ الجريدة التي كانت تعدها المخابرات المصرية ويوزعها بعض الضباط الأحرار في الأردن فاستدعى محمد المعايطة وطلب إليه أن ينقل إلى الضباط الذين يصدرونها تحذيراً شفوياً خلاصته : أوقفوا هذا العبث ، وإلا ... ! وتوقف إصدار النشرة .
ويؤكد نذير أنه لم يكن يعلم أن التنظيم له علاقة بحزب البعث في سوريا ، فيقول " صدمت عندما اكتشفت أن هناك علاقة تنظيمية لبعض الضباط الأحرار بحزب البعث ، فقد أقسمنا جميعاً على القرآن الكريم بألا نشارك في عمل حزبي ، وكنت أحسب أننا تنظيم مستقبل لا علاقة له بجهة حزبية أو خارجية . أما عن علاقة التنظيم مع مصر ، فقد كان الضباط الأحرار في الجيش المصري الذين نفذوا الانقلاب على فاروق عام 1952 موضع الإعجاب لدى الضباط الأردنيين ، وكان الضباط الأحرار في الجيش المصري ، كما هو معروف ، قد قرروا أن تكون مصر ، قاعدة للثورة العربية ضد الاستعمار في كل أقطار الوطن العربي ".
وقد أحدثت مغادرة نذير رشيد للأردن عاصفة من التقولات والاستنتاجات الخاطئة بلا شك ، فقد اعتبره بعضهم مزروعاً من قبل الملك حسين بين الذين غادروا إلى سوريا لتزويد السلطات الأردنية بكل التحركات والتوجهات التي يمكن لهؤلاء أن يقوموا بها ، وخاصة أن الحرب الإعلامية بين الأردن وبين الجمهورية في الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي كانت على أشدها . كما اعتبر آخرون أن مغادرته إلى الإقليم الشمالي " سوريا " ولا سيما وأنه قائد كتيبة المدرعات الأولى التي ألصقت بها تهمة الشروع بعمل انقلابي ـ سوف تقلل إمكانية هيئة التحقيق التي تشكلت للتحقيق بأمور المناورة على المعلومات الضرورية اللازمة لاكتمال التحقيق وغيرها كثير . ولكن واقع الأمر غير ذلك ، حيث يؤكد نذير أن مغادرته الأردن كان صائباً ، يقول : " فالبلد في غضب شديد يجعل من المستحيل إجراء تحقيق هادئ عادل ، فآثرت الغياب مؤقتاً ، وأن عفواً ملكياً كريماً سوف يصدر يشمل كل الذين غادروا ليعودوا إلى بلادهم معززين مكرمين ، وكنت واثقاً أن كل من يريد منهم أن يستأنف خدمة بلده سوف يتاح له ذلك دون قيود ودون عقد ، فهذه سمة الحسين وسمة الهاشميين ، ولا سيما وأن أية محاولة للانقلاب لم تجر ولكن الجو العام كان متشنجاً " .
يؤكد نذير رشيد أنه لم يهتم مطلقاً لتلك التخرصات ولم يعرها أية قيمة ، يقول : " فأنا أعرف حقيقة الحال وواقعه ، وليست الصفات الرخيصة من طبعي وأنا أحمد الله على ذلك ، وخدمة الوطن في أي موقع لشرف لا يعدله شرف ، وقد توليت منصب مدير المخابرات العامة وأنا فخور بذلك " .
ويقدم لنا رؤية تحليلية للأحداث بعد نصف قرن ، فقد كتب عن أحداث عام 1957 التي ارتبطت على نحو ما بمناورة هاشم التي نفذتها كتيبة المدرعات الأولى التي كان نذير رشيد قائداً لها ، وبالطبع فإن ثمة معلومات وأحداثاً لم يكن له علاقة بها ساهمت في تشكيل الأزمة التي أثرت في الحياة السياسية والعامة ، ومازالت تداعياتها وآثارها قائمة حتى اليوم ، ويمكن اعتبارها بحق إحدى المحطات التاريخية المهمة في مسار الحياة السياسية والعامة في الأردن والمنطقة ، وتؤشر على انعطاف كبير في العلاقات الداخلية والخارجية للدولة الأردنية ، يقول نذير " وما أذكره هنا هو شهادتي ورؤيتي للأحداث ، كما عايشتها وشاركت فيها وفهمتها ، وكما أراها اليوم بعد نصف قرن ، ويهمني أن أشير باحتصار هنا إلى عدد من النقاط التي تطرقت إليها بشيء من التفصيل في فصل سابق . إن مناورة هاشم كانت فنية مهنية ، ولم تكن لها علاقة ، حسب علمي ، بالأحداث والأزمة السياسية التي كانت قائمة ، وهي مناورة دورية تنفذها الكتائب والوحدات العسكرية سنوياً ، في موسم التدريب الإجمالي للوحدات كما بين ذلك أمر العمليات الخاص بها ، وكانت بدون ذخيرة .
وربما استغلت المناورة واستخدمت من قبل أطراف عدة في جولات الصراع والتنافس والتوتر التي كانت سائدة في الأردن في أواسط الخمسينيات ، فقد استخدم رئيس الأركان على أبو نوار ، على سبيل المثال ، الظروف المصاحبة للمناورة للمطالبة بتنحية مدير الأمن العام بهجت طبارة ، وتعيين اللواء محمد المعايطة بدلاً منه ، وقد تم ذلك ، وأبو نوار لم يكن على علاقة تنظيمية بالضباط الأحرار ، وقد أجمعنا وقتها على أن واحداً من مؤسسي التنظيم ارتكب خطأ جسيماً في مفاتحة أبو نوار بهذا الأمر . كما تبين لي فيما بعد أن عدداً من الضباط الأحرار كانوا أعضاء في حزب البعث ، مما أضر بالضباط والقوات المسلحة والحياة السياسية ، وربما كان أحد أهم الأسباب التي دفعت الملك الحسين للريبة بالضباط الأحرار ، وإعادة النظر في تشكيل وفلسفة القوات المسلحة بعد مرحلة التعريب وإبعاد الفريق كلوب والضباط البريطانيين عن الجيش الأردني .
ويؤكد نذير براءة ذمته وغيره بقوله : " لا بد أن الملك قد بدأ باستيعاب الصورة كاملة ، غير أنه آثر التأني في اتخاذ القرارات الضرورية للخروج من أجواء تلك الأزمة وتجاوز تداعياتها وذيولها ، وقد تبلورت هذه القرارات في صورتها الأخيرة في العفو العام الذي أصدره عام 1965 في حكومة وصفي التل الثانية ، وأعيد بموجبه معظم المعارضين والمتهمين ، بل إن هؤلاء استوعبوا في وظائف وأعمال لائقة بهم ، وأعيد الضباط الراغبون إلى القوات المسلحة ، وتسلموا مناصب رفيعة ومهمة ، فقد عدت من اللجوء السياسي ، وانخرطت من جديد في القوات المسلحة وفي دائرة المخابرات العامة تحديداً ، حتى عينت مديراً عاماً لها فيما بعد ، ثم سفيراً للمملكة في المغرب ، وعضواً في مجلس الأعيان لثلاث دورات متتالية ، ووزيراً للداخلية في حكومة الدكتور عبد السلام المجالي ".
إعداد سعاد سليمان .
الكتاب: مذكراتي " حساب السرايا وحساب القرايا "
تأليف: نذير رشيد
تاريخ النشر 2009 طبعة ثانية
الناشر : دار سنابل للكتاب