م. موسى ابراهيم نبارك لكم مولودكم .. [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : ازدهار الانصاري ] [ آخر مشاركة : إسماعيل ابوبكر ] [ عدد الزوار : 49 ] [ عدد الردود : 4 ]
الأميرة - رواية [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : جميل السلحوت ] [ آخر مشاركة : جميل السلحوت ] [ عدد الزوار : 310 ] [ عدد الردود : 4 ]
النون الأصلية او المعاملة معاملة الأصلية [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : فاطمة الزهراء العلوي ] [ آخر مشاركة : فاطمة الزهراء العلوي ] [ عدد الزوار : 16 ] [ عدد الردود : 0 ]
إعمار غزة ما بين الابتزاز الصهيوني ورفد خزينة الاحتلال بمليارات الدولارات [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : رشيد شاهين ] [ آخر مشاركة : رشيد شاهين ] [ عدد الزوار : 12 ] [ عدد الردود : 0 ]
تطبيق nb [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : رامي سلامه ] [ آخر مشاركة : رامي سلامه ] [ عدد الزوار : 29 ] [ عدد الردود : 2 ]
و أخيرا طار العرب ..؟ [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : وفاء الجزائرية ] [ آخر مشاركة : وفاء الجزائرية ] [ عدد الزوار : 143 ] [ عدد الردود : 6 ]
طريق العقل (ٌق.ق.ج) [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : إسماعيل ابوبكر ] [ آخر مشاركة : ســارة أحمد ] [ عدد الزوار : 24 ] [ عدد الردود : 1 ]
جيفارا لبنان وَ العرب [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : حسين أحمد سليم ] [ آخر مشاركة : حسين أحمد سليم ] [ عدد الزوار : 18 ] [ عدد الردود : 0 ]
كتب مساعدة على كتابة البحوث الجامعية (رسائل الماجستير والدكتوراه) [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : عبد الفتاح أفكوح ] [ آخر مشاركة : عبد الفتاح أفكوح ] [ عدد الزوار : 12704 ] [ عدد الردود : 147 ]
إحياء العَروض - عزّ الدين التنوخي [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : عبد الفتاح أفكوح ] [ آخر مشاركة : عبد الفتاح أفكوح ] [ عدد الزوار : 91 ] [ عدد الردود : 1 ]

إهداءات وبرقيات


العودة   آفاق العروبــــــة > آفاق الأدب العربي المتنوع > مختارات أدبيّة منقولة

مختارات أدبيّة منقولة ذائقتنا عندما يترجمها المبدعون الآخرون

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
 
قديم 09-22-2010, 04:54 AM   #41
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



من كتاب : طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف / ابن حزم الأندلسي

-للحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي . فأولها إدمان النظر والعين باب النفس الشارع ، وهي المنقبة عن سرائرها ، والمعبرة لضمائرها ، والمعربة عن بواطنها . فترى الناظر لا يطرف ، ينتقل بتنقل المحبوب ، وينزوي بإنزواءه ، ويميل حيث مال .
ومنها علامات متضادة وهي على قدر الدواعي ، والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة . والأضداد أنداد ، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت ، قدرة من الله عز وجل تضل فيها الأوهام . فهذا الثلج إذا أُدمن حبسه في اليد فعل فعل النار ، ونجد الفرح إذا أفرط قتل ، والغم إذا أفرط قتل ، والضحك إذا كثر واشتد ، أسال الدمع من العينين . وهذا في العالم كثير ، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما شديداً ، كثر تهاجرهما بغير معنى ، وتضادهما في القول تعمداً ، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور ، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه ، وتأولها على غير معناها ، كل هذا تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه .
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة ، المضادة المتولدة عن الشحناء ومحارجة التشاجر ، سرعة الرضى ، فإنك بينما ترى المحبين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره ، يصلح عند الساكن النفس ، السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ولا ينجز عند الحقود أبداً ، فلا تلبث أن تراهما ، قد عادا إلى أجمل الصحبة ، وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة ، هكذا في الوقت مراراً . وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ، ولا يدخلنك ريبة البتة ، ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً ، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف .ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة . هذا لا يكون إلا عن تكافٍ في المودة وائتلاف صحيح .
ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب ، ويستلذ الكلام في أخبارة ويجعلها هجيراه ، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها ، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف أن يفطن السامع ويفهم الحاضر .
- ومن وجوه العشق : الوصل ، وهوحظ رفيع ، ومرتبة سرية ، ودرجة عالية ، وسعد طالع ، بل هو الحياة المجددة والعيش السني ، والسرور الدائم ، ورحمة من الله عظيمة . ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر ، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره ، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه ، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه ، وكمال الأماني ، ومنهى الأراجي .
ولقد جربت اللذات على تصرفها ، وأدركت الحظوظ على اختلافها ، فما للدنو من السلطان ، ولا المال المستفاد ، ولا الوجود بعد العدم ، ولا الأوبة بعد طول الغيبة ، ولا الأمن بعد الخوف ، ولا التروح على المال ، من الموقع في النفس ما للوصل ، ولا سيما بعد طول الامتناع ، وحلول الهجر ، حتى يتأجج عليه الجوى ، ويتوقد لهيب الشوق ، وتتضرم نار الرجاء . وما إصناف النبات بعد غِب القطر ، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج ، ولا خرير المياة المتخللة لأفانين النوار ، ولا تأنق القصور البيض ، قد أحدقت بها الرياض الخضر ، بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه ، وحُمدت غرائزه ، وتقابلت في الحسن أوصافه ، وأنه لمعجز ألسنة البلغاء ، ومقصر فيه بيان الفصحاء ، وعنده تطيش الألباب ، وتعزب الأفهام وفي ذلك أقول :
وسائل لي عما لي من العمر : وقد رأى الشيب في الفوْدين والعذر
أجبته : ساعة لا شيء أحسبه : عمراً سواها بحكم العقل والنظر
فقال لي : كيف ذا بينه لي فلقد : أخبرتني أشنع الأنباء والخبر
فقلت : إن التي قلبي بها عَلِقٌ : قبلتها قبلة يوم على خطر
فما أعد ولو طالت سِنِي سوى : تلك السويعة بالتحقيق من عمري .

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 04:56 AM   #42
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



من كتاب : المقتبس / ابن حيان

سنة اثنتين وثلاثين ومائتين

فيها تقلب موسى بن موسى القسوي عن الطاعة ، وأعند بتحامل عبدالله بن كُليب عامل الثغر عليه ، ومد يده إلى بعض أمواله ، فأحفظه ذلك وهاج حميته ، وتحرك إلى تُطيله ، وابن كليب داخلها ، فطمع أن ينتهز منه فرصة ، فاحتجز عنه عبدالله بحصانتها ، ولم يؤته حرباً،
واستغاث بالأمير عبدالرحمن فأخرج إليه ابنه محمداً بالصائفة ، وقاد معه محمد بن يحيى بن خالد فاحتل عليه محمد بالجيوش ، فأذعن موسى ، واعترف بالذنب ، وسأل العفو ، فسارع الولد محمد إلى اجابته وتطمينه وإقراره على حاله ، وتقدم بالصائفة إلى بنبلونه فجال بأرضها وأداخها ، ونكأ العدو أبرح نكاية .
***

وركب جيش قرطبة لاستقباله ، فدخل في زي تقتحمه العين وهنا قلة ، وعدم رواء وبهجة وعدد وعده ، فوق فرس دون مراكب الملوك بحلية مختصرة ، سادلاً سمل غفارة إلى ما تحتها من كسوة رثة ، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي العامريين صيروها معه للزينة ، دون علم ولا مطرد ، يسير هونا والناس يهنئونه ويصيحون بالدعاء في وجهه .

***
وقد كتبت من وصف ظاهر محاسنه أوان اعتلاقه بقهرمه أميرنا محمد بن جمهور ، وعددت من محاسن خصاله مالم يبعد عن الصدق عنه ، لأخذنا بظاهر ما تموه في العيون وقت بنائه لنفسه ، وتنفيقه لكساده ، من طأة الخلق ، وحسن الاحتمال ، ولين الجانب ، وخفة المواطاة ، وجودة الوساطة ، معرضين فيه عن ذكر ما لم يكن لنا التفات عنه مما في باطنه من نذالة الخيم ، ونطف الصحبة ، وتهمة الخلوة .... وأغرى بذوي الهيئات ، وحملة المروات ، فأزال صوتهم .... وحط أقدارهم .... فارتفع الأمر بالمعروف جملة ، ووسع أهل السلامة الدخول تحت التقية ، فصرنا ممن أخذ بذلك في ذكره فيما كتبناه من ظاهر أخباره مدة ستر الله عليه ، إلى أن أرتفعت بزوال سلطانه ، وامان عدوانه ، ففارقنا الحزم في ذكره ولزمنا العذر عنه بالنقض لما أسلفنا من تقريضه .

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 04:58 AM   #43
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



من العشق لقرطبة / ابن شُهيد الأشجعي

.... هو العشق : باطل يلعب بالحق ، ليبين ضعف البشر وتلوح قدرة مصرف القدر ، والذي أشكو من أغرب الغرائب ، وأعجب العجائب : بث شاغل ، وبرح قاتل ، وصبر بغيض ، ودمع يفيض ، لعجوز بخراء سهكة درداء ، تدعى قرطبة :
عجوز لعمر الصبا فانية : لها في الحشا صورة الغنية
فقد عنيت بهواها الحلوم : فهي براحتها عانية
ترديت من حزن عيشي بها : غراماً ، فيا طول أحزانيه

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:00 AM   #44
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



صاحب الإفليلي( التوابع والزوابع ) / ابن شُهيد الأشجعي

فصاحا: يا أنف الناقة بن معمر، من سكان خيبر! فقام إليهما جني أشمط ربعة وارم الأنف، يتظالع في مشيته، كاسرا لطرفه، وزاويا لأنفه، وهو ينشد:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم، ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟
فقالا لي: هذا صاحب أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة؟ قال: فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العصية! إن لم تعربي عن ذاتك، وتظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، لم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضا لكل حجر عابر.
وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته، فقلت: وأنا أيضا لا أعرف على من قرأت. قال: ألمثلي يقال هذا؟ فقلت: فكان ماذا؟ قال: فطارحني كتاب الخليل. قلت: هو عندي في زنبيل. قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلت: خريت الهرة عندي عليه، وعلى شرح ابن درستويه. فقال لي: دع عنك، أبا أبو البيان. قلت: لاه الله! إنما كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسيء فيلهي. قال: لقد علمنيه المؤدبون. قلت: ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " . ليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر. هيهات، حتى يكون المسك من أنفاسك، والعنبر من أنفاسك، وحتى يكون مساقك عذبا، وكلامك رطبا، ونفسك من نفسك، وقليبك من قلبك، وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيع فتضعه، والقبيح فتحسنه! قال: أسمعني مثالا. قلت: حتى تصف برغوثا فتقول:
صفة برغوث

(1/9)


--------------------------------------------------------------------------------

أسود زنجي، وأهي وحشي؛ ليس بوان ولا زميل، وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل؛ أو شونيزة، أوثقتها غريزة؛ أو نقطة مداد، أو سويداء قلب قراد؛ شربه عب، ومشيه وثب؛ يكمن نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعن مؤلم، ويستحل دم كل كافر ومسلم؛ مساور للأساورة، يجر ذيله على الجبابر يتكفر بأرفع الثياب، ويهتك ستر كل حجاب، ولا يحفل ببواب؛ مناهل العيش العذبة، ويصل إلى الأحراج الرطبة، لا يمنع منه أمير، ولا ينفع فيه غيرة غيور، وهو أحقر كل حقير؛ شره مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث، كفى نقصا للإنسان، ودلالة على قدرة الرحمن.
صفة ثعلب
وحتى تصف ثعلبا فتقول: أدهى من عمرو، وأفتك من قاتل حذيفة ابن بدر؛ كثير الوقائع في المسلمين، مغرى بإراقة دماء المؤذنين؛ إذا رأى الفرصة انتهزها، وإذا طلبته الكماة أعجزها؛ وهو مع ذلك يقراط في إدامه، وجالينوس في اعتدال طعامه، غداؤه حمام أو دجاج، عشاؤه تدرج أو دراج.
صاحب بديع الزمان
وكان فيما يقابلني من ناديهم متى قد رماني بطرفه، واتكأ لي على كفه، فقال: تحيل على الكلام لطيف، وأبيك! فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أوما علمت أن الواصف إذا وصف لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واحجتزى بيسير البيان؟ لأنه لم يتقدم وصف بقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مساقه. وهذه نسكتة بغذاذية، أنى لك بها يا فتى المغرب؟ فقلت لزهير: من هذا؟ قال: زبدة الحقب، صاحب بديع الزمان. فقلت: يا زبدة الحقب، اقترح لي قال: صف جارية. فوصفتها. قال: أحسنت ما شئت أن تحسن! قلت: أسمعني وصفك للماء. قال: ذلك من العقم. قلت: بحياتي هاته. قال: أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور؛ انتخب من الفرات واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة.
فقلت: انظره، يا سيدي، كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح؛ ينضب من إنائه، انصباب الكوكب من سمائه؛ العين حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصر يضرب به من ورق يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا.
فلما انتهيت في الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت، وتد هدى إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره. فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد غيظ أنف الناقة علي.
رجع إلى أنف الناقة
فقال: وقعت لك أوصاف في شعرك تظن أني لا أستطيعها؟ فقلت له: وحتى تصف عارضا فتقول:
ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا ... وحط بجرعاء الأبارق ما حطا
وسعى في قياد الريح يسمح للصبا، ... فألقت على غير التلاع به مرطا
وما زال يروي حتى كسا الربى ... درانك، والغيطان من نسجه بسطا
وعنت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء من جيدها سمطا
ولم أر درا بددته بد الصبا ... سواه، فبات النور يلقطه لقطا
وبتنا نراعي الليل لم نطو برده، ... ولم يجر شيب الصبح في فرعه وخطا
تراه كملك الزنج في فرط كبره، ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا
مطلا على الآفاق والبدر تاجه، ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا
وحتى تصف ذئبا فتقول:
إذا اجتاز علوي الرياح بأفقه ... أجد، لعرفان الصبا، يتنفس
تذكر روضا من شوي وباقر، ... تولته أحراس من الذعر تحرس
إذا انتابها من أذؤب القفر طارق ... حثيث، إذا استشعر اللحظ يهمس
أزل كسا جثمانه متسترا ... طيالس سودا للدجى وهو أطلس
فدل عليه لحظ خب مخادع، ... ترى ناره من ماء عينيه تقبس
فصاح فتيان الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبة، وظهرت عليه مهابة، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذ بواد في خطابه، رحمه لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر.
صاحب أبي إسحاق بن حمام

(1/10)


--------------------------------------------------------------------------------

وشمر لي فتى، كان إلى جانبه، عن ساعد، وقال لي: وهل يضر قريحتك، أو ينقص من بديهتك لو تجافيت لأنف الناقة، وصبرت له؟ فإنه على علاته زير علم، وزنبيل فهم، وكنف رواية. فقلت لزهير: من هذا؟ فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حمام جارل. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانة الكتاب، رفقا على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يضر أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه، أن يصبر لي على زلة تمر في شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة من طراميذه؟ فقال: إن الشيوخ قد تهفو أحلامهم في الندرة. فقلت: إنها المرة بعد المرة.
ثم قال لي الأستاذان عتبة بن أرقم، وأبو هبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبط منك ببيداء حيرة، وتفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقول: شاعر أم خطيب؟ فقلت: الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى ولا بد من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعر خطيب. وانفض الجمع والأبصار إلي ناظرة، والأعناق نحوي مائلة.
الفصل الثالث
نقاد الجن
مجلس أدب
وحضرت أنا أيضا وزهير مجلسا من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعرا من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر. فأنشد قول الأفوه بعض من حضر:
وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وأنشد آخر قول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح، قد أيقن أن قبيله، ... إذا ما التقى الجيشان، أول غالب
وأنشد آخر قول أبي نواس:
تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
وأنشد آخر قول صريع الغواني:
قد عود الطير عادات وثقن بها، ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
وأنشد آخر قول أبي تمام:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقابل
فقال شمردل السحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى. وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول:
له عسكرا خيل إذا رمي ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه
وكان بالحضرة فتى حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيلين الغالب؟ وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع والفقارات والعصاعص؟ ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحس التركيب، ودل بلفظة واحدة على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله:
وتدري سباع الطير أن كماته، ... إذا لقيت صيد الكماة، سباع
لهن لعاب في الهواء وهزة، ... إذا جد بين الدرعين قراع
تطير جياعا فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع
تملك بالإحسان ربقة رقها، ... فهن رقيق يشترى ويباع
وألحم من أفراجها فهي طوعه، ... لدى كل حرب، والملوك تطاع
تماصع جرحاها فيجهز نقرها ... عليهم، وللطير العتاق مصاع
فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب؟ قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شأنه منذ حين؟ إني لأرى نزعات كريمة؟ وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي، مكرما لمكاني، فقلت: جد أرضنا، أعزك الله، بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك. قال: سل عما شئت. قلت: أي معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرك، فوجدته حين رمته صعبا إلا عليك أنك نفذت فيه؟ قال: معنى قول الكندي:

(1/11)


--------------------------------------------------------------------------------

سموت إليها بعدما نام أهلها، ... سمو حباب حالا على حال
قلت: أعزك الله، هو من العقم. ألا ترى عمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدنو منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله:
ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال ... حباب، وركني خيفة القوم أزور
قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يلطف التوصل، فجاء مقبلا بركت كركنه أزور. فأعجبني ذلك منه، وما زلت مقدما لهذا المعنى رجلا، ومؤخرا عنه أخرى، حتى مررت بشيخ يعلم بنيا له صناعة الشعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه، وأرق حاشيته فاضرب عنه جملة. وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك طبيعتك، وتقوى منتك.
فتذكرت قول الشاعر وقد كنت أنسيته:
لما تسامى النجم في أفقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
فعلمت أنه صدق؛ وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص. فقلت أنا في ذلك:
ولما تملأ من سكره ... فنام، ونامت عيون العسس
دوت إليه، على بعده، ... دنو رفيق ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى، ... وأسمو إليه سمو النفس
وبت به ليلتي ناعما، ... إلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلا، ... وأرشيف منه سواد اللعس
فقمت وقبلت على رأسه، وقلت: لله در أبيك! فقال لي فاتك بن الصقعب: فهل جاذبت أنت أحدا من الفحول؟ قلت: نعم قول أبي الطيب:
أأخلع عن كتفي وأطلبه، ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟
قال لي: بماذا قلت: بقولي:
ومن قبة لا يدرك الطرف رأسها، ... تزل بها ريح الصبا فتحدر
إذا زاخمت منها المخارم صوبت ... هويا، على بعد المدى، وهي تجأر
تكلفتها، والليل قد جاش بحره، ... وقد جعلت أمواجه تتكسر،
ومن تحت حضني أبيض ذو سفاقس، ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعا، ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى، ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر
فقال: والله لئن كان الغيث أبلغ، فلقد زدت زيادة مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غير هذا؟ فقلت: وقوله أيضا:
وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب
قال: بماذا؟ قلت: بقولي:
ولم أنس بالناووس الألى ... بها أيننا محبوبها وحبابها
وفتية ضرب من زناتة، ممطر ... بوبل المنايا طعنها وضرابها
وقفنا على جمر من الموت وقفة، ... صلي لظاه داب قومي ودابها
إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا، جرى جشعا فوق الجياد لعابها
فصاح صيحة منكرة من صياح الجن كاد ينخب لها فؤادي فزعا، والله، منه! وكان بنجوة منا جني كأنه هضبة لركتنته وتقبضه، يحدق في دونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذ بطرفي عنه، وأستعيذ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيت، وقد استخفه الحسد: على من أخذت الزمير؟ قلت: وإنما أنا نفاخ عندك منذ اليوم؟ قال: أجل! أعطنا كلاما يرعى تلاع الفصحاحة، ويستحم بماء العذوبة والبراعة، شديد الأسر جيد النظام، وضعه على أي معنى شئت. قلت: كأي كلام؟ قال: ككلام أبي الطيب:
نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه، أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به، ... ونعرض عنها، كلما طلعت، عتبا
وكقوله:
أرأيت أكبر همة من ناقتي، ... حملت يدا سرحا وخفقا مجمرا
تركت دخان الرمث في أوطانها، ... طلما لقوم يوقدون العنبرا

(1/12)


--------------------------------------------------------------------------------

وتكرمن ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه، وليس مسكا أذفرا
فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا
وكقوله:
على كل طاو تحت طاو كأنما ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها تحتهم ري الفوارس فوقها، ... فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا، ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
فأدني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أي ماء لو كان من جمامك واستهلت به عين غمامك! ثم استقدمت فأنشدته:
ولرب ليل للهموم تهدلت ... أستاره فحما الصوى بستوره
كالبحر يضرب وجهه في وجهه، ... صعب على العبار وجه عبوره
طاولته من عزمي بمضبر، ... أثبت همي في قرارة كوره
وعلى للصبر الجميل مفاضة، ... تلقى الردى، فتكل دون صبوره
وبرتحتي من فكرتي ذو ذكرة، ... عهدت تذاكرني بطبع ذكيره
فزادا، إذا بعثت دياجي جنحه ... هولا علي، خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري ... أملي، فمزقت التجى عن نوره
وأنشدته:
الله في أرض غذيت هواءها، ... وعصابة لم تتهم إشفاقها
نكزتهم أفعى الخطوب، وعوجلوا ... بمثل منها، فكن درياقها
وافتح مغالقها بعزمة فيصل، ... لو حاولت سوق الثريا ساقها
ولو أنها منه، إذا ما استلها، ... تتعرض الجوزاء، حل نطاقها
وأنشدته:
لا تبكين من الليالي أنها ... حرمتك نغبة شارب من مشرب
فأقل ما لك عندها سيف الردى، ... يستل من شعر القذال الأشيب
ورحيل عيشك كل رحلة سلعة، ... وفناء طيبك في الزمان الأطيب
فإذا بكيت فبك عمرك، إنه ... زجل الجناح يمر مر الكوكب
وأنشدته:
ولم أر مثلي ما له من معاصر، ... ولا كمضائي ما له من مضافر
ولو كان لي في الجو كسر أؤمه، ... ركبت إليه ظهر فتخاء كاسر
وهمت بإجهاش عل، وقد رأت ... بي في آثار إحدى الكبائر
فقلت لها: إن تجزعي من مخاطر، ... نك لن تحظي بغير المخاطر
شت ثمار الوفر مني، وإنها ... لدى كل مبيض العنانيز وافر
له في بياض اليوم يقظة فاجر، ... وتحت سواد الليل هجعة كافر
رويدك، حتى تنظري عم تنجلي ... غيابة هذا العارض المتناثر
ودون اعتزامي هضبة كسروية، ... من الحزم، سلمانية في المكاسر
إذا نحن أسندنا إليها، تبلجت ... مواردنا عن نيرات المصادر
وأنت، ابن حزم، منعش من عثارها ... إذا ما شرقنا بالجدود العوائر
وما جر أذيال الغنى نحو بيته كأروع معرور ظهور الجرائر
إذا ما تبغي نضرة العيش كرها، ... لدى مشرع للموت، لمحة ناظر
فسل من التأويل فيها مهندا ... أخو شافعيات كريم العناصر
لمعتزلي الرأي، ناء عن الهدى، ... بعيد المرامي، مستمين البصائر
يطالب بالهندي في كل فتكة ... ظهور المذاكي عن ظهور المنابر
وأنشدته:
وقالت النفس لما أن خلوت بها، ... أشكو إليها الهوى خلوا من النعم:
تام أنت على الضراء مضطجع، ... معرس في ديار الظلم والظلم؟
وفي السرى لك، لو أزمعت مرتحلا، ... برء من الشوق، أو برء من العدم
ثم استمرت بفضل القول تنهضي، ... فقلت: إني لأستحيي بني الحكم

(1/13)


--------------------------------------------------------------------------------

الملحفين رداء الشمس مجدهم، ... والمنعلين الثريا أخمص القدم
ألمت بالحب، حتى لو دنا أجلى، ... لما وجدت لطعم الموت من ألم
وزادني كرمي عمن ولهت به، ويلي من الحب، أو ويلي من الكرم
تخونتني رجال طالما شكرت ... عهدي، وأثنت بما راعيت من ذمم
لئن وردت سهيلا غب ثالثة، ... لتقرعن علي من ندم
هناك لا تبتغي غير السناء يدي، ... ولا تخف إلى غير العلى قدمي
حتى راني في أدني مواكبهم، ... على النعمامة شلالا من النعم
ريان من زفرات الخيل أوردها ... أمواه نيظة تهوي فيه باللجم
قدام من قوم وجدتهم ... أرعى لحق العلى من سالف الأمم
ففتح علي عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل:
طلع البدر علينا، ... فحسبناه لبيبا
والتقينا، فرأينا ... ه بعيدا وقريبا
فيا من إذا رام معنى كلامي، ... رأى نفسه نصب تلك المعاني
شكوت إليك صروف الزمان، ... فلم تعد أن كنت عون الزمان
وتقصر عن همتي قدرتي ... فيا ليتني لسوى من نماني
ولا غرو للحر، عند المضي ... ق، أن يتمنى وضيع الأماني
قلت: أخي قال: فمن القائل؟
صدود، وإن كان الحبيب مساعفا، ... وبعد، وإن كان المزار قريبا
وما فتئت تلك الديار حبائبا ... لنا، قبل أن نلقى بهن حبيبا
ولو أسعفتنا بالمودة في الهوى، لأدنين إلفا، أو شغلن رقيبا
وما كان يجفو ممرضي، غير أنه ... عدته العوادي أن يكون طبيبا
قلت: عمي. قال: فمن القائل؟
أتيناك، لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك، ولا قلب إليك مشوق
ولكننا زرنا بفضل حلومنا ... حمارا، تلقى برنا بعقوق
قلت: جدي. قال: فمن القائل؟
ويلي على أحور تياه، ... أحسن ما يلهوه به الللاهي
أقبل في غيد حكين الظبا، ... بيض تراق أفواه
يأمر فيهن وينهى، ولا ... يعصينه من آمر ناهي
حتى إذا أمكنني أمره، ... تركته من خيفة الله
قلت: جد أبي. قال: فمن القائل؟
ويح الكتابة من شيخ هبنقة، ... يلقى العيون برأس مخه رار
ومنتن الريح إن ناحيته أبدا ... كأنما مات في خيشومه فار
قلت: أنا قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضت لك أبدا، إني أراك عريقا في الكلام. ثم قل واضمحل حتى إن الخنفساء لتدوسه، فلا يشغل رجليها. فعجبت منه، وقلت لزهير: من هذا الجني؟ فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجل فبدرت من قفاه، هذا فرعون ابن الجون. فقلت: أعوذ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرجيم! فتبسم زهير وقال لي: هو تابعة رجل كبير منكم، ففهمتها عنه
الفصل الرابع
حيوان الجن
لغة الحمير
ومشيت يوما وزهير بأرض الجن أيضا نتقرى الفوائد ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء، تفنر عن بركة ماء، وفيها عانة من حمر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق فهي تصطك بالحوافر، وتنفخ من المناخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها وهاقها. فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه! فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بد أني بالتفدية، وحيتني بالتكنية. فقلت: ما الخطب، حمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك؟ قالت: شعران لحمار وبغل من عشاقنا اختلفنا فيها، وقد رضيناك حكما قلت: حتى أسمع. فقدمت إلي بغة شهباء، عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة وسخف الحركة، فقالت: أحد الشعرين لبغل من بغالنا وهو:

(1/14)


--------------------------------------------------------------------------------

على كل صب من هواه دليل: ... سقام على حر الجوى، ونحول
وما زال هذا الحب داء مبرحا، إذا ما اعترى بغلا فليس يزول
بنفسي التي أما ملاحظ طرفها ... فسحر، وأما خدها فأسيل
تعبت بما حملت من ثقل حبها، ... وإني لبغل للثقال حمول
وما نلت منها نائلا غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
والشعر الآخر لدكين الحمار:
دهيت بهذا الحب منذ هويث، ... وراثت إراداتي فلست أريث
كلفت بإلفي منذ عشرين حجة، ... يجول هواها في الحشا ويعيث
ومالي من برح الصبابة مخلص، ... ولا لي من فيض السقام مغيث
وغير منها قلبها لي نميمة، ... نماها أحم الخصيتين خبيث
وما نلت منها نائلا، غير أنني ... إذا هي راثت حيث تروث
ففضحك زهير، وتماسكت، وقلت للمنشدة: ما هويت؟ قالت: هو هويب، بلغة الحمير. فقلت: والله، إن للروث رائحة كريهة، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك وأشارت إلى العانة أن دكينا مغلوبا؛ ثم انصرفت قانعة راضية.
وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثم علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلة أبي عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلا، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقيت منك؟ قلت: ما ترين. قالت: شب عمرو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي، أهم على العهد؟ قلت: شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الخلان؛ ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفست الصعداء، وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود. بحرمة الأدب، إلا ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر.
الإوزة الأدبية
وكانت في البركة بقربنا إوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالة من دمقس الحرير، لم أر أخف من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صبا، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتلولب قمحدوتها، فترى الحسن مستعارا منها، والشكل مأخوذا عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتهم بالهور، ورضيتم من حاكمكم بغير الرضا.
فقلت لزهير: ما شأنها؟ قال: هي تابعة شيخ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها. فقلت: أيتها الإوزة الجميلة، العريضة الطويلة، أيحسن بجمال حدفتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر رأسك، مقابلة الضيف بمثل هذا الكلام، وتلقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال؟ وأنا الذي همت بالإوزة صبابة، واحتملت في الكلف بها عض كل مقالة؛ وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا واستهلك عليها الظرفاء منا، ورضيت بدلا من العصافير، ومتكلمات الزرازير، ونسيت لذة الحمام، ونقار الديوك، ونطاح الكباش.

(1/15)


--------------------------------------------------------------------------------

فدخلها العجب من كلامي، ثم رفعت وقد اعترتها خفة شديدة في مائها، فمرة سابحة، ومرة طائرة، تتغمس هنا وتخرج هناك، قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذناباها، وهي تطرب تطريب السرور؛ وهذا الفعل معروف من الإوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عنقها، وعرضت صدرها، وعلمت بمجدافيها، واستقبلتنا جائية كصدر المركب، فقالت: أيها الغار المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تحكم الأصول؟ ما الذي تحسن؟ فقلت: ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة. قالت: ليس عن هذا أسالك. قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. قالت حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان. قلت: لا جواب عندي غير ما سمعت. قالت: أقسم أن هذا منك غير داخل في باب الجدل. فقلت: وبالجدل تطلبيننا وقد عقدنا سلمه، وكفينا حربه، وإن ما رميتك به منه لأنفذ سهامه، وأحد حرابه، وهو من تعاليم الله. عز وجل، عندنا في الجدل في محكم تنزيله. قالت: أقسم أن الله ما علمك الجدل في كتابة قلت: محمول عنك أم خفيف، لا يلزم الإوزة حفظ أدب القرآن، قال الله، عز وجل، في محكم كتابه حاكيا عن نبيه إبراهيم، عليه السلام: " ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت " . فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال؛ ولكن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما لاحت له الواضحة القاطعة، رماه بها، وأضرب عن الكلام الأول، قال: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فلهت الذي كفر " وأنا لا أحسن غير ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة، فاهتزت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمت بالطيران. ثم اعتراها ما يعتري الإوز من الألفة وحسن الرجعة، فقدمت عنقها ورأسها إلينا نمشي نحونا رويدا، وتنطق نطقا متداركا خفيا، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذللت؛ على أني أحب الإوز وأستظرف حركاتها وما يعرض من سخافاتها.
ثم تكلمت بها مبسبسا، ولها مؤنسا، حتى خالتتنا وقد عقدنا سلمها وكفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلت: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزة، ودعيني من مثلهم في الحبارى؟ قالت: لا قلت: فتطلبي عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيبا، وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا.

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:02 AM   #45
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



صاحبا الجاحظ و عبد الحميد ( التوابع والزوابع ) / ابن شُهيد الأشجعي

فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: مل بي إلى الخطباء، فقد قضيت وطرا من الشعراء. فركضنا حينا طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارسا أسر إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.
وانتهينا إلى المرج فإذا بناد عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام. فردوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع، جاحظ العين اليمنى، على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة. فقلت سرا لزهير: من ذلك؟ قال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرفه صغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغزى بالسجع، فكلامك نظم لا نثر.
فقلت في نفسي: قرعك، بالله، بقارعته، وجاءك بمماثلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزك الله، مني جهلا بأمر السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرا أن أحركهم بالازدواج. ولو فرشت للكلام فيهم طولقا، وتحركت لهم حركة مشولم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.

(1/7)


--------------------------------------------------------------------------------

فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لحاء الشجر، وليش ثم ثمر ولا عبق. قال لي: صدقت، إني أراك قد ماثلت معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدي إليه طريق، ولا للبيان عليه سمة. إنما هي لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. فصاح: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها! ارمهم يا هذا بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكرا فيهم. وما أراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم.
فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه: لا يغرنك منه، أبا عيينة، ما تكلف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة. ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه في ميدان البيان، لصلى كودنه وكل برثنه. وما أراه إلا من اللكن الذين ذكر، وإلا فما للفصاحة لا تهدر، ولا للأعرابية لا تومض؟ فقلت في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقه، ورب الكعبة! فقلت له: لقد عجلت، أبا هبيرة، - وقد كان زهير عرفني بكنيته - إن قوسك لنبع، وإن سهمك لسم، أحمارا رميت أن إنسانا، وقعقعة طلبت أم بيانا؟ وأبيك، إن البيان لصعب، وإنك منه لفي عباءة تتكشف عنها أستاه معانيك، تكشف است العنز عم ذنبها. الزمان دفء لا قر، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى الضب على ماضغيك. فتبسم إلي وقال: أهكذا أنت يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإن التيس ما علمت! فصاح به أبو عيينة: لا تعرض له، وبالحرا أن تخلص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافية لو كان له جحر. فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأت رسالتي في صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها.
رسالة الحلواء
ومن رسالتي في الحلواء حيث أقول: خرجت في لمة من الأصحاب، وثبة من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلواء فاستخفه الشره، واضطرب به الوله، فدار قس ثيابه، وأسال من لعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج فقال: بأبي هذا اللمص، انظروه كأنه الفص؛ مجاجة الزنابير، أجريت على شوابير، وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ريق الأحبة.
ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ. ثم ابيض، قالوا بماء البيض البض، قال غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب! ولمح القبيطاء، فصاح: بأبي نقرة الفضة البيضاء، لا ترد عن العضة. أبنار طبخت أم بنور؟ فإني أراها كقطع البدور؛ وبلوز عجنت أم بجوز؟ فإني أراها عين عجين الموز. وموشى إليها وقد عدل صاحبها بدرهمين، وانتهشها بالنابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هية! ويل للمرء من فيه! ورأى الزلابية، فقال: ويل لأمها الزانية، أبأحشائي نسجت، أم من صفاق قلبي ألفت؟ فإني أجد مكانها من نفسي مكينا، وحبل هواها على كبدي متينا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح: الثعبان الثعبان! ورفع له تمر النشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلا السحار، وما جزاؤكم إلا السيف والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصا، يذري الدموع، ويبدي الخشوع. وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد. فرقت له ضلوعي، وعلمت أن فيه غير مضيعي. وقد تجمل الصدقة على ذوي وفر، وفي كل ذي كبد رطبة أجر. فأمرت الغلام بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضروبها التي أضرعته، وجاء بها وسرنا إلى مكان خال طيب، كوصف المهلبي:

(1/8)


--------------------------------------------------------------------------------

خان تطيب لباغي النسك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع؛ فجعل يقطع ويبلغ، ويدحوا فاه ويدفع، وعيناه تبصان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان، وأنا أقول له: على رسلك أبا فلان! البطنة تذهب الفطنة! فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريح عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظريان، وصدق الخبر فيه العيان: نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفخ هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إن لسجعك موضعا من القلب، ومكانا من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تجازى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدهم عليك؟ قلت: جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به في سرقسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ قلت: أجل قالا: فأين بلغت فيهم؟ قلت: أما أبو محمد فانتضى علي لسانه عند المستعين، وساعدته زراقة استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدته شعرا، منه:
وبلغت تجيش صدورهم ... علي؛ وإني منهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزا، ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره؛ ... وقال فريق: أيمن الله، ما ندري
أما علموا أني إلى العلم طامح، ... وأني الذي سبقا على عرقه يجري؟
وما كل من قاد الجياد يسوسها؛ ... ولا كل من أجرى يقال له: مجري
فمن شاء فليخبر فإني حاضر، ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر
وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانه من نفسي مكين، وحبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حامل علي، ومنتسب إلي.

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:03 AM   #46
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



شيطان امرئ القيس ( التوابع والزوابع ) / ابن شُهيد الأشجعي

(1/1)

تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء، وما كان يألفهم من توابع والزوابع، وقلت: هل حيلة في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا. وطار عني ثم انصرف كلمح بالبصر، وقد أذن له، فقال: حل على متن الجواد. فصرنا عليه؛ وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدو فالدو، حتى التمحت أرضا لا كأرضنا، وشارفت جوا لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر؛ فقال لي: حللت أرض الجن أبا عامر، فبمن تريد أن نبدأ؟ قلت: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشواق. قال: فمن تريد منهم؟ قلت: صاحب امرئ القيس. فأما العنان إلى واد من الأدوية ذي دوح تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره، فصاح: يا عتيبة بن نوفل، بسقط اللوى فحومل، ويم دارة جلجل، إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرفتنا كيف إجازتك له! فظهر لنا فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك أهذا فتاهم؟ قلت: هو هذا، وأي جمرة يا عتيبة! فقال لي: أنشد؛ فقلت: السيد أولى بالإنشاد. فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وقبض عنان الشقراء وضربها بالسوط، فسمت تحضر طولا عنا، وكر فاستقبلنا بالصعدة هازا لها، ثم ركزها وجعل ينشد:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا ...
حتى أكملها ثم قال: لي: أنشد؛ فهمت بالحيصة، ثم اشتدت قوى نفسي وأنشدت:
شجته معان من سليمى وأدؤر ...
حتى انتهيت فيها إلى قول:
ومن قبة لا يدرك الطرف رأسها ... تزل بها ريح الصبا فتحدر
تكلفتها والليل قد جاش بحره، وقد جعلت أمواجه تتكسر
ومن تحت حضني أبيض ذو سفاسق، ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعا، ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى، وذا غصن في الكف يجنى فيثمر
فلما انتهيت تأملني عتيبة ثم قال: اذهب أجزتك. وغاب عنا.
شيطان طرفة
فقال لي زهير: من تريد بعد؟ قلت: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضة شجرها شجران: سام يفوح بهارا، وشحر يعبق هنديا وعارا. فرأينا عينا معينة تسيل، ويدور ماءها فلكيا ولا يحل. فصاح به زهير: يا عنتر بن العجلان، حل بك زهير وصاحبه، فبخولة، وما قطعت معها من ليلة، إلا ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكب جميل الوجه، قد توشح السيف، واشتمل عليه كساء خز، وبيده خطي، فقال: مرحبا بكما! واستنشدني فقلت: الزعيم أولى بالإنشاد؛ فأنشد:
لسعدى بحزان الشريف طلول ...
حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
أمن رسم دار بالعقيق محيل ...
حتى انتهيت إلى قولي:
ولما هبطنا الغيث تذعر وحشه ... على كل خوار العنان أسيل
وثارت بنات الأعوجيات بالضحى ... أبابيل، من أعطاف غير وبيل
مسومة نعتدها من خيارها، ... لطرد قنيص، أو لطرد رعيل
إذا ما تغنى الصحب فوق متونها ... ضحينا، أجابت تحتهم بصهيل
تدوس بها أبكار نور كأنه ... رداء عروس أوذنت بحليل
رمينا بها عرض الصوار فأقعصت ... أغن قتلناه بغير قتيل
وبادر أصحابي النزول، فأقبلت ... كراديس من غض الشواء نشيل
نمسح بالحوذان منه، ... إذا ما اقتنصنا منه غير قليل
فقلنا لسلقيها: أدرها سلافة ... شمولا، ومن عينيك صرف شمول
فقالم بكأسيه مكيعا لأمرنا، ... يميل به الإدلال كل مميل
وشعشع راحيه، فما زال مائلا ... برأس كريم منهم وتليل

(1/2)


--------------------------------------------------------------------------------

إلى أن ثناهم راكدين، لما احتسوا، ... خليعين من بطش وفضل عقول
نشاوى على الزهراء، صرعى كأنهم ... أساكين قصر، أو جذوع نخيل
فصاح عنتر: لله أنت! اذهب مجاز. وغاب عنا. ثم ملنا عنه.
شيطان قيس بن الخطيم
فقال لي زهير: إلى من تتوق نفسك بعد من الجاهليين؟ قلت: كفاني من رأيت؛ اصرف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حينا، ويشتد في إثرنا فارس كأنه الأسد، على فرس كأنها العقاب، وهو في عدوه ذلك ينشد:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر، ... لها نفذ، لولا الشعاع، أضاءها
فاستربت منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطار صاحب قيس ابن الخطيم. فاستبى لبي من إنشاده البيت، وازددت خوفا لجرأته، وأننا لم نعرج عليه. فصرف إليه زهير وجه الأدم، وقال: حياك الله أبا الخطار! فقال: أهكذا يحاد عن أبي الخطار، ولا يخطر عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأقسم أنك إن لم تجد ليكونن يوم شر. فأنشدته قولي من قصيدة: منازلهم تبكي إليك عفاءها ومنها:
خليلي عوجا، بارك الله فيكما، ... بدارتها الأولى نحي فناءها!
فلم أر أسرابا كأسرابها الدمى، ... ولا ذئب مثل قد رعى، ثم شاءها
ولا كضلال كان أهدى لصبوتي، ... ليالي يهديني الغرام خباءها
وما هاج هذا الشوق إلا حمائم، ... بكيت لها لما سمعت بكاءها
عجبت لنفسي كيف ملكها الهوى، ... وكيف استفز الغانيات إباءها؟
ولو أنني أنحت علي أكارم؛ ... ترضيت بالعرض الكريم جزاءها
ولكن جرذان الثغور رمينني، ... فأكرمت نفسي أن تريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيت رابيا ... بحاجة نفس ما حربت خزاءها
هززتك في نصري ضحى فكأنني ... هززت، وقد جئت الجبال، حراءها
نقضت عرى عزم الزمان، وإن عتا، ... بعزمة نفس لا أريد بقاءها
فلما انتهيت تبسم وقال: لنعم ما تخلصت! اذهب فقد أجزتك.
صاحب أبي تمام
ثم انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء يتفجر من أصلها عين كمقلة حواء. فصاح زهير: يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الكالع، وبالرقعة المفكوكة الطابع، إلا ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعدا إلينا من قعرها حتى استوى معنا فقال: حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! فقلت: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب؟ قال: حيائي من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه. فصحت: ويلي منه؛ كلام محدث ورب الكعبة! واستنشدني فلم أنشده إجلالا له، ثم أنشدته:
أبكيت، إذ طعن الفريق، فراقها ...
حتى انتهيت فيها إلى قولي:
إن امرؤ لعب الزمان بهمتي، ... وسقيت من كأس الخطوب دهاقها
وكبوت طرفا في العلى، فاستضكت ... حمر الأنام، فما تريم نهاقها
وإذا ارتمت نحوي المنى لأنالها، ... وقف الزمان لها هناك فعاقها
وإذا أبو يحيى تأخر نفسه، ... فمتى أؤمل في الزمان لحاقها؟
فلما انتهيت قال: أنشدني من رثائك. فأنشدته:
أعينا امرأ نزحت عينه، ... ولا تعجبا من جفون جمادى
إذا القلب أحرقه بثه، ... فإن المدامع تلو الفؤاد
يود الفتى منهلا خاليا، ... وسعد المنية في كل واد
ويصرف للكون ما في يديه، ... وما الكون إلا نذير الفساد
لقد عثر الدهر بالسابقين، ... ولم يعجز الموت ركض الجواد
لعمرك ما رد ريب الردى ... أريب، ولا جاهد باجتهاد

(1/3)


--------------------------------------------------------------------------------

سهام المنايا تصيب الفتى، ... ولو ضربوا دونه بالسداد
أصبن، على بطشهم، جرهما، ... وأصمين، في دارهم، قوم عاد
وأقصعن كلبا على عزه، ... فما اعتز بالصافنات الجياد
إلى أن انتهيت فيها إلى قولي:
ولكنني خانني معشري، ... وردت يفاعا وبيل المراد
وهل ضرب السيف من غير كف؟ وهل ثبت الرأس في غير هاد؟
فقال: زدني من رثائك وتحريضك، فأنشدته:
أفي كل عام مصرع لعظيم؟ ... أصاب المنايا حادثي وقديمي
هوى قمرا قيس بن عيلان آنفا، ... وأوحش من كلب مكان زعيم
فكيف لقائي الحادثات إذا سطت، ... وقد فل سيفي منهم وعزيمي؟
وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوء نجوم؟
مضى السلف الوضاح إلا بقية، ... كغرة مسود القميص بهيم
ومنها:
رميت بها الآفاق عني غريبة، ... نتيجة خفاق الضلوع كظيم
لأبدي إلى أهل الحجى من بواطني، ... وأدلي بعدر في ظواهر لوم
أنا السيف لم تتعب به كف ضارب، ... صروم إذا صادفت كف صروم
سعيت بأحرار الرجال، فخانني ... رجال، ولم أنجد بجد عظيم
وضيعني الأملاك بدءا وعودة، ... فضعت بدار منهم وحريم
فقال: إن كنت ولا بد قائلا، فإذا دعتك نفسك إلى القول فلا تكد قريحتك، فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل. ونقح بعد ذلك، وتذكر قوله:
وجشمني خوف ابن عفان ردها، ... فثقفتها حولا كريتا ومربعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة، ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا
وما أنت إلا محسن على إساءة زمانك. فقبلت على رأسه، وغاص في العين.
صاحب البحتري
ثم قال لي زهير: من تريد بعده؟ قلت: صاحب أبي نواس؛ قال: هو بدير حنة منذ أشهر، قد علبت عليه الخمر، ودير حنة في ذلك الجبل. وعرضه علي، فإذا بيننا وبينه فراسخ. فركضنا ساعة وجزنا في ركضنا بقصر عظيم قدامه ناورد يتطارد فيه فرسان، فقلت: لمن هذا القصر يا زهير؟ قال: لطوق بن مالك؛ وأبو الطبع صاحب البحتري في ذلك الناورد، فهل لك في أن تراه؟ قلت: ألف أجل، إنه لمن أساتيذي،، وقد كنت أنسيته. فصاح: يا أبا الطبع! فخرج فتى على فرس أشعل، وبيده قناة، فقال له زهير: إنك مؤتمنا؛ فقال: لا، صاحبك أشمخ مارنا من ذلك، لولا أنه ينقصه. قلت: أبا الطبع على رسلك، إن الرجال لا تكال بالقفزان. أنشدنا من شعرك. فأنشد:
ما على الركب من وقوف الركاب ...
حتى أكملها، ثم قال: هات إن كنت قلت شيئا. فأنشدته:
هذه دار زينب والرباب ...
حتى انتهيت فيها إلى قولي:
وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى، ... وأتى الصبح قاطع الأسباب
فكأن النجوم في الليل جيش ... دخلوا للكمون في جوف غاب
وكأن الصباح قانص طير ... قبضت كفه برجل غراب
وفتو سروا وقد عكف اللي ... ل وأرخى مغدودن الأطناب
وكأن النجوم لما هدتهم ... أشرقت للعيون من آداب
يتقرون جوز كل فلاة، ... جنح ليل، جوزاؤه من ركابي
عن ذكري لمدلحيهم، فتاهوا ... من حديثي في عرض أمر عجاب
همة في السماء تسحب ذيلا، ... من ذيول العلى، وجد كاب
ولو أن الدنيا كرينة نجر، ... لم تكن طعمة لفرس الكلاب
جيفة أنتنت فطار إليها، ... من بني دهرها، فراخ الذباب
ومنها:

(1/4)


--------------------------------------------------------------------------------

من شهيد في سرها، ثم من أش ... جع في السر من لباب اللباب
خطباء الأنام، إن عن خطب، ... وأعاريب في متون عراب
حتى أكملتها. فكأنما غشى وجه أبي الطبع قطعة من الليل. وكر راجعا إلى ناورده دون أن يسلم. فصاح به زهير: أأجزته؟ قال: أجزته، لا بورك فيك من زائر، ولا في صاحبك أبي عامر!

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:05 AM   #47
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



صاحب أبي نواس ( التوابع والزوابع ) / ابن شُهيد الأشجعي

فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قننه، وسرنا حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة، فشق سمعي قرع النواقيس، فصحت: من منازل أبي نواس، ورب الكعبة العلياء! وسرنا نجتاب أديارا وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتصوك نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلام على أهل دير حنة! فقلت لزهير: أوهل صرنا بذات الأكيراج؟ قال: نعم. وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير، قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مكثرين للتسبيح، عليهم هدي المسيح. فقالوا: أهلا بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر! ما بغيتك؟ قال: حسين الدنان. قالوا: إنه لفي شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاؤوا بنا إلى بيت قد اصطفت دنانه، وعكفت غزلانه، وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة، وحواليه صبية كأظب تعطو إلى عرارة. فصاح به زهير: حياك الله أبا الإحسان! فجاوب بجواب لا يعقل لغلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرع أذن نشوته بإحدى خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك. فصحت أنشد من كلمة لي طويلة:
ولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزقاق تكاءهم، ... متصاغرين تخشعا لكبيره
والى علي بطرفه وبكفه، ... فأمال من رأسي لعب كبيره
وترنم الناقوس عند صلاتهم، ... ففتحت من عيني لرجع هديره
يهدي إلينا الراح كل معصفري، ... كالخشف خفره التماح خفيره
فصاح من حبائل نشوته: أأشجعي؟ قلت: أنا ذاك! فاستدعى ماء قراحا، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إلي من حال. فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله لمكانه من العلم والشعر. فقال لي: أنشد، أو حتى أنشدك؟ فقلت: إن ذلك لأشد لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمحسن إحسان. فأنشد:
يا دير حنة من ذات الأكيراح، ... من يصح عنك فأني لست بالصاحي
يعتاده كل محفوف مفارقه ... من الدهان، عليه سحق أمساح
لا يدلفون إلى ماء بآنية، ... إلا اغترافا من الغدران بالراح
فكدت والله أخرج من جلدي طربا، ثم أنشد:
طرحتم من الترحال أمرا فغمنا
وأنشد أيضا:
لمن دمن تزداد طيب نسيم، ... على طول ما أقوت، وحسن رسوم
تجافى البلى عنهم حتى كأنما ... لبسن، من الإقواء، ثوب نعيم
واستمر فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشد. فقلت: وهل أبقيت للإنشاد موضعا؟ قال: لا بد لك، وأوعث بي ولا تنجد. فأنشدته:
أصباح شيم أم برق بدا، ... أم سنا المحبوب أورى أزندا
هب من مرقده منكسرا، ... مسبلا للكم، مرخ للردا
يمسح النعسة من عيني رشا، ... صائد في كل يوم أسدا
قلت: هب لي يا حبيبي قبلة، ... تشف من عمك تبريح الصدى
فانثنى يهتز من منكبه، ... قائلا: لا! ثم أعطاني اليدا
كلما كلمني قبلته، ... فهو إما قال قولا رددا
كان أن يرجع، من لثمي له ... وارتشافي الثغر منه، أدردا
قال لي يلعب: خذ لي طائرا، ... فتراني الدهر أجري بالكدى

(1/5)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا استنجزت يوما وعده، ... قال لي يمطل: ذكرني غدا
شربت أعطافه خمر الصبا، ... وسقاه الحسن حتى عربدا
وإذا بت به، في روضة، ... أغيدا يعرو نباتا أغيدا
قام في الليل بجيد أتلع، ... ينقض اللمة من دمع الندى
رشأ، بل غادة ممكورة، ... عممت صبحا بليل أسودا
أححت من عضتي في نهدها، ... ثم عضت حر وجهي عمدا
فأنا المجروح من عضتها، ... لا شفاني الله منها أبدا!
فلما انتهيت قال: لله أنت! وإن كان طبعك مخترعا منك؟ ثم قال لي: أنشدني من رثائك شيئا؟ فأنشدته من قولي في بنية صغيرة:
أيها المعتد في أهل النهى، ... ولا تذب، إثر فقيد، ولها
حتى انتهيت إلى قولي:
وإذا الأسد حمت أغيالها، ... لم يضر الخيس صرعات المها
وغريب يا ابن أقمار العلا، ... أن يراع البدر من فقد السها
فلما انتهيت قال لي: أنشدني من رثائك أشد من هذا وأفصح. فأنشدته من رثائي في ابن ذكوان. ثم قال: أنشدني جحدريتك من السجن؛ فأنشدته:
قريب بمحتبل الهوان بعيد ...
حتى انتهيت فيها إلى قولي:
فإن طال ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الكلام سعيد
وهل كنت في العشاق أول عاشق، ... هوت بحجاه أعين وخدود؟
فمن مبلغ الفتيان أني بعدهم ... مقيم بدار الظالمين طريد
ولست بذي قيد يرق، وإنما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود
فبكى لها طويلا. ثم قال: أنشدني قطعة من مجونك، فقد بعد عهدي بمثلك. فأنشدته:
وناظرة تحت طي القناع، ... دعاها إلى الله والخير داع
سعت بابنها تبغي منزلا، ... لوصل التبتل، والانقطاع
فجاءت تهادى كمثل الرؤوم، ... تراعي غزالا بأعلى يفاع
أتتنا تبختر في مشيها، ... فحلت بواد كثير السباع
وريعت حذارا على طفلها، ... فناديت: يا هذه لا تراعي!
فولت وللمسك من ذيلها، ... على الأرض، خط كطهر الشجاع
فلما سمع هذا البيت قام يرقص به ويردده، ثم أفاق، ثم قال: هذا والله شيء لن نلهمه نحن، ثم استدناني فدنوت منه فقبل بين عيني، وقال: اذهب فإنك مجاز. فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل.
صاحب أبي الطيب
فقال لي زهير: ومن تريد بعد؟ قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيب؛ فقال: اشدد له حيازيمك، وعطر له تسمك، وانثر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريق، فجعل يركض بنا، وزهير يتأمل آثار فرس لمحناها هناك؟ فقلت له: ما تتبعك لهذه الآثار؟ قال: هي آثار فرس حارثة بن المغلس صاحب أبي الطيب، وقصدي هو صاحب قنص. فلم يزل يتقراها حتى دفعنا إلى فارس على فرس بيضاء كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء قد أرخى لها عذبة صفراء. فحياه زهير، فأحسن الرد ناظرا من مقلة شوساء، قد ملئت تيها وعجبا. فعرفه زهير قصدي، وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول؛ قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفرة غير قاطعة. قال: فأنشدني؛ وأكبرته أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أولها:
أبرق بدا أم لمع أبيض قاصل ...
حتى انتهيت إلى قولي:
تردد فيها البرق حتى حسبته ... يشير إلى نجم الربى بالأنامل
ربى نسجت أيدي الغمام للبسها ... غلائل صفرا، فوق بيض غلائل
سهرت بها أرعى النجوم وأنجما ... طوالع للراعين، غير أوافل
وقد فغرت فاها بها كل زهرة، ... إلى كل ضرع للغمامة حافل

(1/6)


--------------------------------------------------------------------------------

ومرت جيوش المزن رهوا، كأنها ... عساكر زنج مذهبات المناصل
وحلقت الخضراء في غر شهبها، ... كلجة بحر كللت باليعالل
تخال بها زهر الكواكب نرجسا، ... على شط واد للمجرة سائل
وتلمح من جوزائها في غروبها ... نساقط عرش واهن الدعم مائل
وتحسب صقرا واقعا دبرانها، ... بعش الثريا فوق حمر الحواصل
وبدر الدجى فيها غديرا، وحوله ... نجوم كطلعات الحمام النواهل
كأن الدجى همي، ودمعي نجومه، ... تحدر إشفاقا لدهر الأراذل
هوت أنجم العلياء إلا أقلها، ... وغبن بما يحظى به كل عاقل
وأصبحت في خلف إذا ما لمحتهم ... تبينت أن الجهل إحدى الفضائل
وما طاب في هذي البرية أخر، ... إذا هو لم ينجد بطيب الأوائل
أرى حمرا فوق الصواهل جمة، ... فأبكي بعيني ذبل تلك الصواهل
وربت كتاب إذا قيبل: زوروا، ... بكت من تأنيهم صدور الرسائل
وناقل فقه لم ير الله قلبه، ... يظن بأن الدين حفظ المسائل
وحامل رمح راح، فوق مضائه، ... به كاعبا في الحي ذات مغازل
حبوا بالمنى دوني، وغودرت دونهم ... أرود الأماني في رياض الأباطل
وما هي إلا همة أشجعية، ... ونفس أبت لي من طلاب الرذائل
وفهم لو البرجيس جئت بجده، ... إذا لتلقاني بنحس المقاتل
ولما طما بحر البيان بفطرتي، ... وأغرق قرن الشمس بعض جداولي
رحلت إلى خير الورى كل حرة ... من المدح، لم تخمل برعي الخمائل
وكدت لفضل القول أبلغ ساكتا، ... وإن ساء حسادي مدى كل قائل
فلما انتهيت قال: أنشدني أشد من هذا. فأنشدته قصيدتي:
هاتيك دارهم فقف بمعانها ...
فلما انتهيت، قال لزهير: إن امتد به طلق العمر، فلا بد أن بنفث بدرر، وما أراه إلا سيحتضر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصه على مفرق البدر. فقلت: هلا وضعته على صلعة النسر؟ فاستضحك إلي وقال: اذهب فقد أجزتك بهذه النكتة. فقبلت على رأسه وانصرفنا.

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:09 AM   #48
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



من شِعر ابن شُهيد الأشجعي

سهر الحيا برياضها = فأسالها والنور نائم
حتى غدت زهراتها = كالغيد باللجج العوائم
من ثيبات لم تبل = كشف الخدود ولا المعاصم
وصغار أبكار شكت =خجلاً فعاذت بالكمائم
وردٌ كما خجلت خدود = العين من لحظات هائم
وشقيق نعمان شكت = صفحاته من لط لاطم
وغصون أشجار حكت = رقص المآتم للمآتم
بكر الحسان يردنها = من كل واضحة الملاغم
وضحكن عجباً فالتقت = فيها المباسم بالمباسم
ضحكت وأومض بارقٌ = فظللت للبرقين شائم
وتشوفت فتطامنت = أجياد أبيها الحوائم
ورنت فبادر نرجس = يشكو عماه إلى حمائم
طارتهن بفتية = حُرد على حرب المسالم
وكأنني فيهم لقيط = قاد من أحياء دارم
وتكاوست فيها الأبارق= وهي فهقة الحلاقم
وكأنها أظب رعفن = فئرن دامية الخياشم
وجرى بها فلك الصبا = باللهو والقضب اللوائم
وكأننا فيها العفاريت = والكؤوس من الرواجم
وعلى بنا سكر أبى = إلا الإنابة للمحارم
نرمي قلانسنا له = ونجر من عذب العمائم
وترنمت فيها القيان = لنا ورجعَّت البواغم
قمنا نصفق بالأكف = لها ونرقص بالجماجم

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 09-22-2010, 05:10 AM   #49
أديب وشاعر/المدقق اللغوي للعروبة
 
الصورة الرمزية عماد تريسي
 
بيانات :-




عماد تريسي is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS


افتراضي رد: قطوف من الأدب العربي



من شِعر ابن شُهيد الأشجعي

سهر الحيا برياضها = فأسالها والنور نائم
حتى غدت زهراتها = كالغيد باللجج العوائم
من ثيبات لم تبل = كشف الخدود ولا المعاصم
وصغار أبكار شكت =خجلاً فعاذت بالكمائم
وردٌ كما خجلت خدود = العين من لحظات هائم
وشقيق نعمان شكت = صفحاته من لط لاطم
وغصون أشجار حكت = رقص المآتم للمآتم
بكر الحسان يردنها = من كل واضحة الملاغم
وضحكن عجباً فالتقت = فيها المباسم بالمباسم
ضحكت وأومض بارقٌ = فظللت للبرقين شائم
وتشوفت فتطامنت = أجياد أبيها الحوائم
ورنت فبادر نرجس = يشكو عماه إلى حمائم
طارتهن بفتية = حُرد على حرب المسالم
وكأنني فيهم لقيط = قاد من أحياء دارم
وتكاوست فيها الأبارق= وهي فهقة الحلاقم
وكأنها أظب رعفن = فئرن دامية الخياشم
وجرى بها فلك الصبا = باللهو والقضب اللوائم
وكأننا فيها العفاريت = والكؤوس من الرواجم
وعلى بنا سكر أبى = إلا الإنابة للمحارم
نرمي قلانسنا له = ونجر من عذب العمائم
وترنمت فيها القيان = لنا ورجعَّت البواغم
قمنا نصفق بالأكف = لها ونرقص بالجماجم

 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
.
.



لأنَّ الحزن هو أبو الوحي , فإنني لا زلتُ أبرّه !
فإن ذوتْ سنابله , رويتُه باستذكار جرحٍ آخر .


صفحتي على الفيس بوك


صفحتي على تويتر


.....
عماد تريسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صورة العربي في الأدب الفارسي د.فراس عدنان مـكـتـبة العروبة للكتب والروايات 2 03-02-2010 01:13 PM
موجزعن أطوار ومراحل تطور الأدب العربي حيان حسن منتدى البلاغة والنقد والدراسات الأدبية 0 07-30-2009 09:19 PM
إخترتُ لكم ... من الأدب العربي فنار عبد الغني مكتبة العروبة المتنوعة 5 07-20-2009 02:45 AM
تاريخ الأدب العربي د.فراس عدنان منتدى البلاغة والنقد والدراسات الأدبية 4 05-29-2009 07:37 PM
روايات الأدب الغربي أمـل زيدان Poetry and song Lyrics & various works 19 03-05-2009 11:39 AM


الساعة الآن 01:18 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
TRAN. By GT4HOST.com