الأستاذ مصطفى أنشاصي
أفهم دوافع رؤيتك المغايرة لجملتي المذكورة : " (من يظن انه يمكن ان يعيش الحداثة التكنلوجية الاوروبية وان يحافظ على ماضويته الفكرية ، هو واهم ويعيش بتناقضات تجعله يبدو على شكلين ، اما مضحكا في طروحاته الفكرية ، او متمردا يواجه العالم بغضب وعنف ، رافضا لكل الفكر الحداثي ولكنه غير قادر الا على استهلاك منتوجات الحداثة لتنفيذ مآربه ، وهذا التناقض يستحق دراسة من متخصصين ..)" وأشكرك على مداخلتك القيمة جدا والتي تثيري الحوار الهام حول الحدادثة..
ليس مهما ان نتفق على صيغة ، بل ان نستعمل عقولنا ونجتهد فكريا في فهم واقعنا الذي يعيش تناقضاته ، ومن هنا وردت جملتي المذكورة أعلاه.. وما زلت أصر وبقناعة كاملة انها تقييم دقيق للواقع العربي برمته .
قرأت أبحاثا واسعة حول الحداثة ، والأبحاث العربية ، بأكثريتها .. كانت مواعظ دينية مرعوبة من الفكر الحداثي وترى به نقضا للدين .
لا يمكن نفي ان الحداثة هي عملية تاريخية لا ترتبط بمجرد نوايا ورغبات ، انما بتطور الوعي والرغبة في التطوير والرقي والتحرر من المعوقات مهما كان نوعها مما يخلق أحيانا صدامات عنيفة مع الاتجاهات المرعوبة من التغيير ، وليس الدين بل الجهاز الديني الكهنوتي هي الرافض حفاظا على امتيازاته ، كذلك لا يمكن تجاهل ارتباط الحداثة بتطور العلوم والتقنيات والفلسفة والتعليم ، لدرجة ان الكرسي البابوي لم يعد قادرا على صد وقعها وانغرازها في المجتمعات الاوروبية المسيحية ،حتى لا يبدو مقطوعا عن واقعه ومتطلبات هذا الواقع .. فبدأنا نشهد اتجاهات صعبة على التصديق مثل اعتراف الكرسي البابوي بصحة نظرية دارون مثلا... عدا الاعتذار لكوبرنيكس وغاليلو وقبول اكتشافاتهما . ولا أنفي ان بعض الأفكار التي تطرحها الحداثة جاءت من خارج قدرتنا الثقافية على تجاوزها او قبولها ، لأسباب ثقافية وايمانية ، وبعضها أساب دخيلة على الدين من عصر الانحطاط الذي جعلنا خارج التاريخ خلال أكثر من خمسة قرون تأثيرها باق بقوة حتى اليوم .
للأسف مجتمعاتنا خاضعة للفكر التحليلي الغيبي للظواهر وليس الفكر التحليلي العلمي ، ولا ارى تناقضا ان يكون الانسان متدينا وعالما في الفيزياء او الكيمياء او البيولوجيا او الابحاث الطبية او اي فرع علمي آخر ... المستهجن ان نرى الرفض المسبق مع سبق الاصرار لكل رؤية تحمل فكرا حداثيا ، حتى لو كان علميا لا يمكن نقضه . .
من هنا جاءت جملتي ..
ان تاريخ الحضارة العربية يعطينا نماذج هامة لمستوى الوعي الذي كان سائدا ، ولرفض الانغلاق .. عندما اعترض شيخ على ترجمة كتاب راى فيه خروجا عن الدين قال له الخليفة الأمين ( او المامون ) "نترجمه ، نقرأه ولا نعمل به" . اي ان وضع القيود على الفكر سلفا غير وارد ، ويجب ان نكون على اطلاع على كل الفكر حتى لو لم نعمل به .. واليوم لدينا محاكم تفتيش على الفكر وعلى الأدب والبعض يظن انه يخدم الثقافة والفكر والابداع والعلوم بفرض رؤيته الذاتية المريضة أحيانا,, على نظام كامل وعلى تيار فكري وابداعي لا يتلائم مع قصوره الفكري .. فهل يتوقع احد ان تتسرب الحداثة وان تفرض نهجا عقلانيا على الأقل على تفكيرنا ؟
لست متفائلا من الواقع العربي .. ولي مخاوف من استمرار التطور السلبي في مجالات العلوم والتقنيات وتطوير التعليم وتطوير المرافق الاقتصادية وقضايا الحرية الثقافية والفكرية وحق الاختلاف والتعددية الدينية والاثنية ..
لذا نحن نناقش قضية حياة او موت مجتمعاتنا في مرحلة وصلت حد الحسم .. قبول الحداثة بتركيبتها الاوروبية لا يعني التخلي عن قيمنا.. أصلا القيم ليست ثوابت لا تتغير.. بل هي خاضعة للتطور والتطوير والتبديل ، تماما كاللغة .. تلائم نفسها للواقع الفكري والثقافي والعلمي السائد . نحن لا نتحدث اليوم بلغة ومفردات ابن خلدون ، ولا نتحدث بلغة ومفردات طه حسين بل نتحدث بلغة ومفردات نزار قباني مثلا .. بلغة ومفردات ما يسود الاعلام بكل أدواته المطبوعة والألكترونية .. اليست هذه من فروض الحداثة على اللغة مثلا ؟ نحن اليوم لا نستعمل الجمال للتنقل ولا نركب الحمير .. بل سيارات انتجتها مجتمعات الحداثة وطائرات انتجتها الحداثة بكل مركباتها التطويرية العلمية والتكنلوجية . نحن اليوم لا ننتظر شهرا ليصلنا خبر ليلى من العراق ، الى المغرب مثلا ، بل نشاهد الخبر بالصوت والصورة فور وقوعه .. ماذا نسمي ذلك بغير الحداثة ؟ ترفضون الحداثة ؟ لماذا تقبلون مستحضراتها وترفضون الفكر الذي انجزها وتتهمونة بكل ما هب ودب من أوصاف تحقيرية ؟
في عصر الحضارةالعربية في بغداد والاندلس ، لم نكن كذلك . كنا سباقين الى التعلم والتجديد والتطوير.
الموضوع يستحق المزيد من التطوير الفكري .
ملاحظة : لغة المداخلة والأسئلة موجهة لرافضي الحداثة والمشككين في فلسفتها !!