حكايات من الريف ... بقلم محمد فتحي المقداد
( كل خميس .. يأكلون اللحم )
أبو ذيب رجل ذو قامة فارعة , واسع العينين , متوسط
سمرة البشرة , ووجهه الذي تغضّن من عوامل السنين
التي بلغ منها ما يناهز الستين .
يزهو بشاربه الكث , الذي يغلب عليه السواد , ما عدا بضع
شعيرات نوّرته بالبياض .
وهو يناحر بالشباب الذين يصغرونه بعشرين عاماً أو أكثر
ويباهي بعضلاته المفتولة , حتى أنه يسحتثهم على منازلته في مكاسرة السواعد , ليثبت أنه دائم الشباب رغم
ما بلغ من العمر .
هذا الرجل اسمه ( اشتيوي ) ولكن لم يعرف أحد من أهل
القرية اسمه , إلاّ القليل ممن هم في مثل سنّه أو أكبر قليلاً
وقد عرفه الجميع بلقبه أبو ذيب , وهو يعمل بأرضه وهذا
العمل يستغرق منه معظم ساعات اليوم , الذي تكون بداية
العمل فيه بعد صلاة الفجر , حيث يركب حماره ويحمل المحراث الخشبي على كتفيه , ويمسك بيده رَسَنْ البغل الذي يمشي وراءه منطلقاً إلى الحقول المجاورة للقرية
فيحرثها ويبذرها متوكلاً على الله , ويعود في المساء
قبيل الغروب , فيغسل بدنه الذي أثقله التعب , ويتناول
طعام العشاء مع زوجته وأولاده الثلاثة وابنتيه .
ويذهب إلى المسجد لأداء صلاة العشاء , ثم يعود للنوم
ليعاود القيام إلى صلاة الفجر , ومن ثم ينطلق إلى حيث
يذهب كل يوم دون كلل أو ملل .
وفي أحد الأيام , بينما أبو ذيب في المسجد بعد أن أدى
فريضة العشاء وقام متوجهاً إلى باب المسجد , وإذ به
يتمايل مترنحاً ويهوي إلى الأرض , بعد أن أصابته دوخة
في رأسه, وفقد توازنه ولم يقو على الصمود , وخارت قواه التي كان يتباهى بها , تراكض المصلّون وتحلّقوا
حوله , بينما أحضر أحدهم كوب ماء , وناوله لشخص عند
رأس أبي ذيب , وطلب منه أن يرش قليلاً منه على وجه
الرجل لكي ينتعش , وتذهب عنه الغمّة , صحا قليلاً , وسألوه : ما بك , يا أبو ذيب ؟
أجابهم : لا شيء , سوى أنني أشعر أن المسجد يدور بي .
ردوا عليه : بسيطة , ما زلت شباباً .
بعد نصف ساعة على هذه الحال , هدأت أموره , وحاول
القيام بعد أن استردّ شيئاً من عافيته , وقف , ولكنه ترنح
متمايلاً , وأسنده من كان بقربه وحال دون سقوطه إلى الأرض , لكنهم وضعوه على الأرض , على بساط لكي
ينقلوه إلى بيته , وحمل من كل جهة رجل , وساروا حتى
وصلوا به البيت , حيث خرجت أم ذيب تبكي وتولول جزعاً
من منظر زوجها المحمول على البساط .
وأرسلوا لشيخ كان في القرية , مشهوراً بالمداواة ,
بالأعشاب والرقى والتمائم والأحجبة , حضر الشيخ , جلس
عند رأس المريض ,وأحرق قليلاً من البخور, وبدأ يقرأ عليه شيئاً من القرآن وأشياء لم يُفهم منها شيء
وبعدانتهائه
من القراءة , سألوه : ما به يا شيخ ؟
الشيخ : بسيطة , قد تلبسّه الجن , وهو بحاجة لأن أكتب له
حجاباً , بعد أن أعود لبيتي , وسألهم : عن اسمه واسم أمه
فقالوا له :اسمه أبو ذيب .
قال : هذا لقبه , لكن ما هو اسمه ؟
احتاروا وأول مرة يتعرضون لمثل هذا السؤال الصعب
وسألوه : أبو ذيب , شو اسمك ؟
فردّ : ها .... وشرد قليلاً , وتذكر أن اسمه ( اشتيوي)
فأخبرهم به واسم أمه ( بلشة), تعجب الحضور حتى أولاده
قام الشيخ إلى بيته ويرافقه ذيب , وبعد وصوله أحضر الكتاب القديم ذو الورق الأصفر المائل للحمرة قليلاً , وقد
انمحي غلافه من كثرة الاستعمال والتداول اليومي , وجاء
بورقة وبدأ يكتب عليها الطلاسم ممزوجة بالآيات القرآنية
بعد أن انتهى , طوى الورقة بشكل مثلث , وربطها بخيط بعد
أن ومسحها بالشمع لكي لا يفتحها أحد وبالتالي يكون قد
فسد العمل , و ناولها لذيب مع وأوصاه أن يعلقها برقبة
أبيه , ويشرب البابونج والنعناع .
رجع ذيب للبيت , وناول الحجاب لأبيه الذي علّقه برقبته
وبقي على هذا الحال ثلاثة أيام بلياليهن , ولم يطرأ عليه
التحسن . وأخيراً اتفقوا على أخذه إلى المشفى في مركز
المحافظة, وفي الصباح الباكر أركبوه على الحمار على يوصلوه إلى موقف السيارات ,وعند وصلوهم المكان أنزلوه عن الحمار وحملوه فيما بينهم ووضعوه داخل السيارة , وتحركت فور اكتمال العدد من الركاب , ووصلوا
المدينة ,وذهبوا للمشفى وأدخلوه , وبعد لحظات حضر الطبيب للكشف عليه , وبعد قياس الضغط والحرارة وأخذ عينات من الدم للتحليل , فحص الأذان حيث تبين أنه مصاب
بالتهاب حاد واحتقان في الأذنين , ولكن تمهل بكتابة الوصفة الطبية , حتى تخرج نتيجة التحاليل , جاءت النتيجة إلى الطبيب , كانت المفاجأة , والطبيب يهز برأسه .
- دخيلك يا دكتور, خبرنا .
- إنه يعاني من فقر الدم الحاد .
- شو السبب , يا دكتور .
- سوء التغذية , ويجب أن يأكل اللحم والدسم .
ردّ أبو ذيب : والله يا دكتور , كل خميس آكل لحم .
- الطبيب : والله غريب , كل خميس تأكل اللحم وعندك فقر دم .
- رد أخو أبو ذيب : يعني , يا دكتور خميس الأموات .
- ما هو خميس الأموات ؟
- ردوا عليه : أحد أيام السنة يكون يوم خميس , يذبح
فيه الناس تقرباً إلى الله وصدقة عن أرواح أمواتهم .
- هز الطبيب رأسه بتعجب واستغراب , كل خميس !!
يا جماعة على الأقل تناول اللحم كل أسبوع مرة واحدة
وكتب له وصفة بالعلاج مع الطعام المغذي الذي يجب
أن يتناوله , مع ورقة خروج من المشفى , ورجعوا
إلى البيت , وبحمد الله , لم يمض سوى أسبوع حتى
تعافى أبو ذيب وتماثل للشفاء ,وذهبت الدوخة عنه .
------------------------------ انتهى
بصرى الشام 7-2-2010م